سبقَ الإشَارة فِي مَقالٍ سَابقٍ حول القرآن بعنوان: «الإعجازُ العِلمي فِي القرآنِ الكريمِ، هَكَذَا أَجَابَ عَن سُؤَالِ المعْنى مِن الحَياة»، إلى جانبٍ مهمٍ مِن جَوانبِ إعجاز القرآن الكريم، كونه كتابٌ يقدمُ معنًى للحياة، الأمرُ الذِي لم تقدر عليه أيّة رؤية أو فلسفة كيفما كانت. فهو كتابٌ معجزٌ بحقٍ، مهما غُصت في معانيهِ لنْ تنتهي منه أبدًا، ودرره كثيرةٌ عصيةٌ على العدِّ والحصْر.

يبدو أن الإنسانَ لن يجد غايته وضالته إلاّ فيه، مهما بلغَ تقدمهُ وتطورهُ، واتّسع إدراكه، لأنه ببساطة، أي القرآن، منبع كلّ ما يحتاجه (الإنسان) ومنطلق تكوينهِ ووجودهِ منذ الخلق الأول (آدم عليه السلام)، إلى آخر ذريةٍ ستنتهي به الدنيا إلى الفناء، النهايةُ الحتميةُ للجميع.

عند قراءة القرآن وتدبره، سيبصر العباد حقائق الوجود والمصير، ويفتحوا بذلك أبواب الاستخلاف وعمارة الأرض كما يجب. والقراءة في هذا المقام؛ قراءةٌ مختلفة المعنى عن المعاني السطحية التي تُتداول بين الناس الآن.

نبدأ بدعوى مهمة جدًا في هذا السياق، سياقُ الحديثِ عن القراءةِ بالمفهوم الذي قدّمهُ القرآن نَفسه، وهي أن هذه القراءة؛ نفحة/نفخة ربّانية وقدرة دالة على حسن وإبداع خلق الله تعالى للإنسان، وأداةٌ للمعرفة الموصلة إلى الله تعالى كما أنها أداة حياة وتكريم لِـ (الإنسان) المخلوق من طين ودافعية له إلى العمران بالاستخلاف في الأرض، تتوسل في ذلك وسيلة (التفكر)، أي التفكر في ملكوت الله، و(التلاوة/التدبر)، أي تلاوة وتدبر الوحي (القرآن الكريم) باعتباره وحيًا حيّا في الزمان والمكان، وليس فقط محطة تاريخية انتهت بانقطاعه مع موت النبي صلى الله عليه وسلم.

والقراءة -بالمعنى الذي نقدمه هنا- لها سياقات معينة مذكورة في كتاب الله تعالى، ودلائل على كونها من المداخل المهمة للإيمان وعمرانية الإنسان ونفعه عاجلاً وآجلاً.

ففي سياق الخلق والإيجاد الأول للإنسان؛ القراءةُ نفخة وهدية ربّانية، كرّم بها الإنسانَ على جميع خلقه، وجعلها الضامن الأساسي الذي يَحُول دون زيغه وفساده في الأرض، قال تعالى مجيبًا ملائكته عن سؤال مشروعٍ، (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) {سورة البقرة؛ الآية: 30}، بِـقوله سبحانه: (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ (30)) {سورة البقرة؛ الآية: 30}، فجعل القدرةَ على التعلّم والقراءة ضمان لعدم وقوع الانسان في الفساد وسفك الدماء، (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33)) {سورة البقرة؛ الآية: 31-33-32}، ثم جاء في سورة العلق ليبين لنا ماهية القراءة التي تُغلّبُ صلاحَ الانسان على فساده في الأرض، فقال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3)) {سورة العلق؛ الآية: 1-2-3}.

فالسورة افتتحت بالأمر بأداة مهمة من أدوات المعرفة وهي القراءة باسم الله، وقد قُرنت باسمه سبحانه وتعالى للدلالة على كونها أداةً موصلة إلى حقيقة وجود الخالق وقدرته على الإيجاد والتدبير والجزاء أولاً، وبضرورة ارتباطها بالنفخة الربانية، أي الفطرة الخيرية الأولى للإنسان، فكل مولود يولد على فطرته السليمة، لتكون –القراءة- بالمعنى الذي ذكرناه، مرجحة لكفة صلاحه على كفة فساده، فهي التي توصله إلى معرفة الله، وإلى العلم النافع الذي يَعمرُ بهِ الأَرْض.

وفي سياق الفاعلية؛ أي تفاعل الانسان مع مقره الجديد (الأرض)، بعدما تفاعل مع مقره الأول (الجنة)، فصيغة الأمر الذي جاءت به كلمة «اقرأ» في القرآن يدل على وجوبها، وعلى أهميتها في بناء الإنسان أولًا، ثم بناء العمران ثانيًا، والعمران هنا بالمعنى القرآني روح أيضا وليس بناء فقط، بل البناءُ بصمات لتلك الروح، كما أنه، أي العمران، معنى شمولي سلوكي كعمارة المسجد ومادي يتجلى في البناء الذي يخلفه الإنسان، كما يقول فريد الانصاري رحمه الله تعالى. فيحقق الانسان مهمته في الأرض، وهي الاستخلاف والاستعمار، لذلك لم يستثني منها أحدًا من الخلق، حتى الأنبياء المسددون بالوحي، فموسى عليه السلام قال: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (66)) {سورة الكهف؛ الآية: 66}، كما قال قبله إبراهيم عليه السلام: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) {سورة البقرة؛ الآية: 260}.

 كما أن نزول هذه الآية في مكة يوحي بهذا المعنى الذي ذكرناه، فكما هو معلوم أن أغلب الآيات المكية تسعى إلى بناء الانسان وتصحيح تصوره نحو «الخالق» و«الوجود» و«المصير»، فكانت القراءة بوابة ذلك وأداة تحقيقه، وبعد تكوين الانسان (الفترة المكية)، سيساهم في بناء العمران وتقديم صورة الانسان المستخلف كما قدمه الله تعالى للملائكة، التصور المخالف لتوقعها عندما شاهدت قدراته التي وهبها الله له، ولنا في دولة المدينة والتجربة النبوية فيها خيرُ دليلٍ، فهي تعبير مادي/خارجي على حكمة الصنعة والبناء على ما تكتنزه هذه العبارات من معانِ ربانية، وبعد ذلك عملَ هذا الانسان الحيُّ بالقراءةِ على تصدير النموذج الرباني/النبوي للإنسان والعمران للبشرية كافة.

بالإضافة إلى كل هذا، فكلمة «اقرأ» هي كلمة متجددة، توحي أن فعل القراءة مستمر في كل زمان ومكان، ممتدة في الآفاق منذ أول الخلق. تفتح آفاقًا رحبةً لاستخدام ملكة العقل في إدراك دقائق الأمور ومسبباتها، بدءا بالنفس، (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21(){سورة الذريات؛ الآية: 21}، مرورًا بالكتاب، (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أولئك يُؤْمِنُونَ بِه) {سورة البقرة؛ الآية: 121}، والتلاوة نوع من أنواع القراءة، وانتهاء بالكون كله، (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار) {سورة آل عمران؛ الآية: 191}، التي تدفعه إلى الفاعلية في الأرض.

لذلك كانت القراءة على هذا القدر من الأهمية، لما لها من دلالة ربانية على حِكمته وحُسنِ تدبيره حيثُ كَرمه وجعله خليفة في الأرض، فهي المفتاح الأساس في فهم الانسان نفسه، وفهم غاية وجوده، ومصيره الذي ينتظره، فالكتاب الذي يقرأه على ربه يوم القيامة، شاهدٌ على مدى أدائه للأمانة والمهمة التي كلّف بها، قال تعالى: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (14) مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) {سورة الإسراء؛ الآية: 14}.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اقرأ, الخطاب
عرض التعليقات
تحميل المزيد