انطلاقـًا من الدور المباشر الذي يلعبه النفط في تحريك استراتيجيات الاقتصاديات العالمية ورسم الخرائط السياسية، فإن تذبذب أسعاره يؤدي إلى حدوث انهيارات وأزمات مالية ضخمة وما تعانيه أسواق النفط العالمية من الهبوط المستمر لأسعار النفط منذ منتصف سنة 2014 يرجع لوجود العديد من المتغيرات التي تمثل محركـًا أساسيًا في تحديد أسعار النفط ازدهار النفط الصخري الأمريكي، عودة ليبيا إلى تصدير نفطها في الأسواق العالمية، وكذلك تقليص الطلب على النفط في الصين وبطء نمو اقتصاده والذي يمثل ثاني أكبر مستورد للخام في العالم .

كل هاته العوامل ساهمت بشكل قوي في تدهور أسعار النفط في الأسواق وجعل التكهن بأسعار النفط في الآجال القادمة أمرًا صعبًا، وكان التأثير أشد حدة على الدول التي يسيطر النفط على نسبة كبيرة من صادرتها فمن الطبيعي أن تشهد تراجعًا حادًا في قيمة صادراتها خلال الأزمة التي يشهدها العالم بسبب انهيار أسعار النفط.

تعتبر السعودية أكبر مصدر للنفط في العالم بقدرة إنتاجية تصل إلى 12.5 مليون برميل وتصدير حوالي 7.3 مليون برميل يوميًا خلال سنة 2015 حيث يشكل نحو 90 بالمئة من معدل إيراداتها لكن في ظل تذبذب أسعار النفط وتراجعها إلى أدنى حدودها خلال هذه السنة (مستوى 37 دولار للبرميل) تعرضت ميزانيتها للضرر الشديد.

وفي خضم هذا الهبوط قامت باتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة لتقليل مخاطر تذبذب أسعار النفط على اقتصادها وتظهر هذه التغييرات جليًا في الميزانية المعلنة لعام 2015 من خلال تقليل إيراداتها النفطية بحوالي 23 بالمائة من العام السابق وتأخيرها لتنفيذ بعض المشاريع الاستثمارية ومراجعة الإنفاق الرأسمالي، وكما قامت ببيع سندات للبنوك التجارية بقيمة تصل إلى 5.33 مليار دولار لتغطية عجز الميزانية لكنها بالمقابل لم تقم بأية تغييرات على رواتب موظفي القطاع العمومي.

كما يتضح في ميزانية 2016 تخفيض للاعتماد على الإيرادات البترولية للعام الجاري لاستكمال استراتيجية العام السابق حيث أوضح مسئولو الاقتصاد السعوديون أن الحكومة سوف تستمر في السير على منوال سياستها الإنتاجية النفطية الحالية في إبقاء معدلات الإنتاج النفطي على حالها لأجل تلبية حاجيات عملائها، وهذا ما جعل السعودية تقود تحول في سياسة منظمة الأوبك(الدول المصدرة للبترول) العام الماضي لرفضها المتكرر لتخفيض الإنتاج لأجل دعم الأسعار بل أصرت على الدفاع عن حصتها السوقية والاستمرار في تلبية طلبات عملائها، فيظهر جليًا مضي الحكومة  في سياساتها المتعلقة بالإنفاق العام والتحوط فيما يخص اعتماد أسعار منخفضة للنفط ومقاربة للأسعار الحالية للسوق في ميزانيتها.

وباعتبار السعودية أكبر دولة خليجية فقد خصها صندوق النقد الدولي بإجراءات وإرشادات تصحيحية تدريجية للمالية العامة لتجنب الانهيارات في السنوات القادمة وذلك من خلال استخدام مزيج من الإجراءات والتدابير على الإيرادات والنفقات بشكل عاجل لمعالجة عجز ميزان المدفوعات، مثل إصلاحات أسعار الطاقة المتدنية بشكل كبير، استحداث ضرائب على الأراضي والعقارات الفاخرة، وضرائب على القيمة المضافة، إحكام السيطرة على الإنفاق الحكومي الاستهلاكي مثل فواتير أجور القطاع العمومي، تقليص كميات المساعدات الموجهة للخارج، فرض رسوم بنسبة أكبر على واردات السلع الكمالية والترفيهية، وتوجيه المخصصات الاستثمارات والاحتياطات النقدية نحو مشاريع رأسمالية تنموية ذات عائد قصير الأجل.

أما فيما يخص التدابير التي تسعى لتحقيق أهداف بعيدة المدى لأجل تحويل الهيكل الاقتصادي إلى اقتصاد منتج بدل مصدر للخام ومرتكز على قاعدة إنتاجية قوية فيتحقق عن طريق توسيع آفاق الإيرادات غير النفطية .

ويتوقع المحللون الاقتصاديون في السعودية أن لديها قدرة أكبر على الصمود والاستمرار ومواجهة الانهيار الحالي في أسعار النفط، ويتوقعون أن تستقر السوق بنسبة معتدلة خلال نهاية سنة.2016

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد