يُشكل سد النهضة أو ما يعرف بـ«سد الألفية»، والذي يقع على النيل الأزرق بمنطقة بني شنقول- قُمز على الحدود المتاخمة للسودان في مسافة تتراوح ما بين 20- 35 كليومترًا، عند قوس العرض(6 11) شمالًا، وخط الطول (9 35) شرقًا وعلى ارتفاع بين (500- 600م) فوق مستوى سطح البحر، ويبلغ ارتفاعه (145) مترًا، وطوله حوالي 1800 متر، وتبلغ التكلفة الإنشائية للسد حوالي(4.8- 5) مليار دولار وقد تصل بنهاية المشروع التكلفة إلى 8 مليار دولار للتغلب على المشاكل الجيولوجية التي قد يتعرض لها السد، ويعد سد الألفية أحد السدود التي تسعى إثيوبيا لتشييدها بغرض توليد الطاقة الكهروبائية، وتبلغ سعتة التخزينية بحوالي 74 مليار متر مكعب «أي ما يعادل حوالي مرة ونصف من إجمالي سعة النيل الأزرق من المياه سنويًّا»، يتكون سد النهضة من وحدتين إنشائيتين هما السد الرئيسي ( (main dam والسد السروجي (sadldle dam) بحيث يقع السد السروجي على بُعد 10 كيلو مترات من السد الرئيسي وظيفة السد السروجي هي زيادة القدرة التخزينية لبحيرة سد النهضة، وتقدر القدرة الكلية للتوليد الكهربائي للسد بحوالي (6 آلاف- 7 آلاف) ميجاوات في الحد الأقصي، وبقدرة توليد بحوالي 5150 ميجاوات تعادل الحجم الحالي لبحيرة سد النهضة وحوالي مرة ونصف الإيراد المائي الطبيعي السنوي المتوسط للنيل الأزرق، ما يعادل ثلاثة إلى أربعة أضعاف من حجم الطاقة الكهربائية المنتجة ومن إجمالي السدود السودانية والتي يبلغ عددها ستة سدود ( الروصيرص– سنار– جبل أولياء– خشم القربة– مروي– أعالي عطبرة وستيت)، وإجمالي ما تنتجه محطات التوليد الحراري.

الأبعاد الجيو استراتيجية والجيوبولتيكة لسد النهضة تجاه السودان

أصبحت قضية المياه واحدة من القضايا المهمة والضرورية في عناصر الأمن القومي والإقليمي والدولي للدول وعنصر جاذب ومهم وثروة طبيعية متجددة بحركتها بحيث باتت أكثر حيوية من النفط وتحول ملف سد النهضة لأهميته ولعبه دورًا مهمًّا في حوض النيل إلى سبب للنزاع بين الأطراف ويمثل قاسمًا مشتركًا بين دول حوض النيل (إثيوبيا، السودان، مصر)، إلى جانب العديد من المتغيرات منها الجيواستراتيجية وتطور العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية ما يعكس أن إثيوبيا تحاول أن تعيد تشكيل التوازنات الجيواستراتيجية في المنطقة وتعمل على تعزيز أدوارها على قدر يعظم مكانها الإقليمي في المنطقة كذلك على مستوى القارة، عبر تمركزها في حوض النيل من خلال إنشائها أكبر السدود على مستوي القارة، إذ تعارض إثيوبيا الآن العديد من خطوات التنسيق بين الشركاء بدءًا في خطتها الأولية لبدئها في ملء بحيرة السد، فإثيوبيا ترمي على أقل تقدير إلى تحقيق السيطرة على المياه، وذلك من خلال خلق منظومة جديدة بالإقليم عبر شراكاتها مع إسرائيل لضمانها وضعية إقليمية ودولية جديدة على أساس اعتماد برنامجها التنموي الجديد القائم على الصناعة والتكنولوجيا والاقتصاد والطاقة النظيفة، بحسب اتفاقية مياه النيل 1959م والتي تقدر بـ18.5 مليار متر مكعب، نسبة لصغر السعات التخزينية لبحيرتي «خزاني» الروصيرص وسنار مقارنة بالاحتياجات المائية على النيل الأزرق مما يؤدي إلى شح المياه خلال موسم جريان المنخفض للنيل الأزرق، وعدم استهلاك السودان لحصته من اتفاقية مياه النيل ليس بالضرورة بسبب عدم وجود سد كبير في السودان إذ إن السعة التخزينية الكلية للسدود السودانية الستة (الروصيرص– سنار– جبل أولياء– خشم القربة– مروي– أعالي عطبرة وستيت) تفوق حصة السوادن من المياه، ولكن سد النهضة سيساعد السودان في استغلال حصته من مياه النيل بصورة أسرع وأسهل، أيضً إلى جانب تعاطي إثيوبيا مع ملف سد النهضة «التفاوض»، وحوارها مع الأطراف بمنهجية وأدوات وأساليب مختلفة فهي تتعامل بإزدواجية التعامل أشبه بمنهج «تجاهل الأطراف تارةً والمماطة، وكسب الزمن والتصريحات المرنة» في التعاطي مع الأطراف.

ومن أخطر المعادلات لهندسة الجوار الإثيوبي مع دول الجوار هو قيام إثيوبيا بهندسة جوارها بإعادة ترتيب التمركز القبلي حول المناطق المحيطة بالسد مغبة تلافي وتدارك الصراع القبلي في المناطق المحيطة بالسد مما قامت بإعادة ترتيب التمركز القبلي وإبعاد بعض القبائل لمحاولتها خلق توازنات وتمركزات قبلية جديدة فقامت بإغلاق (تحجيمهم في مكان محدود) «الأرمو بالبني شنقول-قُمز» مما يعمل على سحب تمركز الأرمو على السودان وعملت على إغلاق «الأمهرا بالتقراي» لتلافي وتدارك دور القبائل الحدودية المتاخمة على السودان وخطورتها في مغبة أن يحدث تداخل عرقي وانصهار مع القبائل السودانية وانتقال الثقافة إلى السودان، وبالتالي ستتشكل تمظهرات وتشكُلات جديدة في المنطقة التي يقوم عليها السد تكون مهددة في أدنى تقدير حال نشوب صراع قبلي بين المكونات، لذلك قامت إثيوبيا بإجراء هذه التوليفات بما تسمى هندسة الجوار الإثيوبي وتعد من أخطر السياسات الإثيوبية التي أتبعتها لحفظ الأمن مع السودان، ويعد «شعب بني شنقول-قُمز» وهم جماعة عرقية تعيش على الحدود الإثيوبية السودانية وهو أحد الأقاليم المكونة للفيدرالية الإثيوبية ويقع السد في إقليم بني شنقول-قُمز وتبلغ إحصائيتهم بحوالي 4 ملايين نسمة.

القيمة الاقتصادية للسد التي سيضيفها للسودان

نفس تدفقات المياه من إثيوبيا «سد النهضة» إلى دول المصب يتدفق السكان الإثيوبيين من مناطق «بني شنقول- قُمز وإقليم الأمهرا وإقليم الأرومو» تجاه السودان نحو منطقة منخفضة غنية بالأراضي والثروة الحيوانية والتجارة الحدودية وفي الوقت ذاته قليلة السكان وربما تكون خالية السكان في بعض المناطق، فالسد سيؤدي التي تكامل اقتصادي استراتيجي آمن بين السودان وإثيوبيا، فسد النهضة يمثل «الحصن العالي أو السد العالي» بالنسبة للسودان بحد وصف أحد المسئولين بالقاهرة، فوفق لدراسة بمعهد ماسشتوشس للتكنولوجيا (MIT) الأمريكي؛ حيث أعده 17 خبيرًا دوليًّا في تخصُّصات الموارد المائية من عدَّة دول في العالم عام 2014م، أن السد سيؤدي إلى وقف الفيضانات المدمّرة على ضفتي النيل الأزرق والنيل الرئيسي، إضافة إلى ذلك سيعمد في أقل تقدير إلى تعدُّد الدورات الزراعية بأن يصبح لدى السودان ثلاث دورات زراعية خلال العام بدلًا من دورة زراعية واحدة حاليًا، أيضًا سيساهم في زيادة توليد الكهرباء في سدود السودان الحالية والتغذية المتواصلة للمياه الجوفية المرتبطة بالنيل الأزرق ونهر النيل، كذلك سيؤدي في أقل تقدير إلى انتظام حركة الملاحة على النيل الأزرق ونهر النيل طوال العام، كذلك سيؤدي إلى حبس الجزء الأكبر من الطمي المُضِر، وهو الطمي غير الذائب، ما يساعد في إطالة عُمر سد الروصيرص بولاية النيل الأزرق، وسد مروي بالولاية الشمالية، علاوة على ذلك وجود ميزة تفضيلية لتمتع أراضي السودان بالطمي الصالِح المُصفى ما يسمى بالقُرير، سيُسهم في الحصول على المزيد من الكهرباء الإثيوبية قليلة التكلفة، وفي أدنى تقدير قد تكون بسعر التكلفة بحسب بنود الاتفاق مع إثيوبيا، كذلك سيمكن السودان من استغلال حصته من مياه النيل بعكس ما كانت تذهب سنويًّا لمصر (أكثر مِن 6.5 مليار متر مكعب وهذا الاستخدام سيمكن من تعدد الدورات الزراعية خلال العام، وتعدد الدورات الزراعية سيضيف للسودان ميزة تفضيلية ليكون رافدًا للأمن الغذائي إقليميًّا ودوليًّا، كذلك سيُمَكن السودان من استرداد حصص المياه «المسلفة لمصر» بموجب اتفاقية عام 1959م، بحسب نصِّ بنود اتفاقية 1959م الملحق الأول الخاص بالسلفة المائية: «على أن يمنح السودان مصر سلفة مائية لا تزيد على مليار ونصف من نصيبها.

إن سد النهضة سيساعد السودان كثيرًا في استخدام نصيبه من مياه النيل بموجب اتفاقية عام 1959 لما له من فوائد علاوة على الميزات الاقتصادية والإجتماعية والبيئية الكبيرة التي تعود للسودان، وتؤكد العديد من الدراسات أن تنظيم جريان النيل الأزرق سيزيد متوسط الإنتاج السنوي للطاقة الكهربائية من سدود الروصيرص وسنار ومروي بمقدار 2300 جيجاوات ساعة، أي ما يعادل حوالي 15% من الإنتاج السنوي الحالي للكهرباء من السدود السودانية مما تتطلب تغييرًا كليًّا في الطريقة المتبعة حاليًا في تشغيل هذه السدود، إذ من الضروري إبقاء بحيرات سد الروصيرص وسنار ومروي عند مستوي عالي طوال السنة حتى يمكن الاستفادة من تنظيم جريان النيل الأزرق في زيادة إنتاج الطاقة الكهربائية، لذلك تطلب مستوى عالٍ من التنسيق بين إثيوبيا والسودان حول طريقة تشغيل سد النهضة للإبقاء على البحيرات الثلاثة على هذا المستوى العالي.

هل من مخاطر لسد النهضة على السودان

إن شكل التعاطي مع ملف سد النهضة من الجانب السوداني يمثل ثنائية للمصالح والتهديد بتمظهرات السد على السودان، فهي واضحة المعالم بقدر ما هي ضئيلة المخاطر على أدني تقدير، بحيث تبلغ السعة التخزينية للسد بحوالي ما يعادل التدفق السنوي لنهر النيل على الحدود السودانية المصرية بحوالي 65.5 مليار متر مكعب ومن المرجح على أقل تقدير أن يستمر هذا المنوال مستقبلًا إلى دول المصب على مدى عدة سنوات، فإثيوبيا تحاول أن تضع لنفسها نفوذًا جديدًا في المنطقة هذا ما سيزيد مخاوف مصر ويعد بمثابة تهديد لمسار الأمن المائي لمصر من خلال تناقص حصتها الفعلية إلى 52- 55 مليار متر مكعب مقابل ارتفاع نصيب الحصة المائية للسودان فعليًّا إلى ما يرواح 18- 20 مليار متر مكعب بدلًا من 8 مليار متر ومن المتوقع أن يؤثر سد النهضة تأثيرًا مباشرًا في ثلاث سدود في السودان هي سد الروصيرص وسنار ومروي وتأثيرًا غير مباشر في خزان جبل أولياء، هذه السدود الثلاثة عبارة عن سدود موسمية تجري عملية التعبئة لبحيراتها وتفريغها كل عام، ويجري تعبئة بحيرات هذه السدود الثلاث سنويًّا خلال موسم الفيضان في شهري أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) ومن ثم استخدام المياه المُخزنة في الري وتوليد الكهرباء عندما ينخفض جريان النهر في الفترة الممتدة من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) حتى شهر مايو (أيار)، وقد يؤثر ملء سد النهضة في توقيته وبكميات مياه لا تتعارض مع التعبئة الموسمية لسدود السودان، وإلا فسيترك ذلك آثار سالبة على الزراعة المروية وتوليد الكهرباء في السودان.

فإن تشغيل خزانات الروصيرص وسنار ومروي عند مستوى عالٍ سيزيد من تراكم الطمي في البحيرات الثلاثة، يقلل العُمر التشغيلي للسدود، إلا إن كثيرًا من خبراء المياه في السودان يرجحون حجز معظم الطمي المحمول بواسطة النيل الأزرق في بحيرة سد النهضة مما سيُمَكن تشغيل السدود السودانية عند مستوى عالٍ من غير تأثير يذكر على العُمر التشغيلي، وقد يكون هذا التوقع صحيحًا لبحيرتي الروصيرص وسنار، ولكن سد مروي يستقبل كمية مقدرة من الطمي من نهر عطبرة بعيدًا عن النيل الأزرق.

مستقبل وضعية السودان وتعامله مع ملف سد النهضة

ترتبط العديد من المشاكل الاقتصادية اليوم بموضوع المياه لما لها من أهمية كبيرة على حياة الشعوب ونشاطها الاقتصادي على اختلاف أنواعها لا سيما أمنها الغذائي، وتأثيرها المباشر في خططها التنموية للدول، ويغطي حوض النيل إحدى عشرة دولة أفريقية بين منابع ومجارٍ ومصب ويمر بعدة أقاليم مناخية مختلفة وبعدة أشكال، طبوغرافية وتختلف حجم الاستفادة منه من دولة لأخرى حسب طبيعة المناخ وعدد السكان وشكل وحجم الأنشطة الاقتصادية ونوعية مصادر المياه المتوفرة وتعددها وقدرة الدول على الاستفادة من حوض النيل المار في أراضيها والمرتبط بإمكانياتها المادية واستقرارها الداخلي وعلاقاتها السياسية.

سيشكل سد النهضة للاقتصاد السوداني قيمة مضافة عبر خلق سياسات جديدة تتواءم مع المتغيرات الجديدة لسد النهضة عبر استخدام المياه في العمليات الزراعية والصناعية واستخراج الطاقة الكهربائية والعمل على خلق فعل وأثر تنموي، وكذلك سيساعد في قيام البنى الأساسية الحضرية والريفية مجاورة للسد، وما ينجم منه من آثار اقتصادية داعمة للسودان في القطاعات الاقتصادية المختلفة، خاصة في المناطق المحازية للنيل ويقدر عدد السكان الموجودين في الشريط الموازي للنيل بالسودان حوالي 20 مليون نسمة، فلا بد من العمل على إيجاد صيغة اتفاق على أقل تقدير أن تكون مُلزمة حول تشغيل سد النهضة، إضافة إلى إجراء العديد من الدراسات المستقبلية المعنية بوضعية السودان وموقفه المائي، وذلك للاستفادة القصوى من انتظام جريان النيل الأزرق في زيادة الطاقة الكهربائية والزراعة المروية، وعليه يجب أن تكون هذه الأوراق والدراسات التي أشرت إليها سابقًا لدى موقع قرار للتعامل معها إبان البداية التشغيلية طويلة الأمد لسد النهضة، وضروة العمل على توفير الموارد المائية للتوسع في الزراعة المروية على النيل الأزرق وتكثيف الزراعة في المشاريع الحالية للاستفادة القصوى من نصيب السودان بناء على اتفاقية مياه النيل لعام 1959م.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد