إن مشاعر الصائمين في نهاية شهر رمضان تشبه في بعض جوانبها مشاعر الطلبة عند نهاية السنة الدراسية، فمنهم المبتهج بزوال الواجبات وحلول وقت الترفيه واللعب، ومنهم من يمتزج لديه شعور الفرح بالإنجاز والنجاح بمشاعر الحزن على انقضاء الأيام الحلوة مع الأصحاب والزملاء وعلى فقد مجالس العلم. ومما يستفيده الطالب من كل محطة دراسية هي أنها توطئة لما بعدها، هكذا حتى يتم دراسته، فيستفيد منها في فهم الحياة وتحصيل الرزق.

وإن أعظم ما يحصله المتخرجون في مدرسة رمضان: هي التقوى، وهي الغاية التي حددها العزيز الحكيم بقوله {لعلكم تتقون}. فالحكمة أو الغاية من الصيام إذا هي أن يحقق التقوى، ونتساءل هنا: ما هو الرابط بين الصيام والتقوى؟ وكيف يدوم جني الثمار
حتى بعد انقضاء شهر الصيام؟

معنى الصيام وأصله

والإجابة عن هذا السؤال تفرض علينا التأمل في معنى الصيام وحقيقته وتعيين أصله.
الصيام في اللغة هو التَرْك والكف والإمساك، ولذلك يقال صامت الريح اذا ركدت، وصام الرجل عن الكلام اذا أمسك وسكت. أما في الشرع فالصيام – كما هو معلوم – هو الإمساك عن المفطرات (الطعام والشراب والجماع)، وهذا يسميه الغزالي في الإحياء صوم العامة، أما صوم الخاصة عنده فهو ترك آثام السمع والبصر واليد وسائر معاصي الجوارح، وصوم خاصة الخاصة هو ترك كل ما يصرف عن الله تعالى من الأفكار أو الأعمال الدنيوية.
والقاسم المشترك بين الدرجات الثلاث: هو موقف ثابت من شيء متغير، ألا وهو الترك، وهو أيضًا المعنى اللغوي لكلمة الصيام، وهو الأصل الذي يرجع إليه الصيام.

العلاقة بين الترك والأمر والنهي

الفرق بين الأمر والنهي وبين والترك هو: أن الأوامر والنواهي هي حكم الشرع على سبيل الحث على الفعل أو الكف عنه، بينما الترك هو امتثال المكلف واستجابته العملية للحكم الشرعي، وبذلك يحصل في الترك توافق مقصد الشارع مع مقصد المكلف، فيكون العبد عبدا لله اختيارا كما أنه عبد لله اضطرارا (حسب عبارة الشاطبي)، وهذا دون شك من المقاصد الكبرى في الدين. كما أن الترك يتجاوز الاستجابة للأوامر والنواهي إلى ترك الشبهات والمباحات في مسالك الزهد والورع، وهو طريق التزكية عند أرباب القلوب، وقد قال الصوفية «التخلية قبل التحلية»، ولذلك فان الترك شطر التزكية.

والأمر بالترك ورد في كثير من المواضيع والمجالات، كما أن كثير من العبادات والأخلاق أصلها ترك مثل: التوحيد (ترك عبادة كل معبود سوى الله)، العفو (ترك الانتقام)، السلام (ترك الاعتداء والخوض في الدماء)، حفظ اللسان والسمع والبصر (ترك القول الحرام، وسماع الحرام، والنظر الحرام)، وكذلك أُمرنا بترك الغيبة والكبر والرياء والطمع والجدال وغيرها الكثير من سيئ العادات. وإن أول معصية للبشرية كانت عدم الالتزام بترك الأكل من الشجرة.

فلسفة الترك في الإسلام

يظهر أن الكلام عن فلسفة الترك (أو «الفعل» الذي هو عكس الترك ومجموعهما يشكل الامتثال) أجدى من الكلام عن فلسفة الأوامر والنواهي، إذ الامتثال هو التنزيل العملي للأوامر والنواهي، ولا تحصل فائدة منها إلا إذا أصبحت واقعا عمليا في حياة المكلف، بالإضافة إلى أن هذه المنهجية تعتني بالموضوعية والذاتية معا، فلا تهمل تفاعل الذات وتأثرها بالموضوع كمل تفعل بعض الدراسات النظرية.

إن «موقف الترك» عامة يشكل موقفا معرفيا وفلسفيا فارقا في حياة الإنسان، إنه لحظة من لحظات التجلي والارتقاء، وهو موقف لا يشاركه فيه أحد من المخلوقات. ولقد ذهب بعض الفلاسفة إلى الاستدلال بوجود المحرمات والتابوهات (ويقصدون بها الممارسة العملية بطبيعة الحال) لدى المجتمعات البدائية على وجود الخالق، إذ ما المبرر لأن يفرض الإنسان البدائي على نفسه القيود والمحرمات التي قد تعيقه عن تحقيق مصلحته المادية، وتأمين سبيل النجاة، وهو في خضم معركته مع تحديات الطبيعة القاسية وأخطارها؟

إنها نفس القصة التي تطرحها دائما الظواهر المتجاوزة للمادة، والتي تقف عندها نظريات الفلسفات الوضعية صامتة تعجز عن إيجاد تفسير لها.
وبما أن الصيام من هذه الظواهر فهو موقف روحي متعالي، لكنه عملي، أصله الترك، والترك له فلسفته وشروطه، وإذا أردنا أن نجمل فلسفة «الترك لله» في نقاط محددة فيمكن القول:

– إعادة ترتيب التركيبة الداخلية في الإنسان: إن الترك يسلم ناصية المادة ويضعها بيد الروح المتسامية فوقها، فتتسلم بذلك القيادة من جديد؛ إنه تصحيح لمسيرة حياة الإنسان بوضع الأمور في نصابها، وإعادة توزيع الأدوار ورسم الحدود بين المادي والمعنوي، واسترجاع سيطرة الروح والعقل على النفس الشهوانية الأمارة بسوء، وطريقه سد باب الملذات وتضييق عروق الإمداد، عندها تهدء النفس وتصفو وتنطفى جذوتها ويظهر انكسارها وضعفها، فيسهل انقيادها؛ وهكذا يتحقق قوله تعالى {إن اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.

– تحقيق السعادة: إن من أعجب الأسرار في الإسلام هو طلب سعادة النفس عن طريق المنع ووضع الضوابط لتطلعاتها، بينما لا يزال الإنسان في المجتمعات الحديثة يحاول الوصول للسعادة عن طريق إشباع رغبات النفس والخضوع لطلباتها التي لا تنتهي، وهو يلهث ليل نهار لاسترضائها عن طريق زيادة الاستهلاك وابتكار أدوات الترفيه والترويح وكسب المال والسيطرة على الغير وتحقيق الأمن الغذائي.

وهو بهذا يبالغ في زيادة العبء بما لا يحتمله بناؤه الروحي والقيمي، لكنه كلما أعطاها زاد سعارها، تماما مثل النار التي كلما نالت ما تريد زاد اشتعالها ولهيبها. أما الترك يفضي إلى خضوع النفس وانكسارها، فيضعف سلطانها وتقل إملاءاتها، فتصفو الروح، ويرق القلب، وتنقشع الظلمة، وتحصل الطمأنينة، ويبدأ الإنسان البحث عن معنى الحياة والتفكر في المصير، وتهفو نفسه إلى السعد بمعرفة الخالق ومناجاته، والرجوع إليه والوقوف بين يديه؛ وهذه المعاني تدور حول قوله تعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}.

– التدريب على اكتساب الثقة وتقوية الإرادة: إن كل ترك بالشروط التي ستأتي هو دورة تربوية عملية متجددة تتعزز فيها ثقة الإنسان بنفسه، وقدرته على تجاوزها والتحكم بها، فتكون هذه الإرادة المكتسبة زادًا له ومعينًا في أداء باقي الواجبات الدينية والدنيوية.

– الترك ليس خسارة: قد يبدو الترك خسارة مادية للوهلة الأولى، لكن في كثير من الأحيان يظهر المردود سريعا، مثل الشجرة التي تقطع بعض أغصانها لتنمو الأغصان الباقية، وقد يتأخر تحصيل العوض، كما أنه قد لا يكون من جنس المتروك أصلا، والمسلم لا يشك بأنه لن يدع شيئا لله إلا أبدله لله بما هو خير له منه، كما جاء في الحديث الشريف في مسند الإمام أحمد. وقد قال ابن القيم في الفوائد: «وقولهم من ترك لله شيئا عوضه الله خيرا منه: حق، والعوض أنواع مختلفة، وأجلّ ما يعوض به: الأُنس بالله ومحبته، وطمأنينة القلب به، وقوته ونشاطه وفرحه ورضاه عن ربه تعالى».

– تحقيق فلسفة الابتلاء والجزاء: من جوهر التكليف أن الله سبحانه وتعالى وضع في الإنسان بعض الشهوات والرغبات، وجعل نفسه تميل إليها بحكم طبيعته البشرية، وبما أن الدنيا دار اختبار فرض عليه بعض الأحكام التي تحثه على مخالفة طبيعته وشهوته، تبدأ بالسلوكيات البسيطة مرورا بالصيام وقد تصل إلى التضحية بالنفس ومفارقة الأهل والأحباب، وكلما كان الترك أعز على النفس كان الجزاء أعظم، وكل ترك في حياة الإنسان هو صورة مصغرة عن هذه المهمة الكبرى (الابتلاء والجزاء) وتذكرة للإنسان بطبيعة المسار المصير.

إن الترك عكس التحمل، وكلما زادت الحمولة ثقلت الحركة، وكلما خفت الحمولة تسارعت الخطوات في طريق السلوك إلى الله عز وجل. كما أن الترك على بصيرة سير على السنن والقوانين الربانية في الارتقاء والكمال، وهو طريق الأنبياء والصالحين، وفيه تحقيق العز والشرف الدنيوي والأخروي.

شروط الترك لله

لكي يؤتي الترك أُكله يجب أن تتوفر فيه الشروط التالية:
– أن تكون الشريعة حثت عليه أو رغبت فيه أو على جنسه على الأقل.
– أن يكون لله تعالى، وليس خوفا من أحد من الناس أو طمعا في رضاه أو مدحه.
– أن يكون بمحض الإرادة، مقدورا على الاتيان بما يناقضه، فالترك الاضطراري لا يدخل في باب الترك الذي نتكلم عنه، لأنه من قبيل الجبر.
– أن يكون مقصودا وليس ناجما عن اتفاق الظروف والأقدار.
– أن يكون عن رضى وقناعة وطيب نفس من المكلف.
– أن يكون الترك في مرغوب، إذ إن الترك على ما تعافه النفس وتستقذره بالفطرة لا يُمدح المرء لأجله ولا يُحمد عليه.

 

ضابط الترك

كما في كثير من المجالات أساء بعض المسلمين (فرق وجماعات وأفراد) تأويل مفهوم الترك، فانتقلنا من الترك المحمود إلى الترك المذموم، وهو اعتزال الناس والحياة وترك موقع التأثير والاستخلاف في الأرض، والإغراق في الدروشة والعطالة الفكرية. ومن الأمثلة المتطرفة على ذلك فرقة الملامتية الصوفية التي نشطت في العالم الإسلامي بداية من القرن الرابع، وكان هؤلاء يستعطون الناس ويلبسون المرقع من الثياب، وكان بعضهم يعمل بالنهار، ويتصدق بكسبه ليلا في السر، ثم يطوفون على المزابل ليسدوا رمقهم كما روى السلمي والهجويري. لقد كانت غايتهم في ذلك كسر النفس وإذلالها إذ الأصل عندهم دناءة النفس وتأصل الشر فيها، وهذا المسلك من أسوأ ما يمكن أن تبدعه العقول السقيمة في سبيل تحقيق مقاصد الدين.

إن الكلام عن الضوابط قد يطول، ولكن باختصار يمكن القول أن الترك المحمود هو تخفف من الولوغ في عالم المادة والشهوة، ولكنه ليس غياب عن الحياة، بل هو الأساس لحضور القلب ولعمق الفكر وهو أول الطريق في بناء للإنسان وفيه إرشاد للبشرية وتحقيق للاستخلاف في الأرض. وهذا المعنى العظيم أشار إليه المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: (والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكنِّي أخشى أَنْ تُبْسَط عليكم الدُّنيا كما بُسِطَتْ على من كان قبلكم، فتَنَافَسُوها كما تَنَافَسُوها، وتهلككم كما أهلكتهم). [متفق عليه]

هل هناك خصوصية للصيام بين التروك المفروضة؟

إن الصيام له منزلة خاصة بين العبادات من عدة وجوه، ولعله أكثر العبادات تأثيرا على الحياة العملية عند الناس، وهذا يتجلى في المعاملة الخاصة بشهر رمضان من قبلهم والاحتفاء به وابتكار الأكلات والطقوس الخاصة. ومنزلة الصيام الفريدة تتأتى من عدة اعتبارات منها:

– منهج تزكية متكامل: فيه التخلية والتحلية، تخلية من سيئ العادات والأخلاق (مثل الكذب والجدل والشتم والصخب..) تفضي الى تخلية الباطن من أمراض القلوب، وتحليته بمكارم الأخلاق وأجلّ العبادات، إذ إن رمضان شهر الصبر وشهر القرآن وفيه خير اليالي، تحث المرء على الاجتهاد والإكثار من العبادة وأعمال الخير.

– تجربة حضارية صغرى: الصيام إعادة توزيع الأدوار بين الروح والغرائز كما تبين، وإن كان ذلك يصلح في سبيل إصلاح الفرد، فإن حاجته في إصلاح الأمم والحضارات آكد، ولذلك فالصيام رسالة وتذكرة للإنسان على ضرورة الإصلاح، بالإضافة إلى أنه دُربة له على الممارسة العملية له، لينتقل من الإصلاح الفردي إلى الإصلاح الجماعي. فالصيام إذا تجربة حضارية صغرى، ليكون الإنسان قادرا على بناء الحضارة المثلى.

– الأجر الكبير: في الصيام يدخل الإنسان معركة مع أعتى الشهوات مجتمعة، فلا غرابة أن يحصل بذلك أعلى الدرجات، أما المقدار فقد أخفاه الحكيم الغفار.

– بيان زيف بعض النظريات الاجتماعية والنفسية في تحديد المحرك للإنسان: ما زال علماء النفس والاجتماع في بحث مستمر عن المحرك الأساسي في باطن الإنسان، وذهب تيار واسع إلى أن الغرائز هي الدافع لتحركاته وسعيه، فمثلا يرى مالثوس أن الجوع هو المحرك، ويراه فرويد في الجنس. والدين عامة والصيام خاصة يثبتان أن الإنسان ليس حيوانا تحركه الغريزة في كل وقت وحين، بل يستطيع أن يترفع عنها ويهجرها، ويتحمل المعاناة في سبيل تحقيق غايات أسمى من إشباع دوافع البطن والفرج.

كما أن هناك عدة حِكم وأسرار أخرى تتحصل بالصيام مثل: تحقيق العبودية والإحساس بالفقير والجائع وصحة البدن، والإحاطة بجميعها أمر لا يدرك، والبصير يدرك أن ثمار العبادات وأسرارها دائم أُكلُها فهي لا تنفد، تُسقى شجرتها من عين لا تنضب.

كيف يحقق الصيام التقوى؟

كل ما سبق كان مقدمة للإجابة عن هذا السؤال، لكن أحسب أن الإجابة أصبحت بعد هذا العرض أيسر.
التقوى مصدر فعل اتقى، ومجمل معاني الكلمة كما في المعاجم يرجع إلى: الخوف من الله تعالى، وحذره، وتجنب ما نهى عنه، وامتثال أوامره؛ ويقال اتقى بالشيء أي جعله وقاية له وحماية.
وبرأيي هذه أمور متشابكة وهي مترتبة على بعضها، فالخوف مثلا يؤدي إلى حسن الامتثال، والامتثال يعزز بدوره معاني الخوف والخشية والحذر، وإذا أحسن الامتثال (تجنب ما نهى) كان (وقاية) للإنسان من شرور الدنيا وعقاب الآخرة.

بناء على ما تقدم يمكن القول:

– الصيام منهج تزكية متكامل كما سبق، يحد من سلطان الشهوات ويدفع إلى الاتصاف بمكارم الأخلاق والاجتهاد في العبادات، فتسقط موانع الإقبال، وتُصقل الحاسة الايمانية وتُفعّل المستشعرات الوجدانية وتترهف المشاعر وتنتهض الروح بكليتها بحثا عن النجاة، وأملا في المعافاة (الوقاية)، والنتيجة الطبيعية لهذه التفاعلات النفسية عدة أمور من أهمها: الحب و(الخوف)، والرجاء والحذر.

– الصيام هو بحد ذاته امتثال، لكن هذا تشترك فيه كل العبادات، ولكن الصيام هو أهم عبادة تعوّد الإنسان على مهارة الترك، الذي هو صورة للامتثال. وبما أن الصيام يعيد توزيع الأدوار الداخلية ويشكل دورة تربوية وعملية تدريبية، فإن الحاصل قوة روحية، ونفس أبية، وقناعة ذهبية، ومشاعر نقية، وهكذا فإن الصيام يملّك الإنسان أدوات ومهارات الترك والصبر عن المعاصي، ويمهد لحضور القلب واشتعال الشوق، وتواجد الدافع في سبيل الاقبال وتحقيق (الامتثال).

وهذا ما يبقى للصائم بعد رمضان، فلا يتصور أن الصيام يمارسه المسلم ليجوع ويعطش وينتهي الأمر على هذا، بل إن الغاية منه أنه يرتب حياة المسلم الداخلية، ويجهزها لتحديات ما بعد رمضان، فتكون مكتساباته زادًا له لبقية العام. وخلاصة القول إن الصيام يعطي المسلم وسائل تحصيل التقوى، ويقوي العلاقة بين الإنسان وخالقه. فهل يفرط فيها العاقل بعد كل هذا الجهد، ويقتلع النبتة التي اعتنى بها شهرا كاملا، أم يبحث عن الطرق لتنميتها ورعايتها حتى تصبح شجرة ذات ظل وثمر؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التقوى, الصيام

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد