يهدد شبحٌ التفكك المملكة المتحدة قبل أن يطال سماء دويلات الاتحاد التي تصفو وتعتدل مؤشراتها الاجتماعية التي ظلت إلى يوم الجمعة الأخير متلبدة بفعل الديماغوجية البريطانية والأرستقراطية الإقطاعية المتشبعة بعهد فكتوري قضى نحبه بتوقيعه اتفاقية ميونخ 1938 من قبل تشامبرلن التي صكت شرعية فناء عهد هيمنة المملكة التي لا تغرب عنها الشمس، وأعادت هيكلية المنطقة الأوروبية والعالمية بمنطق جديد أعاد توجيه المرتكز الجيوستراتيجي ومنطقة الارتكاز من المملكة التي استأثرت به منذ 1800 وانطلاق ثورتها الصناعية معتمدة فيها على مستعمراتها وهيمنتها البحرية على المحيطات، واستغلال الشعوب والبطش بحقوقها بهدف رفع مؤشرات الاقتصاد الكلي البريطاني، وإشباع الروح المركنتلية والطغمة المتقلدة للحقائب الوزارية إلى الأسلاف الأوروبية، كما وصفها سترانفورد والتي كان للولايات المتحدة النصيب الأكبر فيها منذ بطشها بالبحرية الإسبانية 1898 واعتناق مبدأ مونرو والتوجه نحو الجنوب بهدف التوحيد وخلق فناء خلفي ومنطلق ارتكاز، ما تزال الولايات المتحدة الأمريكية في القرن الواحد والعشرين تجني خيرات زرعها السالف الذكر ولاعتبارات سياسية تتعلق بصيانة الأمن الاجتماعي وتشييد السلام العالمي بفكر مؤسساتي تتبناه النظريات الوظيفية قامت الأمم الأوربية وانطلاقـًا من إعلان شومان واعتقاد فولتير بالمسيحية الأوروبية المقدسة بتشكيل نواة الاتحاد بصورته اليوم بتوقيع معادة روما 1957 بين الآباء المؤسسيين وهم : فرنسا ـ ألمانيا الغربية ـ إيطاليا ـ بليجيكا ـ هولندا ـ ليكسمبورغ ليتحول من خلال سلسلة من المعاهدات المشتركة التوسعية منها والهيكلية للاتحاد الأوروبي باسمه الحاضر إثر معادة ماستريخت التي وإن كان لها الدور الأكبر في بناء الشخصية الجديدة والعقيدية النقدية والدبلوماسية الأوروبية؛ فإنها كانت بمثابة إعلان لنواة اتحاد فيدرالي على المدى المنظور، وهو ما سيتعارض مع مصالح أشكال من القادة الشوفينيين واليمين المتطرف الذي تشتعل فراغاته الإدراكية نتيجة الجهل بالتاريخ الدبلوماسي الأوروبي وأهمية الاتحاد كمتغير أساسي في المستقبل القاري، وانطلاقـًا منه نتساءل عن مستقبل الاتحاد بعد الخروج العظيم للملكة ليتحول من 28 دولة إلى 27، وهل الأمر لا يزيد عن كونه 27 + 1 أو غير ذلك؟ وما المنظور وما غير المنظور على مسافة التفاعلات الدولية لظاهرة الطلاق السابقة من نوعها؟

1ـ مستقبل الاتحاد ككتلة:

على المدى المنظور لا يمكن تحديد تداعيات الخروج على اقتصاد الاتحاد ومبادرته نحو التكامل السياسي، وتشكيل التحالف المقدس كاملاً لا مقتصرًا على القوى المؤثرة في الهيكل الأوروبي كمثيله في القرن التاسع عشر، نظرًا للصياغة الجديدة المطلوبة من أجل توثيق عرى الاتصال وإعادة الأمان لمكوناته من الدول الوطنية التي ما فتئت تخرج من نزاع إلى آخر حتى عايشت أطول فترة أمن وسلام تشهدها القارة العجوز إلى اليوم مؤسسة على الأمن الجماعي لا على منطق الدولة للكاردينال ريتشيلو وتوازن المراكز في النظام كسلام ميترنيخ الأطول نسبيًّا إذا ما قورن بالسنوات العجاف التي تبددت قبله، ولأن مؤشرات الاقتصاد الكلي والتسبيقات الفكرية للمتخصصين تشير إلى أن اقتصاد الاتحاد ورغم فقدان بروكسل للمدخلات المالية المقدمة من حكومة المملكة إلا أنها ونتيجة لتجديد الهياكل والحد من البيروقراطية المؤسساتية وبعث روح جديدة وضخ دماء حامية في شرايين التكتل ستكون قادرة على تجاوز الصدمة والعمل بقوتها الكاملة نحو الاتحاد الفيدرالي الذي نستشف الطموح نحوه منذ توقيع صك ميلاد الاتحاد.

2ـ مستقبل المملكة المتحدة:

أـ على الصعيد السياسي:

إن النزاع بين أركان الحزب والرغبة في تعزيز المكانة قام رئيس الوزراء دافيد كاميرون بتقديم وعده في 2013 بإجراء استفتاء لصالح الخروج أو البقاء تحت المظلة الأوروبية بعد نجاحه الانتخابي، والذي وإن شكل مبادرة حميدة عنده كصانع قرار وشخص طبيعي بالنظر لمخرجاتها على مكانته السياسية بما لها من قوة متاحة في تثبيته على رأس الحزب؛ فإنها كانت بالنسبة للمملكة القشة التي قسمت ظهر البعير؛ فالخروج دفع بالقلائل النائمة في اسكتلندا وأيرلندا وحتى ويلز للمطالبة بإجراء استفتاءات لصالح مغادرة المملكة، وهي النتيجة الظاهرة على المدى المتوسط المنظور، والقابلة لأن تكون حقيقة بعد حين، فكاميرون أخرج الجني من القمقم لقصر بصره، ولينهي إخفاقاته بإخفاق جديد هو التخلي عن منصبه وتقديم الاستقالة كنوع من الهروب من الواقع ما يشبه – وإلى شبه بعيد – قريبه على الجهة الأخرى من الخليج نابليون الثالث الذي دفعته أيديولوجيته المغلوطة إلى القضاء على فرنسا كمحور في اللعبة الأوروبية ونهاية عهده بسجنه في 1870، فما أقرب الأمس لليوم.

ب ـ على الصعيد الاقتصادي:

تشارك المملكة المتحدة في الميزانية الأوروبية وفي الإعانات والمدفوعات التي تساهم في تسيير الاتحاد ودفع أجور موظفيه وإنتاجية هياكله، ويبلغ معدل الناتج المحلي الخام البريطاني تريليونين ويزيد بنسبة ويشكل سادس اقتصاد حسب تصنيف صندوق النقد الدولي سنة 2014 تتركز معظم إنتاجيته على الصناعات والكيميائيات، وصناعة التكنولوجيا، وبعض المحاصيل الزراعية، والصناعات الصيدلانية، ويحوز ميزة نسبية في ميدان الخدمات المالية، ويرتكز على المدينة السوق المالي كمنافس للوول ستريت الأمريكي من خلال الصناعة المصرفية، ويبلغ نصيب الفرد من الدخل القومي 39,739 دولار، وهي نسبة لا بأس بها إذا كان التضخم في حدوده الطبيعية، وهو الأمر الذي يشكل الوصول إليه تحديًا للملكة التي تشهد حالة من البطالة التي لم تقدر على تجاوزها منذ آخر أزمة اقتصادية وانخفاض في الدخل الحقيقي والذي سيتآكل بفعل خروج المملكة من المنطقة الحرة ما يكلفها بعد اليوم جملة من التعريفات الجمركية التي ستؤدي بصورة ديالكتيكية إلى ارتفاع في أسعار المواد الغذائية، ومشتريات الطبقة المتوسطة، والقضاء الكامل على مقدرات الطبقات الكادحة المعيشية، مما سيدفع إلى الانتفاضة على المدى المقبول على حد صياغة بعض المفكرين، وهو الأمر المبالغ فيه إلى حد ما؛ فالخيار للشعب وهو الكفيل بتحمل ارتداداته.

كما سيلتزم المواطن البريطاني بعد اليوم بدفع التكاليف الجمركية، وتكلفة الاتصال على الخطوط الدولية بين دول الاتحاد، ويحرم من التجوال في شوارع باريس والغاب الجرماني، ويكون ضرورة عليه مرغمًا لا حرًا حيازة التأشيرة للولوج للأراضي الأوروبية التي طلقها بإرادته الحرة، أو بإرادته الغبية؛ فمكيافيلي قد أدرك غباء العامة عند تقرير أمور الخاصة؛ فرفض المشاركة الشعبية كأساس لصناعة قرارات صاحب القرار، والتاريخ حكم على ما يقول ونقول.

تتسارع الشركات كنيسان على سبيل الاستئناس إلى الدراسات اليقينية معتمدة على «مانجمنت» اختصاص لتحديد المناطق القادمة التي ستشد لها الترحال؛ فالهياكل المؤسساتية والرغبة الاقتصادية في رفع وتيرة النمو وتضخيم رقم الأعمال والولوج الحر إلى الأسواق بأسعار تنافسية تودي بالضرورة إلى الانتقال إلى فضاء الاتحاد وفرنسا وألمانيا والنمسا أغلب المرشحين لاستقبال الوفود الجديدة التي ستفقد المملكة العديد من إيراداتها الضريبية على الشركات، وتهد اقتصادها بوتيرة متسارعة، لتلحقها شركات البزنس العالمي التي ستنتقل إلى فرانكفورت أو باريس، وتقضي على المساهمات المالية في خزينة المملكة لصالح رغبتها الربحية؛ فهي تسعى لتعظيم الأرباح لا لاعتبارات نفسية، ولا يعذل شعب بجهله للمرتكزات الاقتصادية في قاموسها المكيافيلي.

أما بالنسبة للأفراد العاملين في دول الاتحاد والموسومين بالجنسية البريطانية والبالغ عددهم المليون وأربعمائة مواطن فإنه بتفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة وفك الارتباط فإنه يكون لزاما عليهم ضرورة الاختيار بين المغادرة أو حيازة رخصة العمل، وهي معقدة إلى حد ما، أو التخلي عن الجنسية البريطانية لصالح الفرنسية أو الألمانية أو حتى المجرية على سبيل الضرورة القصوى، وهي حالة ريتشارد البريطاني العامل في مقر المفوضية الأوروبية نموذجًا، والذي إن دل على شيء إنما يدل على استهانة المواطن البريطاني بجنسيته، وأفول روحه الوطنية لصالح الهيكل الأوروبي وهو الهدف الأول من إنشاء هذا الأخير، والتحول نحو الجنسية الأوروبية كهدف.

وعليه فمستقبل الخيار تحدده المؤشرات المتلاحقة بعد نهاية المفاوضات، والتي قد تمتد إلى عامين كحد أقصى، والتاريخ وحده الحكم الفصل في الخروج هل كان لصالح المملكة أو إنذار بنهايتها، وربما قد ينذر بنهاية حتى الاتحاد نفسه كنتيجة طبيعية لمبادرة بريطانيا الشعواء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد