أستعير أحد عناوين الكاتب المسرحي الشهير «توفيق الحكيم»؛ لأصف وضعًا تمتلئ فيه الميادين المصرية مجددًا بطيف واسع من المحتجين والناشطين، من قوى المجتمع الحية، في هذا البلد العربي الكبير، طيف عاد بريقه إلى اللمعان مجددًا، بعد ثلاث سنوات من الكبت، متأثرًا بحالة «المكارثية» الغالبة على المشهد المصري منذ 2013، والتي قضت على ثمار الوعي المتشكل، بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، إن الطريق الوحيد نحو تجاوز مصر لمشكلاتها الاقتصادية والديموغرافية، هو الانتقال نحو الديموقراطية الحقيقية، وتعزيز السيادة الشعبية، والنقد البناء لتؤدي مؤسسات الدولة أدوارها المناطة بها، دون إفراط أو تفريط، وذلك سبيل يحفظ مكانة مصر، ويصونها من سياسة بائسة لمواجهة التحديات، «أعطني مواردًا أعطك دورًا».

إن اجتماع القوى المدنية المصرية على رؤية موحدة سيجعل من الاحتجاج على الأوضاع المتردية، وتجاوزات السلطة مسألة وطنية عامة، لا تتعلق بالمطالب الفئوية الخاصة ببعض المجموعات والتيارات الأصولية، وهذا الأمر سيغير من قواعد اللعبة؛ إذ يتلقى الشعب أطروحات بديلة، غير الدعاية الملهية عن حقائق الأمور، المحفزة على الاستسلام للمخاوف، دون الإحساس بها.

فعندما تشعر الجماهير بالألم ـ عن وعي ـ تتحرك لتغيير الوضع، أما إذا غابت عن الوعي؛ بسبب التخدير أو ضعف المنبه، فلن تستشعر الخطر أبدًا، علمًا أن التنبيه القائم على انقسام أيديولوجي، أو الرغبة الجامحة في اعتلاء السلطة وحسب، لن يفعل شيئا، ولن يخرج الشعب من حالة الخضوع للتضليل، فمن الضروري جدًا أن يتعلم المصريون من أخطاء الماضي، والتطلع إلى نقلة جديدة في أساليب الخطاب، واستدعاء الانتباه، بدأت بوادرها الإيجابية في الظهور مع عودة الوعي تدريجيًا متأثرًا بمنبهات قوية، كالدفاع عن السيادة بهوية ديموقراطية، ومقاومة الاحتكار السلطوي للوطنية، وتبرير الفشل.

من المهم التأكيد أننا لسنا بصدد تقديم الدروس والمحاضرات، غير أن إدراكنا لقيمة مصر، ودورها يدفعنا للاهتمام بما يحدث على صعيدها؛ لأن مصر هي مقياس الحالة العربية الخالصة، مثلما تمثل سوريا مقياسًا لفعالية القرار لدى النظام الإقليمي العربي، والعراق مقياسًا للتوازن الإقليمي العربي ـ الإيراني، وإذا كانت مصر في أفضل حال، فسينعكس ذلك إيجابًا على الوضع العربي بمجمله. امتلاك مصر لهوية ديموقراطية تتماشى مع أشواق التغيير، سيوحد مصالح الدائرة الإقليمية، والدائرة العربية، ويدفع الآخرين المتأخرين عن الديموقراطية أو العروبة إلى مضاعفة الجهود؛ للالتحاق بالسقف.

لا يجب أن تنسينا استحقاقات النظام الإقليمي والتوجهات الحالية في الحزم ضد إيران، وسد الفراغ الذي أحدثه غياب القيادة الأمريكية في المنطقة، أصول المشكلة، وهي ضرورة قيام نظام عربي جديد وشامل، وفق قيم ومفاهيم العصر المختلفة، والمواءمة بين الجبهة الداخلية السليمة، والمواقف الخارجية المتقدمة، نحن نتذكر جميعًا بأن الازمات القائمة في نقاط المواجهة مع إيران، أي سوريا واليمن والعراق نشأت؛ بسبب الاستبداد والفشل في إدارة الأوضاع الداخلية، وتراكم الغيض عبر السنين، الذي لن يستوعب هذه الحقيقة ستتعرض مساعيه إلى خيبات ونكسات متكررة، فما جدوى البحث عن التحالفات بشركاء يدب الوهن في أوصالهم الداخلية؟ وما جدوى السعي إلى إنقاذ الشعوب من الهيمنة الإقليمية المعادية، دون الرغبة في تمكينهم من الحكم الرشيد؛ لتجنب وقوع الكارثة مرة أخرى؟ أسئلة برسم الانتظار، ومجرد الإشارة لها علامة أن الوعي في طور التعافي.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد