لقد أبدع فيسلوف الحضارة مالك بن نبي لما شرح تركيبة المجتمع المكونة من عوالم ثلاث متفاعلة متراكبة متراكمة متكاملة:

أ- عالم الأفكار: وفيه جملة المبادئ والقناعات وأنظمة التفكير ومنظومة الأفكار السائدة.

ب- عالم الأشخاص: ويجمل الكتلة البشرية الكمية والنوعية، وجملة العلاقات الانسانية والاجتماعية الرابطة بين أبنائه والمحددة لشكل هذا المجتمع والقوانين والنظم المنظمة له.

ج- عالم الأشياء: التي يمتلكها أي مجتمع سواء كانت مقدرات طبيعية أو منتجات حضارية أنتجتها حضارته.

ومن علامات التوفيق العظيم في هذا التصور القدرة المرنة على إسقاطها على أي تجمع بشري وقدرة هذا النموذج على توصيف حالة المجتمع وشكله فقط من خلال تحديد طبيعة العلاقة بين العوالم الثلاث بين القوة والمرض والموت فقط بمعرفة نواة الولاء فيها للأفكار أو الأشخاص أو الأشياء.

ولأن التوصيف لهذا النموذج يطول ولست أبغيه من مقالي وإنما أبتغي نفض التراب على إشكالية تركيبة عالم أفكارنا الحالي الذي مع الأفكار الضخمة التي رسخها القرآن وسنة المصطفى إلا أنها مستها الشوائب ترسبت فيها جملة من الأفكار الميتة والقاتلة فأصابتها بأدواء عدة، تشخيصها هو أول محطة لبلوغ منى البرء قبل الإحياء والتجديد، وكما قال علماء التزكية بما ارتبط باستراتيجية التربية التخلية سابقة للتخلية!

تمرض المجتمعات وتخرج عن مضمار الفعل التاريخي لما يجمد عالم أفكارها فيختار أيسر الدروب للوصول للفكرة فيميل إما:

للتقليد، تقليد السابقين بدون أخذ الاعتبار لعوامل تغيرات الواقع في زمانه ومكانه، أو شرعية الأفكار وصحتها وقابلية تطبيقها، ففي وقت الغيبوبة الحضارية للأمة تتسرب إليها أفكار ميتة ساهمت في وصول حال الأمة لما عليه الآن، أفكار أخذت شرعيتها من فهم البعض للإسلام أو إلصاق شهوة سياسية أو مجتمعية به في لحظة غفلة مجتمع.

أو التوجه للاستيراد من الحضارات الأخرى زعمًا في التجديد والتحديث فلا ينالهم من حظ اللهث وراء سرابهم سوى الأفكار القاتلة التي أنتجت واقع الغرب الاجتماعي المفكك وفنهم الهابط المشجع للإباحية وفكرهم المادي المرسخ للاستعباد!

بين التقليد للسابقين عبر اجترار الأفكار الميتة البعيدة عن الإسلام والاستيراد من المتدافع معهم دون وعي بخطر الأفكار القاتلة تولد أنظمة تفكير تعطل نهوض الأمة وتقتل ما تبقى فيها من صلاح، وتشكل التحدي الهام أمام الانتقال لعصر النهضة والتقدم والتطور والنماء، وجب تنقية الميت منه والوقاية من القاتل في الشطر الآخر لتخلية عالم أفكارنا مما شابه فغير من نصاعة الفكر النبوي وفهم الخلفاء الراشدين واجتهادات العلماء السابقين والمفكرين والقادة المجددين من أهل الفضل والمعرفة من السلف الصالح.

التعامل مع التراث بين القطيعة والجمود

ترسبت مشكلة عويصة -نتاج التخلف والبطالة الفكرية في أمتنا- تمثلت في تجلي طبيعة التعامل مع الماضي والموروث عنه بين سلوكين نقيضين، إما:

1- الافتخار المفرط بإنجازات الماضي والتهليل لها صباح مساء، مع تقديس كامل لجملة الاجتهادات التي حققها علماء أجلاء أفاضل عبر جهدهم العقلي المرتبط بواقعهم ومجارات كل الآراء دون أخذ في الاعتبار ببعدي الزمان والمكان، ما أنتج بلادة في الفكر وضمورًا في العقل وشخصنة للتاريخ ومناداة للموتى.

أو في النقيض من ذلك:

2- قوم غرتهم حضارة الآخر، فانكبوا على أوجههم ينشدون الوصول لها يخطبون ودها، فتداعى أولئك يقدمون عربون الوفاء لحضارة الغرب عبر الانقطاع الكامل عن تراث الأمة الرصين ومرجعيته الثابتة القطعية، معلنين القطيعة التامة مع الماضي ظنًا في ذلك التحرر والحداثة والإقبال على المستقبل.

بين أولئك وهؤلاء وسطية تستقي مبادءها وقيمها وثوابتها من مرجعية الاسلام الصحيحة النقية القرآن الكريم والسنة النبوية وتلتزم بما أجمع عليه مجتهدو الأمة الأفاضل، وتستأنس في سيرها الحاضر باجتهادات السابقين مع حفظ الفضل والسبق والخيرية لهم دون تقديس للأفهام وقائليها وادعاء اكتمال الصواب لآرائهم، مع تقدير للجهد المبذول للوصول لتلك الاجتهادات وفق معطيات الواقع الذي عاشوا فيه.

كل ذلك يكتمل ويتكامل مع نظرة متفحصة للحاضر واستشراف للمستقبل عبر التجديد في الكيف والمنهج وفق مدخلات العصر والتفاعل مع علومه وقوانينه، وطرق أبواب جديدة بالاجتهاد للإجابة على أسئلة الواقع، والبذل الفكري المتواصل لعلماء الأمة وقادتها ومفكريها لإبداع التصورات العصرية في شؤون الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من ناحية الأدوات والنظم والقوانين بهدف صناعة نموذج جديد.

نموذج يقوم على قاعدة صحيحة موروثة من عقيدة و عبادات وأخلاق وقيم ومبادئ وأركان الإنتاج المتجدد في الإعلام والسياسة والاجتماع والاقتصاد مع التزام كامل برؤية الإسلام الصالحة لكل وقت لقيم العدالة الاجتماعية، الشورى باعتبارها نواة للحكم ومناعة لصوابيته والعدل باعتباره ركنًا ركينًا لثبات منظومة الحاكم والمحكوم، والمحافظة على حقوق الإنسان ووجوب حماية المجتمع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدفاع عن مؤسسات الدولة وثروات الأمة وممتلكات الشعب بجيش قوي متمرس يمارس دوره في الجهاد بوصفه ذروة سنام الإسلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد