في ملحق رواية 1984 (رائعة جورج أورويل الشهيرة) أثار الكاتب إحدى القضايا اللّسانية والأنثروبولوجية الهامة، وهي قضية العلاقة بين اللغة الإنسانية وبين الفكر، وقد افترض أورويل أن اللغة تأثر على الفكر وتُقَوْلبه إلى حدّ كبير. في مُلحق الرواية الذي كرسه الكاتب لتقديم شرح للُغة ابتكرها في كتابه وأسماها «اللغة الجديدة»، وهي اللغة الرسمية لدولة أوشيانا (اسم متخيَّل أطلقه أورويل على مجال جغرافي شاسع يتضمن القارتين الأمريكيتين وجزءًا كبيرًا من جنوب القارة الإفريقية وأستراليا والجزر البريطانية وغانا الجديدة) هذه اللغة هي لغة إنجليزية مُعدَّلة ستتبناها الحكومة التّوتاليتارية التي تحكم هذه البلاد بحلول سنة 2050 حسب الراوي بغرض بسط سيطرتها على الدّهماء. في هذه النسخة الجديدة، حسب الكاتب، سيتم إزالة المفردات غير المرغوب فيها من اللغة الإنجليزية «اللغة القديمة» واستبدالها بأخرى تتماشى مع نزوات النظام الحاكم، وسيتم تقليص القواعد النحوية وتقييد المعجم بحيث أن هذه اللغة الجديدة لن تحتوي على مفردات ذات معنى سلبي مثلًا، فضد كلمة جيد ليس هو سيء بل هو «ليس جيدا»، وإذا كان الشيء سيئًا جدًا فسيوصف بأنه ليس جيدًا بشكل زائد، وهكذا… (معجم اللغة الجديدة ونحوُها من صياغة أورويل). هذا التغيير اللّغوي سيكون له غايات منها نبذ أي احتمال لأي أفكار ثورية والحد من حرية التفكير والتعبير ونسف أي عقبة قد تهدد نظام حكم الأخ الأكبر.

جورج أورويل في طرحه هذا حول علاقة اللغة الإنسانية بالفكر والإدراك ليس استثناءً، فهناك فرضية لغوية تدعم نفس الكلام. وضع هذه الفرضية عالما اللسانيات إدوارد سابير  وبينجامين وورف وسُميت الفرضية باسميهما «فرضية سابير ووورف». وقد جاءت بصيغتين: الصيغة الأولى تسمى الحتمية اللغوية، وهي الصيغة الأقوى، وسُميت كذلك لأنها تقول بأن اللغة التي نتحدثها تحدِّد كيفية إدراكنا للعالم، ولدعم هذه الصيغة ضرب ب. وورف مثالا بقبيلة هوبي (من قبائل الهنود الحمر) وبأن سكان هذه القبيلة لا يدركون الزمن بنفس الطريقة التي يدركه بها متحدثو اللغات الأوروبية لأن لغتهم لا تحوي تقسيمًا نحويًا للأزمنة كالذي نجده مثلا في اللغة الانجليزية (did, will, shall, -s, -ed,-ing). الصيغة الثانية للفرضية وهي صيغة أضعف من سابقتها وتسمى «النسبية اللغوية»، وتقول بأن اللغات تختلف في ترميزها لأقسام الكلام المختلفة وبالتالي فهذا يجعل الشخص يدرك العالم حسب اللغة التي يستخدمها، وتضرب هذه الصيغة مثلًا بتمثيل الألوان، ففي لغة النافاهو (من اللغات الأصلية في أمريكا) اللونين الأزرق والأخضر تمثلهما كلمة واحدة، وفي اللغة الروسية مثلا هناك كلمة تمثل الأزرق الغامق (سينيي) وأخرى تمثل الأزرق الفاتح (غولوبوي) في حين أنه في اللغة الإنجليزية تُستخدم كلمتي داكن وفاتح مع الألوان.. واللغات كذالك تختلف في تعبيرها عن المواقع.

الاختلافات اللسانية التي تظهرها اللغات على مستوى القواعد والمعجم هو أمر لا مِرية فيه، لكن يبقى هناك تساؤل وهو: إذا كان لهذه الاختلافات تأثير على أفكار البشر وعلى مداركهم، فما مبلغ هذا التأثير؟

إذا سلمنا جدلًا أن هذه الفرضية على صواب، ألا يعني هذا أننا سجناء للّغة التي نستخدمها؟! ولو كنّا فرضًا لا ندرك ولا نستحضر في أذهاننا الأشياء التي لا نتوفر على مفردات (أو إشارات) لها في معجم لغتنا فهذا بلا شك سيجعل الترجمة من لغة لأخرى أمرًا مستحيلا مثلاً، وهنا سنسوق مثالاً بكلمة في اللغة الإنجليزية ليس لها مرادف في اللغة العربية وهي كلمة «بيتريكور»، والتي تعني الرائحة العبِقة التي تنبعث من الأرض النّدية بُعيد انهمار المطر على أرض جافة؛ هل عدم وجود كلمة في اللغة العربية تصف هذه الرائحة يعني أن مستخدمي اللغة العربية غير مدركين لها (أي الرائحة) وغير قادرين على استحضارها في أذهانهم؟! بل هم مدركون لها ومقتدرون على ترجمتها إلى لسانهم ولو تطلب الأمر استخدام عدد أكبر من المفردات. ونفس الأمر يمكن قوله عن الألوان، فالإنسان على أي حال يستطيع أن يدرك الألوان وإن لم يكن معجمه العقلي مشتملا على كلمات تمثلها. في ملحمتي الإلياذة والأوديسة للشاعر الإغريقي هوميروس لاحظ المفكر ويليام غلاندستون (مفكر بريطاني عاش في القرن 19) أن الشاعر لم يستخدم قط كلمة أزرق لوصف السماء بل هو بالكاد قد استخدم مفردات الألوان، وإذا ما أراد وصف البحر مثلا فإنه كان يقول عنه أنه شبيه الخمر. هل هذا يعني أن هوميروس وقومه لم يكونوا يَرَوْن السماء والبحر كما نراهما؟!

فسر غلاندستون هذا الأمر بأن الإغريق لم يكن عندهم حس بالألوان، فكانوا يَرَوْن العالم باللونين الأبيض والأسود فقط مع مسحةٍ من اللون الأحمر. لكن سيأتي لاحقا اللساني غاي دويتشر في كتابه «عبر مرآة اللغة: كيف يبدو العالم مختلفًا باختلاف اللغات» ويقول بأن غلاندستون لم يكن محقًا في فكرته تلك حول إدراك الإغريق للألوان رغم حدسه القوي في ما يخص تدرّج ظهور مصطلحات الألوان في اللغات الإنسانية، وحسب غاي فإن الإغريق لم يكونوا وحيدين في عدم توفر معجمهم على كلمة أزرق، بل إن اللغات القديمة جميعًا كانت لا تتوفر عليها، وأضاف بأن الإغريق وغيرهم من الحضارات القديمة كانوا يدركون الألوان تمامًا كما ندركها نحن رغم غياب مفرداتها عن معجمهم.

(من الواجب الإشارة إلى أن اللساني غاي دويتشر من الفريق القائل بتأثير اللغة على الفكر والإدراك الإنسانيين وتلك هي فحوى كتابه المذكور).

فئات كثيرة من المجتمع الإنساني كالسياسيين وأخصائيي التسويق وأصحاب ما يُسمى بالبرمجة اللغوية العصبية وغيرهم يعتنقون الطرح الذي ألمح إليه جورج أورويل وجاءت به فرضية سابير ووورف، سواء أدركوا الأمر أم لم يدركوه، فهم مؤمنون بتأثير اللغة على مدارك الناس وعلى قِيَمهم. نأخذ مثالًا على هذا كلمة إجهاض، سنجد حزبا يُسميه «حق الاختيار» في حين أن آخر سيُؤثر تسميته بـ«الحق في الحياة» كل في سعيه للتأثير على الجماهير وكسب ودّهم وتأييدهم. وغير هؤلاء هناك من يدعو لإسقاط الكلمات والعبارات ذات المضمون العنصري أو التي فيها تحقير للغير من اللغة والاستعاضة عنها بأخرى ألطف تعبيرًا وحسب زعمهم فإنه باختفاء الكلمات ستختفي الأشياء التي تمثلها هذه الكلمات أيضًا (تسمى هذه الظاهرة في اللغة بـ«العبارة الملطَّفة»، وهي حين نستعيض عن كلمة يراها المجتمع غير لائقة بأخرى أكثر كياسة)، فعلى سبيل المثال كان الأشخاص غير القادرين على المشي يطلق عليهم لفظ مشلول في اللغة الإنجليزية، ولأنها كلمة «جارحة» فقد استُبدلت بلفظة مُعاق، ثم بعد أن غدت هذه الأخيرة غير مقبولة سياسيا حلّت محلها «مصاب بالعجز»، وحتى هذه لم تسلم من السقوط في فخ سوء السمعة فيتم غالبًا استبدالها بلفظة مُتحدَّى. في كتابه (غريزة اللغة) سمى عالم النفس والنفس اللساني المعاصر ستيفن بينكر هذه الظاهرة بـ(جهاز مشي الألفاظ الملطَّفة)، وقد فسر هذا الأمر بأننا عندما نأتي بألفاظ ملطفة لنعوض بها أخرى ذات مضمون سلبي فإن هذه الألفاظ سوف ترث الحمولة السلبية للكلمات التي جاءت لتحل محلها، فنحتاج حينها إلى الإتيان بألفاظ أخرى وهكذا وكأننا نمشي أو نركض ولكن دون أن نبرح مكاننا.

يعتقد الكثير من دعاة المساواة أنه بزوال الألفاظ التي تكرّس العنصرية والتمييز على أساس الجنس من اللغة ستزول العنصرية وسيزول التمييز على أساس الجنس، وربما يغيب عن هؤلاء أن اللغة ليست عنصرية.. ولكن البشر قد يكونون كذلك بغض النظر عن لغاتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

An Introduction to Language. Fromkin, Victoria. Rodman, Robert. Hyams Nina. (10th Ed)
1984. Orwell, George.
hough the Language Glass: Why the World Looks Different in Other LAnguages. Deutscher, Guy.
عرض التعليقات
تحميل المزيد