إن بروز تنظيم داعش على الساحة الدولية بعد الفوضى التي عمت العراق ثم سوريا، إثر اندلاع الأزمة هناك عام 2011. وبعد الصعود الكبير وسيطرة التنظيم الإرهابي على مناطق واسعة في سوريا والعراق عام 2014 أعلنت الخلافة التي اجتذبت آلاف المقاتلين الأجانب. لكن سلسلة من الهزائم التي لحقت بالتنظيم هذا العام تركت مقاتليه الأجانب محاصرين في مناطق متفرقة في العراق وسوريا، ممن أجبرهم الوضع الأمني الهروب إلى مناطق جديدة كدول شمال أفريقيا والساحل الأفريقي مما قد يدخل المنطقة في دوامة من التهديدات المتعددة المخاطر والتداعيات بعودة هؤلاء المقاتلين الأجانب، المؤشرات والتقارير تقول إن العودة ستكون إلى الفضاء المغاربي والساحلي خاصة مع سقوط «الدولة الإسلامية» وتفككها في العراق وسوريا وتشرذم مقاتليها، وسعيهم إلى الهرب والإفلات من يد العدالة، عادت إشكالية عودتهم إلى بلدانهم الأصلية، الغربية منها بصورة خاصة بلدان شمال أفريقيا والساحل الأفريقي، تتصدر اهتمام سلطات تلك الدول التي تخشى من عودة محتملة لمقاتلين مدربين على مختلف تقنيات الحروب وقد تشربوا العقيدة التكفيرية.

ويبقى استمرار خطر تهديد عودة المقاتلين الأجانب بتنظيم الدولة في سوريا والعراق، على استقرار دول شمال أفريقيا على غرار ليبيا. بحكم أنها واحدة من الأماكن القليلة التي تلقت تدفق المقاتلين من قلب تنظيم داعش الإرهابي.

فقد تمكن تنظيم داعش في ليبيا من الحفاظ على جزء من أراضيه، وجذب المجندين من الدول المجاورة وكذلك من ليبيا نفسها، في حين إطاحته في مدينة سرت في نهاية العام الماضي دفعته إلى المناطق الصحراوية، فإن الطبيعة الفوضوية لذلك البلد تجعل القضاء على «داعش» اقتراحًا صعبًا.

أما بالنسبة للتونسيين الذين يشكلون خزانًا للتنظيم الإرهابي في ليبيا والعراق وسوريا، فقد بلغ عدد الموجودين ضمن صفوف التنظيمات المسلحة 2962 تونسيًا، عاد منهم 800 إرهابي وفق تقرير صوفان، و1623 مغربيًا، و600 مصري، و173 جزائريًا، إضافة إلى 3 آلاف سعودي و3244 أردنيًا.

وتشكل عودة ما لا يقل عن 5600 عنصر من تنظيم «داعش» الإرهابي من العراق وسوريا إلى دولهم تحديًا أمنيًّا هائلاً لهذه الدول، حسب مركز «صوفا غروب» الاستشاري للشؤون الأمنية. وتدفق أكثر من 40 ألف أجنبي على تنظيم «داعش» من 110 دولة.

في الحين أعلن مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة التابع لدار الإفتاء المصرية، أن عدد عناصر تنظيم داعش الإرهابي القادمين من بلاد المغرب العربي يتراوح بين 8 آلاف– 11 ألف مسلح، محذرًا من نزوح هؤلاء العناصر الإرهابية إلى بلاد المغرب وعودتهم إلى بلادهم، خاصة بعد تلقي التنظيم الإرهابي ضربات متتالية منذ العام الماضي في سوريا والعراق وليبيا.

وأوضح التقرير أن دول تونس والجزائر تعد في مقدمة الدول المستهدفة بعودة ونزوح الدواعش إليها، ما يزيد المخاوف في تونس والجزائر وأوروبا، خاصة أن ساحلها الطولي مع الدول الأوروبية يمتد لمسافة 1200 كم، متوقعًا زيادة معدلات الهجرة غير الشرعية، وطلب اللجوء في حالة وصول عناصر داعش إلى الفضاء المغاربي هربًا من الحروب بسوريا والعراق وليبيا، التي تتسبب في تهديد أكبر للدول الأوروبية المستقبلة للاجئين، بعد تمكن الدواعش من التمركز في مناطق النفط والغاز الأساسية بالجزائر.

مع احتمال عودة هؤلاء المقاتلين، من المرجح أن تزداد العمليات الإرهابية المتوحشة التي تستهدف أهدافًا استراتيجية لمصالح الدول الكبرى في المنطقة؛ فهؤلاء الذين قاتلوا إلى جانب داعش تشربوا الفكر التكفيري. أيضًا، كثيرًا ما يحمل المقاتلون الأجانب مشاعر عدائية للأقليات والطوائف ما أكثرها في منطقة الساحل الأفريقي، وربما يزيد من موجات تدفق اللاجئين. كذلك، من المرجح وقوع حوادث اختطاف غربيين، إلى حد كبير لأسباب دفع الفدية، وسيخلق ذلك معضلات للحكومات الغربية التي ربما يؤخذ مواطنيها رهائن.

كما سيلجأ العائدون إلى استخدام العنف ضد مدنيين أو في مناطق الحروب والنزاعات الإثنية في أفريقيا، سواء لأسباب إيديولوجية «إذ يسعون لقتل أو طرد أولئك الذين لا يتبنون رؤيتهم للإسلام داخل الأراضي الخاضعة لسيطرتهم»، أو لدواعي استراتيجية، منها أن التطرف العنيف المتوحش يروع المدنيين، ويجعلهم أكثر رغبة في دفع ضرائب للمقاتلين الأجانب، بغية إبعاد شرهم.

وفي الإطار ذاته، من المرجح كذلك أن يزداد الوضع سوءًا على المستوى الإنساني؛ فالإرهابيون العائدون يحملون استراتيجيات أكثر قسوة وتوحشًا، وبعضهم على الأقل سيرى المدنيين أهدافًا مشروعة، خاصة من الأقليات الدينية، وأيضًا أولئك الذين يعملون أو يتعاونون مع أي نظام يعارضه المقاتلون العائدون. كذلك، ربما يوظف العائدون تكتيكات مثل قطع الرؤوس، على الرغم من أن بعض الجماعات الموجودة بالفعل توظف هذا التكتيك بعد أن وجدت حجم التأثير الذي يحدثه مع كل مرة تُنشَر فيها صور لعملية جديدة لداعش الإرهابي. في الواقع، ألهم تنظيم داعش المركزي جماعات مثل «جند الخلافة» في شمال أفريقيا والتي تستخدم بالفعل هذا الأسلوب.

إن الوضع الأمني الهش في عدد من دول المغرب العربي والساحل الأفريقي وفر الحواضن للجماعات الإرهابية، الأرض الخصبة للتحرك بحرية واستمرارها في التجنيد، وهو ما يحتم على الجميع العمل بشكل مشترك لمكافحة الإرهاب، وتجفيف مصادر تمويله بمنطقة غرب أفريقيا بالخصوص.

وقد كانت الجزائر قد حذرت مبكرًا على لسان وزير الخارجية الجزائري، عبد القادر مساهل، من خطر مقاتلي تنظيم الدولة العائدين إلى بلدانهم من ساحات القتال بسوريا والعراق، وعدهم «هاجسًا يؤرق الحكومات العربية».

كما أوضح رئيس الدبلوماسية الجزائرية أن «الجزائريين هم الأقل قابلية للانخراط في صفوف تنظيم داعش أو غيره»، موضحًا أن «تجربة الجزائر المريرة مع الإرهاب تشكل تحصينًا لشبابنا ضد هذه الآفة، التي تنخر جسد الوطن العربي منذ سنوات، وتغذيها التدخلات الخارجية».

لكن بالرغم من أن عدد الجزائريين المنخرطين في تنظيم الدولة بسوريا والعراق وليبيا، يعدّ الأقل، مقارنة مع التونسيين والمغربيين، إذ إن عددهم لا يتجاوز 170 عنصرًا، بحسب وزير الداخلية الجزائري نور الدين بدوي، فإن الحكومة الجزائرية أفردت احترازات أمنية لافتة جدًّا على الحدود الشرقية والجنوبية، إذ عززت الوجود العسكري بالمناطق الصحراوية، بخمسة آلاف عسكري إضافي، بداية شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.

في حين أن المقاربة الأمنية لا تكفي لأن مواجهة لموجات جديدة من المقاتلين المغاربيين والأفارقة العائدين إلى بلدانهم مرهون بمدى قدرة حكومات المنطقة على تهدئة التوترات الجبهة الداخلية.

إن عودة المقاتلين الأجانب باتت ظاهرة، وهي في تزايد مستمر نتيجة الهزائم العسكرية التي لحقت بتنظيم داعش الإرهابي في مناطق النزاع المسلح، لا سيما في سوريا والعراق. وهو ما يجعل من مسألة تعزيز إجراءات تأمين أكبر للحدود خاصة في منطقة تتميز ببشاعة الحدود لوقف تنقل المقاتلين الأجانب بجميع الأشكال ضرورة ويفرض على دول شمال أفريقيا والساحل تعاونًا إقليميًّا ودوليًّا من أجل بناء مقاربات لمواجهة هذه الظاهرة، وقطع الطريق أمام محاولات انسحاب أو تجمع هؤلاء الإرهابيين في المناطق التي تعاني أكثر من نقص الموارد والإمكانيات لمحاربتهم.

إن الجزائر التي عانت الأمرين خلال التسعينيات من القرن الماضي من آفة عودة المقاتلين الإرهابيين الأجانب، تحافظ على مستوى عالٍ من اليقظة داخل أراضيها وعلى طول الحدود، وتجدد استعدادها لتعزيز تعاونها في مجالي الحدود والشرطة مع كل بلدان المنطقة في إطار الجهود الإقليمية والدولية المبذولة لحشد الخبرات والموارد اللازمة لدعم بناء القدرات وتعزيز التعاون العالمي في مجال مكافحة الإرهاب، وتأكيد الالتزام بنهج عملي قائم على سيادة القانون في التصدي للتهديدات التي يشكلها الإرهاب والتطرف العنيف. إضافة إلى وضع منظومة أفريقية لمكافحة الإرهاب تقوم على تجفيف منابع تمويل الإرهاب ومحاربة التطرف والتكفل بمسألة الإرهابيين الأجانب وعودتهم إلى القارة، فضلاً عن تحسين السياسات والأطر المؤسساتية والقانونية من أجل تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية الاقتصادية والاجتماعية بوصفها عوامل تساعد على حرمان الجماعات الإرهابية من الأرضية الخصبة لنشر أفكارها إلى جانب تطوير التعاون الثنائي والإقليمي والدولي لمكافحة هذه الآفة.

وخلاصة القول: يمكن أن ننوه بمجهودات الجزائر في تحذيراتها المتواصلة للدول الأفريقية من خطر عودة المقاتلين الأجانب إلى المنطقة وتداعياتها على الأمن الإقليمي والدولي وتبقى باستثناء الجزائر ليس هناك أي دولة أخرى في المنطقة تمتلك التجربة والإمكانات لمكافحة الإرهاب، ما يتطلب مزيدًا من التعاون في مجال الأمن، وبشكل خاص التسوية السريعة للأسباب التي تجعل من المنطقة مركزًا للنشاطات الإرهابية، لاسيما الفقر والتهميش والإقصاء والظروف الاجتماعية والاقتصادية المزرية، وغياب الحوكمة.

فكل التداعيات سالفة الذكر، تقف وراء الحراك الجديد والمفترض لداعش الإرهابي في أفريقيا، وخاصة شمالها، بوصفها منطقة حيوية، فانعدام الأمن والاستقرار بدرجات متفاوتة في كل من مصر وليبيا وتونس ودول أفريقية أخرى، وتواصل منطق استضعاف الدولة في هذه البلدان يوفر أرضية مناسبة ويشكل بيئة عمل خصبة للتنظيم المتغلغل، والذي يتبع بشكل منهجي وعملي لمقولات كتاب «إدارة التوحش»، إذ إن البلدان الثلاثة أي ليبيا وتونس ومصر، ودول الساحل تُعاني من عدم ثبات حكوماتها أو تعددها في المثال الليبي، وهو الأمر الذي يحُول دون استقرارها واستتباب الأمن فيها، ويزيد من الضغوط الاقتصادية ويشتت الجهود والقدرات الأمنية والعسكرية لمواجهة تمدد وتغلغل التنظيم داخل مجتمعاتها، وهو ما ينطبق على دول أفريقية تماسك الدولة فيها أضعف بكثير من مصر وليبيا وتونس ومالي.

يرى خبراء الأمن أن الجزائر تواجه خطر عودة المقاتلين الأجانب بسبب انهيار النظام الأمني في ليبيا وضعفه في مالي والنيجر، وهي الدول الثلاثة التي تمتد حدودها لآلاف الكيلومترات مع الجزائر.

وتتحسب الجزائر لهذا الخطر الداهم، بالرغم من جهودها في مكافحة الإرهاب على أراضيها، إذ تمكنت من وأد تنظيم «جند الخلافة» الذراع الجزائرية لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في مهده.

ويشكل الأمر هاجسًا حقيقيًّا للجزائر في ظل تحذيرات بعودة نحو 6 آلاف مقاتل أفريقي انضموا إلى معسكرات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا إلى القارة السمراء بعد هزيمتهم، وهو ما تخشى من امتداداته، خاصة إذا انصهرت هذه العناصر مع التنظيمات المتشددة الأخرى في منطقة الساحل، وأخطرها تنظيم (نصرة الإسلام والمسلمين) في شمالي مالي، الذي يضم أربعة تنظيمات إرهابية خطيرة.

وفي ظل وجود ضبابية في رؤى دول المنطقة المغاربية والساحل الأفريقي، تزداد وتيرة خطر الجماعات الإرهابية مع تحول ليبيا- ذات المساحات الواسعة غير المحكومة والنفط والموانئ والقرب من أوروبا والشرق الأوسط- إلى مركز لعمليات كلٍّ من تنظيمي القاعدة وداعش وعودة مقاتليها إلى المنطقة هروبًا من الهزيمة التي لحقت بهم في العراق وسوريا، ولو مؤقتًا للوصول إلى عمق أفريقيا. وتبقى قدرة هذه الجماعات على توسيع نطاق عملياتهم، وتجميع طموحاتهم معًا لتتحول جهات فعالة محلية إلى تهديدات على مستوى إقليمي وأفريقي أوسع.

إن عودة هؤلاء إلى أفريقيا، وبالأخص في منطقة الساحل والصحراء، يُمثِّل خطورةً على الشعوب الأفريقية، وعلى أمن واستقرار المواطنين بشكلٍ عامّ، الأمر الذي يتطلّب بذلَ جهودٍ كبيرة، وتعاوُنًا بين الدول الأفريقية على المستويين المحلي والإقليمي والعربي والعالمي، وتبادُلَ المعلومات الكافية بشأن هؤلاء المقاتلين الإرهابيين، ولا بُد ألّا يكونَ هناك أيُّ نوعٍ من أنواع التراخي؛ حتى لا يتسنّى لهؤلاء المقاتلين أن يَبُثّوا سمومَهم في شرايين القارة السمراء، وبالتالي سيكون هناك بروزٌ لخطرٍ إرهابيٍّ في دولٍ أخرى لا تشهد عنفًا ولا إرهابًا؛ ممّا يُنذِر بعواقبَ وخيمةٍ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك