تحرير المفاهيم

إذا سألت ما هي الحرية، قد يجيبك أحدهم أنها حرية الشعب واستقلاله السياسي، ويجيبك آخر أنها حرية الأفكار والسلوكيات، وآخر فيقول أنها حرية العقيدة.

كلمات كـ”الحرية” و”السعادة” تمثل غايات وأهدافًا يسعى الإنسان إليها دوما، فالإنسان يحلم بتصور معين لتلك الحرية، تصور قديم قدم ما تعلم في صغره، وليد عدة مشاهدات وتجارب، أو ربما ساهم في تكوينه فيلم سينمائي أو قصيدة أو أغنية. أحيانا يفشل المرء في تحقيق ذلك التصور أو يعجز عن بلوغه فيستسلم أو يحاول من جديد، ربما سلك حينها طريقا جديدا نحوه ولكن تظل الغاية كما تخيلها دائما ويظل مفهومه عن الحرية ثابتًا لم يتغير.

أحيانا نحصر مفاهيمنا عن السعادة والحب والحرية في قوالب ضيقة ونحبس أنفسنا فيها، نفشل في استشعار تلك المعاني واستحضارها، ونظن أننا لم نحاول كما يجب أو أننا أخطأنا الطريق إليها، في حين أن الخلل كان في المفهوم ذاته، في تصورنا لتلك الغاية منذ البداية، في تلك القوالب الجامدة.

قد نجد الحرية في مفاهيم لم تكن مرتبطة بها من قبل بل كانت تعتبر متناقضة مع مفهومنا للحرية أصلا، قد نجد الحرية في العبادة.

الصيام وقيود الشهوات

لقد خلق الله الملائكة من عقل بلا شهوة، وخلق الحيوانات من شهوة بلا عقل، وخلق الإنسان من عقل وشهوة فإذا غلب عقله شهوته ارتقى على الملائكة، وإذا غلبت شهوته عقله صار بمنزلة الحيوان.

أخطأ من ظن أن الملتزم بدين الله ومنهاجه عليه أن يكبت شهواته وأن يحرم نفسه من اللذات لكي يصحّ إيمانه، لقد أودع الله الشهوة في الإنسان لا لكي يتخلص منها، ولكن ليَحكمها ويُشبعها بما يُرضي الله عز وجل. والشهوات متعددة تختلف درجات قوتها، وتتباين درجات ضعف وقوة البشر أمام كل منها.

تدبر معي هذا الحديث:

(عَنْ عَبْد ُاللَّهِ بن مسعود قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَابًا لَا نَجِدُ شَيْئًا فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)، صحيح البخاري.

“ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء”، رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلك هنا على ما يحفظك من الوقوع في أسر شهوتك يدلك على الصيام، فإنك إن قدرت على شهوة الطعام والشراب كنت على غيرهما من الشهوات أقدر. فالصيام وقاية لمن خشي أن تغلبه شهوته، ودواء لمن غلبته وأراد أن يتحرر من قيدها.

انظر حولك، فقد اختلفت أشكال القيود وصورها وظل الأصل واحدًا، إنسان اتبع شهوته حتى وقع في أسرها وصار عبدا لها، فهل أدرك ذلك؟ أم شغلته تلك الحرية التي ظن أنه يتمتع بها؟ ألا يفعل كل ما يريد وقتما أراد؟ نعم، ربما تلك هي الحرية كما عرفها دوما، حرية تُوهم عبدا أنه سيد، فإذا بالأوهام تجر بعضها البعض حتى يصبح الذي أمسى سيدا لنفسه يظن أنه سيد الأكوان.

أوطان أم جدران؟

يولد المرء في بلد فيتربى على حب ذلك البلد والانتماء له والتطلع لفدائه بروحه، ينشأ على تمجيد ذلك البلد وتمجيد تاريخه – حلوه ومره – وتعظيم الحضارة التي صنعها السابقون على أرضه.

 

يسمونها “الدولة”، كيان غير ملموس له اسم – قديم غالبا -، – وله عَلَم يعبر عن إنجاز تاريخي أو خاصية جغرافية -، وله حدود جغرافية تتمدد وتنكمش على مدار الزمن حسب مدى قوة من يحكمون البلاد وتطلعاتهم.

نشأنا على تعظيم الانتماء للبلد الذي ولدنا فيه وحملنا جنسيته، ونشأت معنا أحلام بالمساهمة في رفعة شأن ذلك الوطن بين باقي الأوطان. فذلك صغير يحلم أن يكون قائدا بالجيش ليهزم أعداء الوطن وآخر يحلم أن يكون طبيبا ليعالج أبناء الوطن.

ثم كبرنا وسألنا من هم أعداء الوطن ومن هم أبناؤه؟ وماذا لو كان بعض من يسمونهم أعداء الوطن على حق؟ وماذا لو وقفنا لمن يديرون شؤون تلك البلاد وسعينا لتقويمهم أو استبدالهم؟

كبرنا وسألنا ولم يمض الكثير حتى صرنا نحن أعداء للوطن.

ضاقت بنا الأوطان أم أننا ظلمنا معنى الوطن؟ يوم حبسناه وحبسنا أنفسنا في مفهوم ضيق للوطن، وكانت علاقتنا به أقرب للعصبية القبلية من الانتماء، وأقرب للفخر بأمجاد الماضي من الحرص على إصلاحه وبناء مستقبله، وأقرب لنفاق حكامه وخشيتهم من خشية الله وتقواه.

العبادة حرية

 

للحرية إذا أبعاد أخرى تتعدى تلك الصور والأنماط السائدة، وللعبادة كذلك. يوما ما ستقف وحيدا أمام خالقك مجردًا من كل شيء، لا مال ولا أهل ولا وطن، يوما ما ستدرك أنك أنهكت نفسك في معارك وهمية وغفلت عن قيود سلبتك حريتك التي منحك الله إياها، تلك الحرية التي تمكنك من تحقيق غاية وجودك والتي لها خُلقت وهي (العبادة). الحرية الحقيقية تكمن في عدم التفاتك عن تلك الغاية فهي أصل وجودك وأصل كل شيء يربطك بهذه الدنيا.

العبادة أيضا لاقت ما لاقته الحرية من قولبة وحصر في أطر ضيقة، فلقد جعل البعض العبادة مجرد شعائر لا تتجاوز كونها مناجاة بين العبد وخالقه، في حين أن مفهوم العبادة أوسع وأشمل بكثير، فالعبادة ليست عملًا منفصلًا عن الواقع بل إنها معاملة الواقع وبناؤه وفقا لمعايير الهدى الإلهي.

إخلاص العبودية لله سبحانه وتعالى هو عين الحرية، لأن عبادة الله – كما ارتضاها لنا – تحررك من أسر شهواتك وقيود من حاصروك واستضعفوك في الأرض وسلبوك أدنى حقوقك، أن تكون عبدا لله تعني ألا تستسلم لسواه فتكون حراً به وله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, الوطن, حرية
عرض التعليقات
تحميل المزيد