يرتكز الخطاب الديني عند الدكتور سعد الدين الهلالي على عدة مبادئ أساسية يصرح بها دومًا في برامجه ومحاضراته، وتتلخص تلك المبادئ فيما يلي:

 

  • 1- يرى الدكتور الهلالي أن لكل مسلم – بغض النظر عن مستوى تعليمه وثقافته – الحرية في اختيار القول الديني – عند أي عالم من علماء التراث – الذي يتناسب معه.
  • 2- يدعو الدكتور الهلالي كافة مستمعيه إلى تسويد النفس عن طريق استفتاء القلب في معرفة الحلال والحرام.
  • 3- يحذر الدكتور الهلالي مستمعيه من العلماء الذين يرجحون بين أقوال وآراء الفقهاء، ويدعي أن هؤلاء العلماء يريدون أن يلقوا على ترجيحاتهم صفة القداسة؛ ليكتسبوا طابعًا كهنوتيًا سلطويًا يفسد على الناس دنياهم.

وبالرغم من أن هذه المبادئ تلقى قبولًا عند طائفة كبيرة من الناس؛ بسبب توافقها مع موضة تجديد الخطاب الديني التي يسوق لها الدكتور سعد الدين الهلالي وغيره وفقًا لمفهوم معين، إلا أنها ربما لا تصمد أمام التساؤلات المنطقية، والتي يطرح المقال بعضًا منها فيما يلي:

أولًا: إذا انحصر دور العالم في مجرد ترديد أقوال الفقهاء السابقين ليختار – المقلد – منها ما يشاء، ألا يرى الدكتور الهلالي أن – في قوله هذا – تقديسًا لأقوال الفقهاء البشرية، وجعلها مصدرًا من مصادر التشريع، مساوية بذلك نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة في القداسة؟

ثانيًا: إذا انحصر دور العالم في مجرد ترديد أقوال الفقهاء السابقين ليختار – المقلد – منها ما يشاء، فما هي الفائدة العملية للكليات الشرعية؟ – كتلك التي يعمل فيها الدكتور سعد الدين الهلالي – فوفقًا لفلسفة الخطاب الديني عند الدكتور الهلالي، ليس هناك حاجة لمثل هذه الكليات؛ إذ ليس من العسير أن يذهب المقلد بنفسه إلى كتب الفقه؛ ليختار منها ما يشاء، وإذا تجازنا عن ذلك فمن حقنا أن نتساءل حينئذ عن: ما هي أهمية علم أصول الفقه الذي به تفهم قواعد الاستنباط وضوابط الترجيح؟ هل تُحصر ثمرته في فهم عِلل أقوال الفقهاء وفقط؟! ثم ما هو مفهوم الاجتهاد حينئذ؟ وما هو مفهوم الدكتور سعد الدين الهلالي للدليل الصحيح المقبول والدليل الضعيف المردود! للأسف هذه اعتراضات لم يقدم لنا الدكتور الهلالي عليها جوابًا صريحًا.

ثالثًا: إن المتتبع للبرامج الإعلامية للدكتور سعد الدين الهلالي يراه دومًا يسترسل في ذكر الآراء الفقهية، بغض النظر عن بيان حال قائليها من حيث التعديل والتجريح؛ مما يدفعنا إلى أن نتساءل: من هو المبتدع عند الدكتور سعد الدين الهلالي؟ وما هي البدعة؟ وهل يُقبل قول المبتدع؟ وهل يُجَوِّز الدكتور سعد الدين الهلالي التعبد لله سبحانه وتعالى بالبدع؟

رابعًا: إن توسع الدكتور الهلالي في القول بحجية الاختلاف في الإباحة يدفع المثقفين من مستمعيه إلى أن يتساءلوا:

هل كل اختلاف للفقهاء حول مسألة ما يعد مبررًا لاتباع أي منها؟

  • إذا كان جواب الدكتور الهلالي عن هذا السؤال بالإيجاب، فمن حقنا أن نتساءل ما هو سنده، ومن من أهل العلم وافقه، إن علماء الأصول على العكس من ذلك تمامًا يستبشعون هذا المذهب صرح بذلك الشاطبي في الموافقات، فقال: وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية حتى صار الخلاف في المسائل معدودًا في حجج الإباحة ووقع فيما تقدم وتأخر من الزمان الاعتماد في جواز الفعل على كونه مختلفًا فيه بين أهل العلم.([1])

ومن تهاوي هذه الفكرة اتهم الحافظ ابن عبد البر أصحابها بالجهل، وذلك في قوله: “الاختلاف ليس بحجة عند أحد علمته من فقهاء الأمة، إلا من لا بصر له، ولا معرفة عنده، ولا حجة في قوله.([2])

  • إذا كان جواب الدكتور سعد الدين الهلالي على السؤال السابق بالإيجاب  فما هو تعريفه لزلة العالم؟ وما هو مفهوم القول الشاذ لديه؟

هل يَعْتَبر الدكتور الهلالي الأقوال الشاذة، وزلات العلماء أقوالًا معتبرة يصح تقليدها والافتاء ربها؟ يبدو من جملة خطابه الفقهي اعتباره ذلك على خلاف ما أجمع عليه علماء الأصول، إذ قد وصف علماء الأصول من يعتبر زلات العلماء في حجج الإباحة بأقبح الأوصاف، ويبدو هذا واضحًا فيما حكاه القاضي الأزدي – رحمه الله تعالى – في قوله: دخلت على المعتضد، فَدَفَع إليَّ كتابًا نظرت فيه، وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء، وما احتج به كل منهم، فقلت: إن مصنف هذا زنديق. فقال: ألم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رُوِيَت، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح المسكر، وما من عالم إلا وله زلّة، ومن جمع زلل العلماء، ثم أخذ بها ذهـب دينه، فأمَر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب. ([3])

وبين الشاطبي علة عدم اعتبارها، فقال: (لا يصح اعتمادها – يعني زلات العلماء – خلافًا في المسائل الشرعية؛ لأنَّها لم تصدر في الحقيقة عن اجتهاد، ولا هي من مسائل الاجتهاد، وإن حصل من صاحبها اجتهادٌ، فهو لم يصادف فيها محلًا، فصارت في نسبتها إلى الشرع كأقوال غير المجتهد، وإنما يعد في الخلاف الأقوالُ الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة، كانت مما يقوي أو يضعف، وأما إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل أو عدم مصادفته فلا؛ فلذلك قيل: إنه لا يصح أنْ يُعتد بِها في الخلاف، كما لم يَعتد السلف الصالح بالخلاف في مسألة ربا الفضل، والمتعة، ومحاشي النساء، وأشباهها من المسائل التي خفيت فيها الأدلة على من خالف فيها.

هذا ومن الخطأ أن يفهم من هذا الكلام أن العلماء الذين يرجحون بين الأقوال يدعون إلى الجمود على القول الواحد – بل على العكس من ذلك تمامًا – وذلك لأن من قال بالترجيح من العلماء هم أنفسهم من قالوا إن هناك نوعًا من الاختلاف سماه الأصوليون بالاختلاف السائغ المعتبر، واختلاف التنوع، وهو نوع من الاختلاف لا يُنكر فيه، ووجوده من محامد الشرع الحنيف، وفيه توسعة من الله على عباده، ورحمة من الله بخلقه. وهذا الذي يحمل عليه قول الإمام النووي، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه.([4]) إضافة إلى ذلك فنفس العلماء الذين يرجحون بين أقوال الفقهاء هم أنفسهم من يجيزون الاجتهاد الذي يتعدى مرحلة الترجيح إلى إيجاد قول جديد، فيقبلون ذلك طالما اقتضى الحال، وكل هذا وفقًا لقواعد وضوابط معينة.

خامسا: ويتعلق بإلحاح الدكتور الهلالي الشديد على مستمعيه بالتحرر من ربقة من يُسَمَون بعلماء الدين عن طريق تسويد النفس واستفتاء القلب في معرفة الحلال والحرام، والتي يدلل عليها دومًا بقول النبي – صلى الله عليه وسلم – استفت قلبك وإن أفتاك الناس.

ألا يرى الدكتور الهلالي أن تلك النظرة تسبب الفوضى العلمية في الدين والعبث بأحكام الشريعة، ثم لماذا إذًا ينتقد الدكتور الهلالي تنظيم داعش أو غيره من التنظيمات الإرهابية، ألم يسفكوا الدماء بسبب تسويد النفس واستفتاء القلب والتقليد بغير بينة!

ألا يرى الدكتور الهلالي أن تلك النظرة لها مفاسد عظيمة؟ وذلك لاختلاف أنواع القلوب وطباعها، وقد أشار الشوكاني إلى ذلك في إرشاد الفحول في قوله: أما قوله – صلى الله عليه وسلم – استفت قلبك وإن أفتاك الناس… فذلك في الواقعة التي تتعارض فيها الأدلة، قال الغزالي: واستفتاء القلب إنما هو حيث أباح المفتي، أما حيث حرم فيجب الامتناع، ثم لا نقول على كل قلب، فرب قلب موسوس ينفي كل شيء، ورب قلب متساهل يطير إلى كل شيء، فلا اعتبار بهذين القلبين، وإنما الاعتبار بقلب العالم.([5])

وأخيرًا فإن علماء المسلمين – الذين يفتون في أمور الدين بالترجيح – ليسوا مثل رجال الإكليريك المسيحيين، الذين جعلوا تفسير الكتاب المقدس قاصرًا على طائفة معينة من القساوسة، حتى يأتي فضيلة الدكتور سعد الدين الهلالي واصفًا إياهم بالكهنوتيين ليتقمص هو دور مارتن لوثر في دعوته لتحرير الكتاب المقدس من استئثار رجال الكنيسة له، بل إن كافة علماء المسلمين يدعون الناس إلى العودة إلى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وكتب التراث الإسلامي، عودة منضبطة بقواعد المنهج السليم القائم على تقديم علوم الآلة كاللغة والأصول قبل الخوض في الاستنباط والترجيح.


([1]) الشاطبي: الموافقات، جـ 5، صـ 92، دار ابن عفان الطبعة الأولى، 1997م
([2]) ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله، جـ2، صـ 89 دار الكتب العلمية بيروت
([3]) الإمام الزركشي: البحر المحيط في أصول الفقه، جـ 8، صـ 383، دار الكتبي، الطبعة الأولى، 1994م
([4]) الإمام النووي شرح صحيح مسلم، جـ2، صـ 23
([5]) الإمام الشوكاني: إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول جـ2، صـ200، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى 1999م

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد