المظاهرات السلمية السودانية، والتي اندلعت يوم 19 ديسمبر (كانون الأول) عام 2018، في بعض المدن السودانية؛ بسبب ارتفاع الأسعار، وغلاء المعيشة، والتدهور التام على كل المستويات، هذه المظاهرات التي تبنت العديد من الشعارات «الشعب يريد إسقاط النظام»، قوبلت برد عنيف من السلطات، التي استعملت السلاح في تفريق المتظاهرين؛ مما أدى إلى سقوط العشرات من القتلى والمصابين، واستمرت هذه المظاهرات ضاربة بعرض الحائط كل وسائل القمع التي استخدمت معها، إلا أنها مع الوقت انكسرت حدتها شيئًا طفيفًا، خصوصًا بعد القرارات التي أقرتها الحكومة السودانية.

ولكن ومنذ ثلاثة أيام اندلعت شرارة المظاهرات مرة أخرى، وكأنها الطوفان يقتلع ما يجده غير مكترث بأي نتائج قد تحدث بسبب القمع، وضراوة المواجهات التي قد تحدث، والعواقب الكارثية بسبب ضخامة وشراسة المظاهرات هذه المرة، والتي أتوقع أنها لن تهدأ حتى الوصول إلى هدفها، وهو خلع الرئيس السوداني (عمر البشير)، إن إصرار الشعوب على المضي في مزاولة حقوقها هو أمر بديهي وشرعي، ولكن إصرار الرؤساء على الرفض وعدم الاستماع إلى إرادة الشعوب، بل قمع حقه في إثبات ذاته ومزاولة حريتيه، فأقل ما يقال إنه الغباء والغرور، الذي يلازم كرسي الحكم، بالذات إذا طال هذا الحكم لأكثر من 30 عامًا، فمتى سوف يكتفي الرؤساء من الحكم؟ أم أن الحكم بمثابة إدمان الجسم للسكر، لا يمكن أبدًا أن يشفى منه المرء مادام يجد السكر أمامه في كل وقت، فهل آن الأوان أن تفيق الشعوب الكادحة المظلومة؟ فهل آن الأوان أن تقنع الشعوب الرؤساء بأن إدمان السكر سوف يجعل نهايتهم سوداء وليست بيضاء؟ هل آن الأوان أن تغار الشعوب؟

فهل تغار الشعوب؟

فمنذ أيام قليلة نجح الشعب الجزائري في خلع الرئيس العجوز «عبد العزيز بوتفليقة» من على كرسي الحكم، بعد أن رفض الشعب جميع الإجراءات التي اتخذها الرئيس المخلوع والوعود بالاستقالة خلال عام، بل أيضًا رفضوا مقترحات الجيش الجزائري، الذي نادى بتفعيل المادة 102 من الدستور الجزائري، بحيث يمكث الرئيس لمدة عام تقريبًا حتى إجراء انتخابات رئاسية جديدة، ولكن صلابة الشعب الجزائري الحر وإصراره أبى أن يقبل بكل هذه الإجراءات، وخرج يومًا بعد يوم منددًا ورافضًا لكل ما يعارض رغباته وحقه الشرعي والدستوري في اختيار رئيس جديد، يمثل آماله وتطلعاته لبناء مستقبل جديد للجزائر، ولم يكتف الشعب الجزائري الأبي بخلع الرئيس، بل بعدم وجود حكومة تمثل حقبة الرئيس المخلوع، مطالبًا بضرورة وجود وجوه وطنية جديدة، وإنهاء أي رموز لها علاقة بحكم بوتفليقة تمامًا.

لقد ضرب الشعب الجزائري أروع مثال للاحتجاجات والمظاهرات السلمية، والتي خرجت بالملايين تطالب بكل عزة، وشموخ، واحترام، وكبرياء، بحقوقها الشرعية في اختيار أو عدم اختيار من يحكمها ويرعى مصالحها، ويمسك بزمام الأمور في البلاد، شباب وشيوخ، فتيان وفتيات ونساء خرجوا جميعهم يحملون في قلوبهم وعقولهم شيئًا واحدًا، هو وطنهم (الجزائر)، وليس غريبًا أبدًا على وطن المليون شهيد، بل هو فصل جديد يكتبه الشعب الجزائري في القرن الواحد والعشرين، يكمل به مسيرته الوطنية الشريفة، في العيش بحرية،وعزة، وكرامة، رافضين أي أشكال تخريبية تهدم هذا النضال الوطني، وتكون قدوة للشعوب العربية، بل لجميع شعوب العالم، ترسخ المفهوم الحقيقي للديمقراطية الحقة في التعبير عن الرأي والرأي الآخر، متمسكين بحرية وطنهم وعزتهم في بناء وطن جديد، مستقبل جديد، وجزائر جديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات