المتابع جيدًا للدراما التليفزيونية المصرية في سنواتها الأخيرة يُدرك أهمية الإعلان عن تعاقد إحدى الشركات الإنتاجية الكبرى مع السيناريست الشهير محمد جلال عبد القوي، لإعادته من جديدٍ لسباق الأعمال التليفزيونية من خلال مسلسل اسمه «زين الحسني»؛ فالرجل يُعد أحد صناع الروائع التليفزيونية المحفورة في وجدان المصريين الذين تابعوا بل حفظوا أعمالًا خالدةً له مثل «المال والبنون»، «سوق العصر»، «الليل وآخره»، «حضرة المتهم أبي»، وغيرها من الأيقونات الدرامية التي أسعدت أجيالًا، وما مازالت حتى الآن تُحقق نِسبَ مشاهدةٍ مرتفعةٍ عند إذاعتها.

السيناريست المصري الشهير محمد جلال عبد القوي من جيلٍ تميّز في كتابة المسلسلات أو «الرواية التليفزيونية» كما يُحب أن يُطلق عليها «عبد القوي» نفسه، وشكّل مع الراحلين العظيمين أسامة أنور عكاشة ومحمد صفاء عامر ثالوثًا مهمًّا فى كتابة أعمالٍ دراميةٍ تليفزيونيةٍ قدمت قراءاتٍ مهمةً للتاريخِ المصري الحديث، وشكّلت وعي أجيالٍ متتابعةٍ، بل إنه لا يوجد سيناريستٌ لم يتأثر بـ«عبد القوي» أو «عكاشة»، سيد الدراما المصرية كما يُلقب هنا في مصر.

كان نجاح «عبد القوي» و«عكاشة» و«عامر»، وفي السينما الكاتب محمود أبو زيد، سببًا في وجود اهتمامٍ لدى المشاهدين المصريين بمن يكتبون المسلسلات أو الأفلام أو مَنْ يُطلق عليهم «أصحاب الورق» في الوسط؛ بل إن نجاح «أبي زيد» في أعمالٍ سينمائيةٍ مثل ثلاثيته الشهيرة «الكيف» و«العار» و«جري الوحوش» كان أكبر عاملٍ في ارتفاع أجور كُتاب السيناريو في مصر منذ الثمانينيات.

الحديث السابق يكشف أهمية عودة «عبد القوي» من جديد؛ خاصةً في ظل التدهور الكبير الذي شهدته الأعمال الدرامية في السنوات الأخيرة، فالرجل غاب عن هذا المجال 11 عامًا، غرقت خلالها المسلسلات التليفزيونية – إلا القليل منها – في تناول موضوعاتٍ تتعلقُ بالإتجار في المخدرات، وتعدد الزوجات، وأعمالٍ كوميديةٍ باهتةٍ أصلًا، فضلًا عن ظهور مسلسلاتٍ مشوّهةٍ مستوحاةٍ أو مسروقةٍ من أعمالٍ أجنبيةٍ.

بلغت الأعمال الدرامية المصرية ذروة ضعفها في موسم دراما رمضان الماضى؛ فقد جاءت المسلسلات متشابهةً ركزت على «التيمة» الخاصة بتوريط البطل في الإرهاب وقضايا المخدرات، مع تقديم معالجاتٍ ضعيفةٍ لهذه القضايا، فضلًا عن غرق أعمال أخرى في «تلميع» أجهزةٍ معينةٍ في الدولة بحواراتٍ إنشائيةٍ وقصصٍ لا تقنع طفلًا عن «البطل الأسطوري» القادم من تلك الأجهزة.

أما الأعمال التي حققت نجاحًا مثل «ولد الغلابة» فقد كانت «مسروقةً» من أعمالٍ أجنبيةٍ، في حين أفلت «زي الشمس» للفنانة دينا الشربيني من تهمة السرقة؛ فعلى الرغم من أن المسلسل مستوحى من عملٍ إيطالي، فإنّ صناعه حصلوا على حقوق تمصير القصة، وعملوا على خطوطٍ وزوايا جديدةٍ؛ فنجح المسلسل نجاحًا مدويًّا.

وبعيدًا عن أداء الفنانين أو مستوى الإخراج، فإنّ هناك دليلًا قويًّا يُلزمك بالاعتراف بمدى ضعف وفقر الأعمال الدرامية المصرية التى عُرضت في موسم رمضان الماضي، هذا الدليل يتركز في عدم وجود مسلسلٍ واحدٍ «اشتبك» مع أي جهةٍ أو مؤسسةٍ أو حزبٍ؛ بمعنى أنه لم يكن هناك عمل له صدى قوي في المجتمع مثل أعمالٍ فنيةٍ عُرضت فى سنواتٍ سابقةٍ، وكانت بمثابة «الزلزال» الذي ضرب كياناتٍ وهزّ الثقة في أفكارٍ أو تياراتٍ.

على سبيل المثال في 2007 تسبب مسلسل «الملك فاروق» الذي كتبته الدكتورة لميس جابر في جدلٍ شديدٍ وخلافاتٍ سياسيةٍ في المجتمع المصري، لم يحدثها عمل فني من قبل؛ بسبب الاتهامات التي وُجهت لهذا المسلسل من الترويج للملكية، وتجميل الأخطاء التي ارتكبها الملك فاروق، الذي حاول المسلسل إظهار جوانب إيجابية فيه، بل برأه من أخطاءٍ سياسيةٍ كثيرةٍ؛ الأمر الذي أثار غضب أنصار ثورة يوليو، فشنوا حملات هجومٍ و«تقطيع» ضد كاتبته التي حاولت إجراء مراجعاتٍ تاريخيةٍ لفترةٍ مهمةٍ في تاريخ مصر.

الحقيقة أنّ هذا العمل الدرامي فتح مجالاتٍ للسجال بين الفرق المناصرة والمعارضة لما طرحه من وجهات نظرٍ، فقرأنا حواراتٍ في الصحف، وشاهدنا مناظراتٍ في التليفزيون بعد اتهام هذا العمل التليفزيوني بـ«تلميع» الحقبة الملكية.

ما فعله مسلسل «الملك فاروق» والأجواء التي أحاطت بعرضه، تكرر مرةً ثانيةً مع مسلسل «الجماعة 2» للكاتب المصري والسيناريست الكبير وحيد حامد؛ والذي أثار غضب «الناصريين»؛ لأنه قال إنّ «الزعيم» جمال عبد الناصر كان «إخوانيًّا»، فضلًا عن هجوم حزب «الوفد»، أكبر الأحزاب المصرية على المسلسل؛ بسبب مشهد يقبل فيه الزعيم مصطفى النحاس (محمود الجندي في المسلسل) يد الملك فاروق، الأمر الذي يراه المسئولون في «بيت الأمة» إهانةً لإحدى القيادات التاريخية لحزبٍ، يصل عمره في الحياة الحزبية المصرية إلى 100 عامٍ.

هذه هي الدراما الناجحة؛ تثيرُ نقاشاتٍ وسجالاتٍ وتفجّرُ الجدل حولها، تُجري مراجعاتٍ لأفكارٍ وأحداثٍ أصبحت ثوابت في الحياة. الدراما إذا لم تحقق هذه الأمور تُصبح مجرد «تسليةٍ» وهو ما حققته بنجاحٍ منقطع النظير دراما موسم رمضان العام الماضي، لا يعني هذا أننا نطلبُ أن تكون كل الأعمال الدرامية «جادةً»، ولكن المطلوب ألا تغرق هذه الأعمال في «التسلية والهزل».

النقطة الأبرز في مسألة عودة محمد جلال عبد القوي للكتابة الدرامية، تتعلق بما يمكن وصفه بوجود تغييرٍ في مسار إحدى الشركات الإنتاجية المصرية التي سيطرت في السنوات الأخيرة على الإنتاج الدرامي؛ فقد ركزت هذه الشركة على عددٍ مُعينٍ من كتاب السيناريو؛ وطرحت عليهم ما يمكن تسميته بـ«الكتالوج» الخاص بكتابة أعمالٍ معينةٍ تخضع لشروطٍ محددةٍ؛ كان من نتيجة ذلك أن اختفى عددٌ كبيرٌ من كبار الكتاب، مع سيطرةٍ كاملةٍ لجيلٍ من الشباب، وتزايد لـ«ظاهرة ورش السيناريو».

هذا التغيُّر ألمحت له الشركة في بيانها الخاص بإعلان التعاقد مع محمد جلال عبد القوي، كاشفةً عن أنها «تهدف إلى عودة كبار صناع الدراما التليفزيونية الكبار والقدامى، والذين ابتعدوا عن الساحة الفنية، بسبب التخبط الذي شهده الوسط الفني على مدار السنوات الطويلة الماضية، والتي أبعدت كثيرين عن الساحة الفنية»، وفق بيان الشركة.

كما أنّ عودة «عبد القوي» ستكون سببًا في وجودِ منافسةٍ؛ فوفقًا لخريطةِ الأعمال الدرامية المعلنة حتى الآن فإنه لم يحدث تغيرٌ كبيرٌ في أسماء كتاب سيناريو دراما رمضان 2020؛ طاقم العام الماضي نفسه تقريبًا، والذي يضم أيضًا عبد الرحيم كمال، الكاتب الكبير الذي حقق نجاحًا في السنوات الأخيرة، وصاحب الأعمال الدرامية الشهيرة مثل: «الرحايا»، «شيخ العرب همام»، «الخواجة عبد القادر»، «ونوس»، «يونس ولد فضة»، «أهو ده اللى صار».

مع وجود «عبد القوي» و«عبد الرحيم» في الصورة حتى الآن، فإنّ تلك الصورة ستكتمل أيضًا إذا وجدت كاتبة السيناريو المصرية «مريم ناعوم» التي قدمت في السنوات الأخيرة أعمالًا جيدةً أغلبها مستوحى من رواياتٍ لكبار الكتاب المصريين مثل: «موجة حارة» المأخوذ عن رواية «منخفض الهند الموسمي» للكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة، و«بنت اسمها ذات» عن رواية لـ«صنع الله إبراهيم»، ثم «سجن النسا» المستوحى من مسرحية للكاتبة فتحية العسال، و«أبو عمر المصري» للروائي الكبير عز الدين شكري فشير، فضلًا عن أعمالٍ كُتبت مباشرةً للتليفزيون مثل «تحت السيطرة» الذي اهتّم بمناقشة قضية التعافي من الإدمان، و«بالشمع الأحمر»، وكذلك «زي الشمس».

11 عامًا قضاها «عبد القوي» بعيدًا عن المساركة في سباق الأعمال الدرامية، تلك الفترة الطويلة شهدت تغيراتٍ جذريةً فيما يتعلق بالتصوير والإخراج والإبهار في عناصر الصورة بالدراما التليفزيونية، ونتمنى أن يكون كاتبنا الكبير استعد جيدًا لهذه التغيُّرات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد