مسلسل قيامة أرطغرل. ونحن نستعد لمتابعته في الموسم الثالث الذي يظهر من خلال التشويقة الدعائية أننا سنشهد ملحمة جديدة في الصراع مع أعداء الأتراك: المغول، والبيزنطيين، وتفسح المجال أمام أرطغرل في تدشين مملكته التي لم تقبل سوى بالعالم كله.

لكن ما شدني لمتابعة الجزء الثالث هو الجزء الأول والثاني. هذا العمل أشعرني أنه بديل فني قوي عن أي دراما ممكن أن أشاهدها لا سيما بعد طغيان المادة، وفراغ القيم من الدراما العربية.

وهنا نقاط أسردها شجعتني على مشاهدة العمل أكثر من مرة بعد الانتهاء منه.

بداية إن أي عمل درامي له قصة، والقصة لها عناصر، منها الزمان والمكان، ففي هذا المسلسل بدا واضحًا المدى الزمني والمجال الجغرافي، وشاهدنا كيف كان تأثيرهما على الشخصيات والأحداث.
– فالتسلسل الزمني منطقي كان واضحًا من عام كذا إلى عام كذا في قبيلة «الكاي التركية». وتحدث عن حقبة تاريخية وعاشها بشكل قريب لها بالأزياء، بالديكور، بالإكسسوارات، بالحوارات، بالأعداء، حتى بملامح الأشخاص، والمكياج كل شيء يتغير مع الزمن… إلخ، لم ينقلنِي بالزمن دون أن أعرف رأسي من قدمي، ولم يتجاهل تأثير الزمن على الأشخاص والعلاقات كبعض المسلسلات الحالية .

– السيناريو بدأ بعقدة، واستمرت العقد، لم تكن هناك حلقات تمهيدية وتعريفية، دخلنا في صلب الصراع مباشرة، كسر النمطية في تناول الأحداث، والعقدة الأولى هي أم العقد التي ساقت المسلسل حيث اعتداء الصليبيين على سلطانة سلجوقية وأخيها وأبيها، وأصبحت فيما بعد زوجة أرطغرل، وأبوها مات في منتصف الحلقات، وأخوها مات في آخر حلقة بالجزء الثاني.

لم يكن السيناريو يركز على تفاصيل ما بعد إنهاء الصراع مع كل شرير، كان يكتفي بموته ويبدأ بصراع جديد.

– لم يكن هناك فسحة في الأحداث ورفاهية لملء ساعات البث، كان مكثفًا جدًا، ومزدحمًا بالأحداث.

– المسلسل ركز على البطولة وصناعة المجد، ولم يركز كثيرًا على المظلومية.

– الصراع: صراع خارجي بين قوى الشر والخير سواء كانوا «صليبيين، مغولًا، خونة أتراكًا وأبطالًا أتراكًا» كان الصراع متكافئًا جدًا من حيث قدرة الأبطال على خوضه، وعدم تسطيح الشر لأجل أن ينتصر الخير عليه بسهولة، لم يقدس أبطال الخير بالعكس خسروا، واستشهدوا، وحرقوا، وتم الاعتداء عليهم بطرق رهيبة, لكن لامسنا جمالًا بانتصارهم المتين الذي جاء عن شوق وعطش كما يقولون .
لامسنا براعة الخبث في الشر ولامسنا براعة الإيمان في الخير، حتى وإن أظهر أن 3 رجال مسلمين يهزمون 40 رجلًا صليبيًا أراه منطقيًا لطالما رددوا في المشاهد أن القلة المؤمنة التي تأخذ بالأسباب تهزم الكثرة .

الصراع الداخلي للأشخاص كان واضحًا جدًا بين رغباتهم وأهدافهم بين أحلامهم وواقعهم. كانت تظهر حاجات الأبطال النفسية، وما يخفونه قدم لنا أبطالًا هم أناس مثلنا بحاجات ورغبات ودوافع.

– الحوارات كانت كمائن مفخخة كل جملة تفجر في داخلك أشياء دفينة، تخلع قلبك، وتثير العديد من الأسئلة في داخلك .لم يكن حوارًا مترهلًا عبئًا على العمل، بالعكس كان مقنعًا يقدم المعلومات ويكشف عن العواطف.

التصوير: تصوير الأبطال في المسلسل كان مصنوعًا بعناية شديدة؛ نظرًا لأن البطل قدوة كانت كل خطوة وكل قرار قد درسوا بعناية. العشوائية كانت مفقودة في السيناريو على ما يبدو واعتماد المخرج على اللقطة الواسعة واللقطة المتوسطة أشركنا في العمل وربطنا بالبيئة أكثر.
واستخدام زوايا التصوير المنخفضة لا سيما مع شخصية أرطغرل التي أشعرتنا بهيبته. وكذلك التصوير البطيء الذي يزيد التوتر في اللحظات الحاسمة. وكذلك اعتمد على الكاميرا الثابتة وتحريكها للضرورة، وركز أيضًا على  «العزل» لا سيما في شخصية أرطغرل حيث وضعها في محط التركيز وعزلنا عما حولها.

الإضاءة كانت طبيعية بالمعظم للتصوير في أماكن الغابات المفتوحة، والإضاءة الداخلية الليلية بالتحديد كانت ناعمة لم ترهقنا الظلال على الوجوه أبدًا. لم تكن الإضاءة من الأشياء اللافتة في العمل على أهميتها.

– القيم الاجتماعية في المسلسل كانت حاضرة؛ العلاقة مع الأم، والأب، والزوجة، وزوجة الأخ، والقبيلة، والشيخ، لم يغب شيء منها تناولها بما يناسب ذلك العصر، كانت محافظة جدًا قدر المستطاع، لم يغيبها لأجل إظهار الصراع مع الباطل والأشرار بالعكس كان لها أولوية وكانت بمثابة نقاط رئيسية في السيناريو تبنى عليها الذروات والحبكات.

– الانتماء في المسلسل للأمة، وتغليب المصالح العامة على الشخصية كان عنوانًا عريضًا استطاع من كتب المسلسل أن يطرحه في المشاهد بشكل متكرر كان يؤكد عليه بطريقة بعيدة عن الملل. لم يلعن أحد ولم يشكُ أحد لأحد. بل كان التذمر من واقع العالم الإسلامي في جمل بسيطة وكان التركيز على كيفية النهوض بهذا الواقع.

– موسيقى المسلسل خرافية بمعنى الكلمة، لا سيما الموسيقى الخاصة بالبطل وما يصاحب الموسيقى من مونتاج يعمل على تبطيء الحركة.
– تتابع الأحداث لم نشعر أنه فج غليظ، لم نشعر بمبررات سطحية، ولا مؤامرات سطحية، ولا رتابة في تناول الأفكار ومعالجتها، كان كل شيء له سبب ونتيجة حيث إن المشهد وحدة متكاملة في الزمان والمكان والموضوع.

– المكساج الصوتي والمؤثرات وصوت كل شيء ظاهر بوضوح، شعرنا بروعة الصورة بسبب الصوت .

– الشخصيات كانت نامية في المسلسل، تتغير أدوارها ونفسياتها تبعًا لحاجاتها. بمعنى بدأ أرطغرل بمحب للصيد والقتال انتهى الجزءان وهو يؤسس كيانًا سياسيًا، كانت حليمة فتاة ملاحقة من الصليبيين انتهى الجزء وهي زوجة للزعيم وأم أطفاله… إلخ.

– التمثيل كان صادقًا أكبر ما يقال أنه ربطنا في المسلسل وتابعناه بشغف.

-لا أنسى دور المرأة في العمل؛ كان واضحًا بشكل جلي بدءًا من كونها زوجة وصولًا إلى كونها سيدة قبيلة في غياب زوجها كانت تقاتل بالسيف إذا احتاج الأمر. كانت محورًا مهمًا في العمل لكنه لم يخدش وجودها على عادة الدراما التركية.

– الموت، كان يتعامل مع التخلص من الشخصيات التي انتهى دورها بالموت، لكن الموت في أزمة وليس في عارض بمحض الصدفة.

-الخدع البصرية في قطع الرقاب والقتل، وظهور الدم وتناثره أحيانًا على الشاشة كانت مخيفة لكنها في سياقها الدرامي.

وإن كان ثمة تغيرات في أحداث التاريخ من الممكن أن يطرحها البعض فهي ليست جوهرية طالما الأمر ليس وثائقيًا.

وأخيرًا إن كان ثمة عتب، فهو على القنوات العربية التي لم تتسابق لشراء العمل ودبلجته أو ترجمته، فلولا الإنترنت وبعض القنوات على يوتيوب ما كنا تابعنا هذا الجمال .

وأمنية في الختام نتركها للقائمين على المسلسل أن يستمروا في مسيرة إنتاج مثل هذه الأعمال التي تعيد لنا الشعور بأننا كنا شيئًا مهمًا على الخريطة بل ونشكلها بقوتنا، في ظل مؤامرات تسلخ عنا عروبتنا، ومجدنا، وقيمنا العريقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد