يخلط كثير من العوام -والإسلاميون على وجه الخصوص- بين مفهومي القومية، والذي يعني الانتماء إلى شعب تجمعه اللغة والتاريخ والهوية وأحيانا البقعة الجغرافية، وبين مفهوم الناصرية “أي منهج جمال عبد الناصر” الزعيم القومي كما أظهر نفسه، أو كما يحلو لمؤيديه أن يُظهروه.

وإذ يحتدم النقاش كثيرا بين مختلف التيارات الفكرية من جهة، وبين الناصريين من جهة أخرى حول إنجازات هذا الرجل من رفعة اقتصادية لبلده وتنمية للمواطنة والمكانة المصرية في الوسط العربي، وبين وقائع التاريخ التي صعدت بنجم عبد الناصر لوغاريتميًّا حين أنقذه الاتحاد السوفيتي من أنياب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م، وما انتكس بعدها على نحو رأسي حينما تخلى عنه ذات الاتحاد خلال حرب الـ67 والهزيمة المنكرة بحق الدولة العربية القومية الموحدة “سوريا ومصر”.

وفي نظر المناوئين للناصرية فإن مصائب من دمغوا أنفسهم بوصف القومية وألصقوا أنفسهم بها تجاوزت أكثر من ذلك، فقفزا على الحكم الديكتاتوري المتفرد الممزوج بالقصم والإعدام بحق المعارضين، والتبعية السياسية التي تنفي عنهم كل وصف بالشعور القومي الحقيقي، فإنهم أيضًا قد اصطدموا ليس فقط مع من يخالفهم الرأي، بل مع من لا يؤيدهم ويكتفي بالوقوف على جادة الحياد، عبَّرت عن ذلك الشعارات الدوغمائية ذات الطابع التأليهي، والتي خطَّها بعض المؤيدين من الطبقة المثقفة المحسوبة على الناصرية، بقولهم على سبيل المثال:

آمنت بالبعث ربًا لا شريك له *** وبالقومية دينا ما له من ثاني

وما ردده آخرون على نحو ساخر:

ســـلامٌ على ديــن يفرق بيننا *** ويـا مـرحبـًا بـعـده بـجهـنـــم

مثل هذه الشعارات وغيرها، وإن لم تخرج من الرموز الحاكمة، وربما لم يسمع بها جمال عبد الناصر نفسه، إلا أنها أعطت انطباعًا مغلوطًا للإسلاميين حملهم على معاداة القومية الفطرية، وأحدثت خصومة متجذرة في أعماق الفكر العربي بين الإسلاميين من جهة، وبين غيرهم ممن يقفون في الخيمة القومية من ليبراليين وعلمانيين وشيوعيين من جهة أخرى.

على أي حال لن أخوض كثيرا في تلك الديماغوغيا الجدلية حول حياة الرجل، ذلك أنه بالنهاية قد أفضى إلى ما قدم، وكما أن فلسطين لا تعني صلاح الدين، والفيزياء لا تعني أينشتاين، فإن القومية أيضًا لا تعني جمال عبد الناصر، برغم ما قدمه صلاح الدين لفلسطين، وما قدمه أينشتاين لعلوم الفيزياء، وما يبدو عبد الناصر أنه قد قدمه للأمة العربية بعيون مؤيديه، لكني أحببت أن أنوه إلى ضرورة الفصل بين الشخصيات والصبغة التي دمغها بها الإعلام، حتى بات الواحد وكأنه مخترع لها أو مالك.

إنني أعتقد أن القومية وإن ظهرت كمفهوم في القرن الثامن عشر إلا أنها خاصية بشرية تجلَّت في حياة أكثر الناس تدينًا، فحينما أُخرج النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم من مكة، التفت وهو على حدودها قائلا: “والله إنك لأحب بلاد الله إلى قلبي، ولولا أن أهلك قد أخرجوني منك ما خرجت”، إذا فحب الوطن والاعتزاز بلغته وتراثه، وأرضه، جزء من الفطرة وأصل من مكونات العنصر البشري، كحب العائلة والأسرة والحي الذي يسكن فيه الإنسان.

من هنا يجدر اليوم بالإسلاميين الانتباه أن المناداة بالفكر القومي سبيل لتحرير فلسطين ليس خروجًا أرعن عن العقيدة، بل هو استجابة فطرية لمسيرة تاريخ حفل بزوال الحكم الإسلامي عن العديد من الأراضي الإسلامية كالأندلس والهند، وذلك لعدم وجود قوم ذوي جنسية وهوية وعرقية موحدة يجتمعون على تحريرها، والحال مشابه مع فلسطين إذ إن المطالبة بتحريرها على أساس ديني يخلق ذريعة للمحتل بالبقاء فيها على أساس ديني أيضا، بادعاء أن اليهود قد توطنوا أرض فلسطين منذ فجر التاريخ، بل ويخلق نظريّا مجالا للمسيحيين بأن يطالبوا بها على نفس الأساس باعتبار أنهم كانوا عليها قبل المسلمين.

ولأن الحقوق لا تنتزع ولا تعطى على أساس ديني، فإن قضية فلسطين لا بد أن توضع في إطارها القومي الحقيقي الذي يُعنى بقوم أخرجوا من أرضهم ولا بد أن يعودوا إليها وأن تكون السيادة لهم، دون التفات لديانة أو طائفة أو مذهب أو أيديولوجيا، هم قوم فلسطينيون (أخرجوا من أرض لهم الحق في السيادة عليها) سواء أكان الفلسطينيون مسلمين أم مسيحيين أم بوذيين.

لا بأس من تطعيم الخطابات بشيء من التذكير بالمكانة الدينية لفلسطين عند المسلمين أو المسيحين على حد سواء، بشكل يخلق حشدا حقيقيّا ومناصرة واسعة للقضية الفلسطينية في الأوساط الإسلامية والمسيحية، لكن ما لا يجب التماهي والتغييب فيه هو أن يكون الدين معيارًا أولا، ولغة أولى لخطاب القادة والمسئولين الفلسطينيين.

وإذ أقدِّر أهمية الدين والخطاب الديني في حشد الطاقات ورفع الهمم وغيرها من الثمار التي يسعى لقطافها الإسلاميون عبر مؤتمراتهم وندواتهم التثقيفية، ومدى تأثير قدسية الجزاء والثواب في تحمل مشاق الحروب ونواتج العدوان، واحتساب الجهود المبذولة في ميزان الحسنات يوم القيامة حينما تكون النوايا من الجهاد دينية محضة مخلصة لله فقط، بالرغم من جميع ما سبق إلا أنه يبقى هذا منهاج تربية خاص ومنفصل تمامًا عن لغة الخطاب التي يجب أن تصوغه النخب القيادية في التيارات الإسلامية، سواء أكانت على أراض ذات أجندات قتالية كالحال في فلسطين، أو تعمل ضمن مشروع إصلاحي كحال الإخوان في مصر.

إذ إن لغة دينية كتلك تمنع المكونات الشعبية الأخرى عن أن تأخذ على عاتقها العمل أو التضحية أو حتى مغامرة السير برفقة أو تحت ظل قيادة إسلامية، وتعطي انطباعا عن صراعٍ طائفي بين الفلسطينيين وإسرائيل وبنزع شرعية الحق القومي في الأرض الفلسطينية ككل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد