توفيق الحكيم أديب البرج العاجي كما لقبه الوسط الأدبي، أحد أهم مفكري مصر وأدبائها في العصر الحديث، أديب كان يكتب الأدب للأدب بلا أي ميول سياسية، وابتعد كل البعد عن أي تحزب أو طائفية, حتى حار في أمره العديد من الحكام أنفسهم، شهد في شبابه قيام ثورة 1919 وفي كهولته كان شاهدا على انقلاب الجيش عام 1952.

رغم أنه كان يتجنب السياسة حتى لا ينحاز لشخص على حساب آخر، كان يبتعد أيضا عن التقرب من الحكام لدرجة أن الفيلسوف الفرنسي الشهير بول سارتر سأل الحكيم, لماذا لا تكتب كتابا تمجد فيه الزعيم عبد الناصر كما فعل “فرانسوا مورياك” مدافعا عن الزعيم الفرنسي “شارل ديجول”؟! فقال له: لكي يكون هناك دفاع لا بد أن يكون هناك هجوم، وعبد الناصر لا يهاجمه عندنا أحد، ولا يجرؤ أحد في بلادنا على مخالفة رأيه.

ولم يلتقِ أبدا توفيق الحكيم بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر طوال حياته، على الرغم من دعوته لمقابلته في الخمسينيات، باعتبار أن عبد الناصر كان متأثرا لحد كبير بفكر توفيق الحكيم كمفكر وأديب, وقرأ له في شبابه رواية بعنوان “عودة الروح”, ساعدته بشكل كبير في تكوين فكره كزعيم ومخلص للشعب, كما اعتبر هو نفسه بعد ذلك، وكانت الرسائل بينهما تتلخص في بعض الكتابات التي يكتبها الحكيم بشكل غير مباشر ويحاول عبد الناصر فهمها, ومن ضمنها “السلطان الحائر” و”بنك القلق”, أو بعض البرقيات التي كان يرسلها له في مناسبات مختلفة.

يعود توفيق الحكيم بعد وفاة عبد الناصر ليحاسب نفسه كمفكر كان شاهدا على فترة هي الأكثر إظلاما في تاريخ بلاده، وكان هو كالكثيرين ممن تم تغييب وعيهم، فأصدر كتابا عام 1972 بعنوان “عودة الوعي”, يعاتب نفسه على كل ما اقترفه من صمت وسوء فهم وتقدير لحقبة الستينيات, وحكم ناصر لمصر, فيقول: إني أرجو أن يبرئ التاريخ عبد الناصر؛ لأني أحبه بقلبي، ولكني أرجو من التاريخ أن لا يبرئ شخصا مثلي، يحسب من المفكرين، وقد أعمته العاطفة عن الرؤية, ففقد الوعي بما يحدث حوله.

ويركز في كتابه بشكل واضح على فكرة استخدام الديكتاتور للخطابات العاطفية لتغييب العقل النقدي لدى الجماهير، فقد كانت هناك الكثير من الأمور التي تحدث في تلك الفترة وتستدعي التوقف والتفكير العقلي السليم، لكنه لم يفعل! وكان ينجرف بشكل أو بآخر في شعارات الوطنية والنصر والروح -السائدة حينها- من محبة للزعيم الفرد المخلص. فيذكر مثلا موقفا, كان يرويه عبد الناصر في أحد خطاباته المليئة بصخب الجماهير, الذى لا ينقطع حتى طغت أصوات الحناجر على صوت العقل.

بعد قرار تأميم قناة السويس وبداية العدوان الثلاثي على مصر, كان عبد الناصر يجلس في بيته يحاول معرفة هل بريطانيا دخلت الحرب أم لا، وحين سمع أزيز الطائرات, اعتلى سطح منزله ليتأكد, هل الطائرات البريطانية هى التي تحلق فوق العاصمة!

قصة تبدو اليوم كنكتة! وتصريح أخرق من رئيس مُغيب! يصعد سطح منزله ليتأكد من أن جيش العدو دخل الحرب أم لا؟! ولكن في ظل تغييب العقل وإعلاء العاطفة بشعارات مثل ” تحيا مصر” و” تسلم الأيادي”  ثلاث مرات قبل النوم، يبدو كل شيء أحمق كأنه معتاد وعادي.

وفي ظل ازدياد نعرة الوطنية والادعاء بمحاربة الإرهاب, يُمكن مثلا الحديث عن الحريات واختراقها في الوقت نفسه، وتصبح الكرامة وحقوق الإنسان أمورا ثانوية نؤجل الحديث عنها إلى إشعار آخر، فهل يصح الحديث عن كرامة مواطن والدولة تحارب الإرهاب وتسعى للبناء! وبدأت الجماهير تغالي في تطرفها تحت رعاية الدولة لمظلة عريضة تسمى ” محاربة الأرهاب” تضم في ظلها كل مُعارض للنظام, فيقول توفيق الحكيم في كتابه  “كنا متحمسين للتطرف، لطول ما قاسينا في مصر من التردد والرفض والمماطلة.

وظلت الجماهير مغيبة لفترة طويلة, حتى أفاقت على هزيمة عام 1967، فسقط وهم المشروع الناصري وتنمية الاتحاد الاشتراكي، وأخذ الناس بين فترة وأخرى يحاولون تقييم ما حدث, ويتسائلون:  كيف حدثت الهزيمة؟ وكان يطل علينا النظام سنويا في احتفالات ذكرى الثورة بعروض عسكرية لأسطورة خير أجناد الأرض والجيش الذي لا يُقهر، هنا أدركوا أن هُناك عطبا ما في بنية الدولة نفسها.

ومرت على الهزيمة أيام, يتضح في كل يوم فداحة ما حدث من خسائر في المعدات والأرواح، ولكن يخرج ناصر للجماهير كعادته بخطاب عاطفي! يتملك عواطفهم مرة أخرى, فيغيب عقلهم ويمنيهم بالنصر، غير أن مفهوم النصر قد تغير من جلاء الإنجليز لتحرير الأرض من اليهود, ثم تحريرها من الإرهاب.

التاريخ يبدو متشابها في كثير من الأحيان, بدرجة تكاد تكون مرعبة، ما حدث اليوم كان حدث الأمس وسيحدث قريبا. الفترة التي احتاجها الشعب بمفكريه لاستعاده وعيه وصلت لعشرين عام, حتى  أفاق من وهم الحلم الناصري, وأدرك مفكروه أنهم كانوا يشترون الهواء معبأ في زجاجات فارغة.

وكما يري توفيق الحكيم, كانت أكثر الخسائر التي لا يعادلها مكسب هي غياب وعي مصر, وتضليل الجماهير بإنجازات وهمية، ويعطي مثالا على ذلك برجل يغدق على ابنه بكل الخيرات التي يرى هو أنها صالحة له، ويتخير له نوع الحياة والزوجة المناسبة، ونوابه الذين يمثلونه بعد أن انتقاهم الأمن بعناية فائقة، والمعلومات التي من المفترض أن يعرفها, وحين يرى أنها ستضره, يأمر بحظر النشر فيها, أو يقول له لن أصارحك بها حتى لا أزيد من همومك، حتى  يفقد الابن مع الوقت تكوينه العقلي والإرادي، ويصبح شخصا ضعيف الشخصية غير واع لذاته.

ويتسائل الحكيم في نهاية كتابه, هل ستسترد مصر الوعي الحر يومًا؟!

ويبدو أن استرداد الوعي لم يعد يحتاج أكثر من عامين، بدأت بعدها تتحرك المياة الراكدة في مستنقع الثورة، باحتجاجات نقابية وعمالية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إعلام
عرض التعليقات
تحميل المزيد