يولد الإنسان على الفطرة. الفطرة هي: الخلو من أي معتقد. لو قلنا إن الإسلام دين الفطرة فهو دين الله الذي لا يتعارض مع الفطرة المستقيمة. لا يكتمل الإيمان حتى تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.

الله رب العالمين ولا معبود سواه، دعوة كل الأنبياء والرسل هي توحيد الله عز وجل، ثم كل أمة لها شريعة صالحة لزمان ومكان معين، ثم إن الدين عند الله الإسلام، ثم إن الشرائع الثلاثة هي لدين واحد بالأساس. ثم شريعة الإسلام هي الخاتمة الصالحة لكل زمان ومكان.

الاختلاف عادةً يكون في وجهات النظر والآراء الفكرية، وهو مايمكن أن نسميه (تنوعًا) والخلاف إنما يكون في التنازع على الحقوق وتعارض المصالح.وهو بهذا المفهوم (خصومة حقوق) فالاختلاف محمود والخلاف مذموم بهذا المفهوم.

جميع الشرائع السماوية تتفق على الأصول العشر أو بمصطلح عقائدي (الوصايا العشر) الوصايا التي تضبط علاقة الإنسان بربه والكون وعلاقته مع الناس، وردت هذه الوصايا العشر في الإنجيل وهي: (لا يكن لك إله غيري، لا تحلف باسم الرب بالباطل، احفظ يوم الرب، أكرم أباك وأمك، لا تزنِ، لا تسرق، لا تشهد على قريبك شهادة الزور، لا تشته امرأة قريبك، لا تشتهِ مقتنى غيرك) هذه الوصايا التي تشترك بها اليهودية والمسيحية هي جوهر الدين وجوهر الرسالة المحمدية الخاتمة؛ يقول- جل جلاله – في القرآن الكريم:«قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُم مِّنْ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْالنَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (152) وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (153) وَأَنَّ هَذَاصِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» سورة الأنعام (151،152،153)

وهذه وصايا القرآن الكريم، كلام الله المقدس الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهي أجمع وأشمل وأحكم.

علامة الجدال، وربنا العظيم يقول لنا في كتابه المبين: «وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖوَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» (46) سورة العنكبوت.

علامة النزاع، وربنا العظيم يعلمنا القول الفصل في الجدال؛ فيقول في كتابه المبين:«قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139)» سورة البقرة

لست مع من اغتصب أرضًا باسم الدين، ولست مؤيدًا لمن يفتعل الأزمات السياسية في البلدان ليقول: إن سبب الأزمات هو الدين.

ولست مع من يخربون بلدان المسلمين بحجة تطبيق الدين.

ولست مع العيش بفكرة نظرية المؤامرة المستمرة  على الدين، التي تتعلق بالمصالح قبل صراع المعتقدات.

فحقيقة الدين شيء وفهم الناس وسلوكياتهم شيء آخر.

فهذا ما يشترك به أتباع الشرائع الثلاثة. المشترك الذي لو اتبعه الجميع وسار عليه لأصبحت حياة الناس على خير عظيم.

هذا نور المشكاة الواحدة بعيدًا عن اتباع شرائع ربي وما هم عليه.

سيعترض أحدهم ويقول: تقارن القرآن الكريم المحفوظ بحفظ الله له بكتب محرفة.

على مهل!

يوجد قياس تعلمناه من القرآن الكريم وسيدنا المصطفى عليه الصلاة والسلام: فما وجدناه لا يختلف عن وحي القرآن الكريم نسلم بصحته. وما وجدناه مخالفًا للوحي المحفوظ بحفظ الله له حكمه العكس.

سيعترض آخر ويقول:«مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْركين» (67) آل عمران.

فأقول:اليهودية والنصرانية هي شرائع لدين واحد هو الإسلام لله (بعيدًا عن الأتباع وماجرى من تحريف)

لكن اليهود والنصارى لما نسب كل فريق منهم سيدنا إبراهيم لنفسه نزلت هذه الآية لتبين أن سيدنا إبراهيم كان مؤمنًا بربه الواحد غير مشرك.

لأن أتباع الشرائع غيروها من شرائع توحيدية إلى شركية، فالآية لاتدعو للتفرقة وأن ينسب كل فريق سيدنا إبراهيم لنفسه، لكنها تدعو إلى اتباع ماكان عليه سيدنا إبراهيم من عقيدة صحيحة.

فمن مات على التوحيد من أتباع الأنبياء والمرسلين قبل مبعث النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام فهو مؤمن موحد لله عز وجل ومن المسلمين.

فرسالة كل الأنبياء والمرسلين هي دلالة الناس على ربهم خالق الكون العظيم الفردُ الصمد.

سيعترض آخر ويقول: قال ربنا:«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» المائدة (51)

فأقول: إن الله أمرنا ألا نتبع عقائدهم التي انحرفت عن التوحيد، وعدم تأييدهم عليها لكنه لم يأمرنا بعدم التعايش معهم بسلام.

حرية الاعتقاد التي كفلها الله تعالى بقوله:«لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ» نفهم منها العيش (بالسلام المتبادل) مع الثبات والمحافظة على الاعتقاد (الصحيح) فلا تعارض بينهما كما يتوهم أصحاب الإيمان الهش المهزوز أمام كل فكرة.

وإن الزبور والتوراة والإنجيل وحيها الواحد كله في القرآن، حتى وإن تم تحريفها فالقرآن حافظ لها، محفوظ بحفظ الله له.

قال الحق تبارك وتعالى:«نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ»  ال عمران (3)

لهذا كان من أركان الإيمان: الإيمان بكتبه ورسله.

لقد بعث الله سيدنا محمد – عليه الصلاة والسلام – رسولًا للإنسانية ورحمة للعالمين ورسالته الخاتمة: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ» سورة سبا آية (28)

إن ديننا جاء ليتمم ويستوعب كل الثقافات والتجارب الحضارية والرسالات السماوية ويصدقها ولم يأتِ لينقضها إنما ليعيد صياغتها (بعد تحريفها) ليؤكد عليها، على أفضل وأكمل وجه ليكون هو الخاتم الصالح لكل زمان ومكان.

أقول هنا:«إن كمال الدين والتشريع لا يتعارض مع كونه نزل بتدرج في الزمان والمكان، فالكمال في ذاته والتدرج في نزوله».

فالإسلام ليس دينًا جديدًا بل هو إتمام للتوحيد الذي هو دعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام وسيدنا موسى وسيدنا عيسى، وكل الأنبياء والمرسلين. فرسالة النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام هي بعث وتجدي لدين التوحيد الواحد. فالإسلام على هذا الاساس هو الدين الواحد ورسالة سيدنا الحبيب هي الأحدث تشريعًا بين الديانات الثلاثة. وبمصطلح أحبه أكثر (الشرائع الثلاثة).

بهذا المفهوم فالإسلام هو النسخة الأحدث الأكمل الأفضل الأشمل الذي علينا اتباعه.

قال الحق جل وعلا:«الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚفَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» الأعراف (157).

يقول الحق تبارك وتعالى وقوله الحق:

«وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ ال عمران (81).

يقول الإمام القرطبي رحمه الله ورضي عنه:«إن الله تعالى أخذ ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضًا ويؤمن بعضهم ببعض وينصره ويؤيده.

ثم أخذ الله ميثاق النبيين أجمعين أن يؤمنوا بسيد الخلق عليه الصلاة والسلام وينصروه إن أدركوه، وأمرهم أن يأخذوا بذلك الميثاق على أممهم».

نعم إنه دين واحد والاختلاف في التشريع.

لكن اتباع الشرائع اليهودية والنصرانية خرجوا عن اتباع سيدنا موسى وسيدنا عيسى- عليهما السلام – وحرفوا تلك الشرائع.

تمامًا مثلما نعاني اليوم؛ مسلمين يتبعون أفكار ومفاهيم رجال دين محسوبين أنهم يمثلون الإسلام ويتخذون من أفكارهم ومفاهيمهم دينًا لهم. (الدين المشوه).

ولو اتبع اليهود والنصارى شريعة أنبياء ورسل الله، لعرفوا أن سيدنا الحبيب محمد- عليه الصلاة والسلام – جاء بدعوة التوحيد التي جاء بها الأنبياء والرسل من قبله، ولو اتبع المسلمون حقيقة الدين الذي جاء به سيدنا الحبيب- عليه الصلاة والسلام – وتركوا المفاهيم المشوهة للرجال المحسوبين على الدين في عصرنا الحالي لما صارت الأمور إلى ما صارت إليه اليوم (علماء الأمة والسلف الصالح هؤلاء هم سادتنا، ومن نورهم نقتبس وبهم نهتدي) أنا هنا أتكلم عن الحركات المعروفة.

لاوجود لشيء (اسمه الديانة الإبراهيمية) بالمفهوم الذي يروج له بعض من يتحدثون بما لا يفقهون، فما كان عليه سيدنا إبراهيم كان عليه سيدنا موسى وعيسى وهو ذاته رسالة النبي الخاتم الأعظم سيدنا محمد عليهم الصلاة والسلام.

فما بعث الله نبيًا ولا رسولًا إلا وبشر بالحبيب المصطفى النبي الأعظم والرسول الأكمل.

به ختم الرسل والأنبياء وبه كمل عددهم، ولقد كمله الله- عز وجل – بجميع المحاسن التي تفرقت في الأنبياء والرسل قبله، وشرف شريعته السمحةَ بأن جعل أحكامها متصلة بالآخرة لا ناسخ لها ولا مبدل لها، محفوظة من تلاعب الناس وتحريفهم.

والسؤال هنا: كيف بأتباع الدين الواحد؟

وما يجمعهم أكثر؟

فالأصل هو الإيمان بالله تعالى الواحد وبالضرورة الإيمان برسله ورسالاته، والإيمان بسيدنا الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه.

ثم أفكار الناس تتراوح بين الصواب والخطأ، لا بين الكفر والإيمان، ذلك أن الاختلاف مقصد وجوديّ تكويني ليُخرج الله أفضل ما في الناس بالناس.

وبهذا تتجاوز الأمة مفهوم الفرقة الناجية(المشوه) الذي يجعل من جنة ربي حكرًا لفرقة وطائفة معينة، هذا المفهوم الذي يتعارض مع رحمة ربي، إلى مفهوم الطريق المنجي والسلوك والصفات المنجية. فتسع جنة ربي كل من آمن بوحدانيته ورسله ورسالاته. أنا من خير أمة أخرجت للناس من أمة مباركة أمة سيدي الحبيب المصطفى عليه صلوات الله وسلامه، أنا من أمة سلوكها الصراط المستقيم، ثم إن أكرمكم عند الله أتقاكم.

أيها الناس إن إلهكم واحد وإن الرسالة واحدة ثم إن الأنبياء والرسل إخوة لا نفرق بين أحدٍ منهم، ونؤمن أن سيدنا الحبيب محمد هو خاتمهم وأكملهم وأفضلهم والمبعوث رحمة للعالمين، ونؤمن أن الإنسان بناء الله معصوم الدم والعرض والمال إما بإسلام أو عهد ذمة أو أمان، هدم الله مَن هدمه.

ونؤمن أن بني آدم إخوة إما في الدين وإما إخوة في الإنسانية. وحيّ على الوداد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد