قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:

” تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ الله أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيّاً، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ سَكَتَ”.

 

يُوضح حديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم-توالي أنماط الحكم في الأمة الإسلامية: نبوة، فخلافة راشدة، ثم ملك جبري، وملك عضوض، ثم تعود خلافة على منهاج النبوة مرة أخرى. ويستند الكثيرون على هذا الحديث للتبشير بالخلافة القادمة.

الخطأ في تصور شكل الخلافة

ولكن يخطئ بعضهم -إن لم يكن معظمهم- في تصور شكل هذه الخلافة. بل يظن البعض أنها ستكون كحل سحري لكل المشاكل التي يُعاني منها العالم الإسلامي؛ فيتحسن الاقتصاد, وتنتهي المشاكل الاجتماعية والأخلاقية، ونتفوق ماديا وحضاريا على الغرب، وغير هذا الكثير من أحلام اليقظة التي تُداعب مُخيلات الكثيرين كبارًا وصغارًا, ممن يحلمون بعودة الخلافة.

تتوقف الحالة النفسية لأي شخص على مقدار ما يتوقعه، في مقابل ما يحدث على أرض الواقع. فإذا زاد ما يحدث في الواقع عما توقعه فسيسعد بذلك، أما حين يسوء الواقع عما تصوره فسيُحبطه هذا, بل وقد يزداد سخطه, حتى يصل للاكتئاب والانخلاع بالكلية مما يعتقده إذا كبر الفارق بين ما يتوقعه وبين ما يجده. الأمر لا يعتمد مطلقا على مدى اتساق ما يحدث في الواقع مع المقدمات له، بل يعتمد على مدى استعداد المرء وتوقعه لشيء مُعين حتى ولو كان مُخطئًا في توقعه هذا. لذا، فربما إذا أتت الخلافة على منهاج النبوة حقًا، وعاصرها أحد الداعين لتحققها، وكان قد وضع توقعات مخالفة للحقيقة أن يُصدم، بل وقد يُصدم بشدة لدرجة كفره بهذه الخلافة، بل وقد يُحاربها.

نرى ونسمع كل يوم ما يتوقعه أغلب الأفراد من هذه الخلافة من أمور عدة: كالرخاء والقوة والتمكين والسيطرة والفتوحات…إلخ. وحتى نتوقع ما يمكن أن يكون شكل هذه الخلافة على منهاج النبوة حقًا، دعونا نرى كيف كانت الخلافة الراشدة، فقد كانت هي الخلافة على منهاج النبوة الأولى، ويجب أن تُشابهها الخلافة الآخرة. لذا دعونا نُسلط الضوء على لحظات بعينها لنرى, هل كانت أمور ,كالقوة والاستقرار والتمكين أمرًا حقيقيا أو جوهريا مطردًا في الخلافة الراشدة، أم لا؟

فما الذي نعرفه عن الخلافة الراشدة والخلفاء؟

لن نتحدث هنا عن صورة طبق الأصل من فترة الخلافة، لكن سنُركز فقط على أحداث مُعينة.

  • أبو بكر الصديق: الخليفة الأول, والصاحب المُقدم على الجميع، كانت فترة خلافته القصيرة في غاية الأهمية في استمرار الأمة الإسلامية. لكن إذا نظرنا نظرة عامة لخلافته, ونحينا انحيازاتنا جانبا، فالوصف الأدق لها هو: تمرد على الدولة بعد موت قائدها وبانيها الأول –صلى الله عليه وسلم-، وانقسم هذا التمرد لحالات ارتداد, وحالات منع بعض حقوق الدولة كالزكاة. تلا ذلك “حرب أهلية” عنيفة قادها الخليفة، وانتهت بعودة السيطرة للدولة مرة أخرى، ثم الانطلاق للحرب الخارجية.
  • عُمر بن الخطاب: فتوحات شاسعة لبلدان كثيرة، وعلو عسكري غير مسبوق. وتخلل ذلك مجاعة رهيبة لم يسبق لها مثيل، ثم أول اغتيال لحاكم مسلم.
  • عثمان بن عفان: فترة طويلة من الاستقرار والفتوحات، تبعتها فتنة قاصمة, لا نزال نحيا في تبعاتها حتى اليوم.
  • علي بن أبي طالب: الانقسام الأول للدولة الإسلامية، وظهور الفرق المبتدعة -كالخوارج-لأول مرة.
  • الحسن بن علي: فترة حكم قصيرة تنتهي بتنازله عن الخلافة.
  • يحتسب المؤرخون فترة عبد الله بن الزبير وفترة عمر بن عبد العزيز من فترات الخلافة الراشدة، وإن لم تكونا لصيقتين بالفترة الراشدة.

المتأمل في الأحداث المذكورة سابقًا, سيجد تنوعًا عجيبًا, فكما سيرى علوا وهيمنة وقوة، سيرى اضطرابات مُخيفة، وحروبا أهلية طاحنة، واغتيالات وانقسامات. رغم كل هذه القلائل والأحداث الجسام في تلك الفترة إلا أن كل المسلمين مُجمعون على خيرية هذه الفترة، وعلى تفضيلها على سائر العصور، يدعم هذا نص الحديث الذي يتحدث عن “خلافة راشدة”, بالإضافة إلى العديد من الأحاديث التي تؤكد نفس المعنى.

ما هو يا ترى المعنى الخفي الذي يجمع كل هذه الفترة سويا, ويجعلها أفضل من غيرها, رغم كل المآسي التي حدثت في ذلك العصر؟ مما سبق فبالتأكيد,لم تكن خلافة راشدة بسبب الاستقرار ولا الغزو والفتوحات ولا العلو الحضاري والدنيوي…إلخ.

وبضدها تتميز الأشياء

لنعرف ما الذي ميّز الخلافة عن غيرها, يجب أن نُلقي نظرة على ما تلى تلك الفترة, من أنماط حكم ودول عُظمى وصُغرى, حكمت المسلمين, وتلقب حكامها بلقب الخلفاء, وإن لم يكونوا كذلك حقا.

بعد عصر الخلفاء الراشدين, أتت فترات الملك العاض, والملك الجبري, كما في الحديث، فرأينا الدولة الأموية ثم العباسية وما تخللهما من عشرات الدول والدويلات المتناثرة, كالإخشيدية والطولونية والفاطمية والبويهة والسلجوقية والأيوبية والمملوكية…إلخ. ثم تلى ذلك الدولة العثمانية. وتلقب الكثير من حُكام تلك الدول بلقب الخليفة أو أمير المؤمنين –بل وظل بعضهم يتلقب بهذا اللقب إلى اليوم كملك المغرب-، لكن أحدا لم يعتبرهم أبدًا امتدادًا لعصر الخلافة الراشدة. هذا على الرغم من أن بعض حكام تلك الدول كانوا صحابة وتابعين ومجاهدين وعلماء, ومنهم من ملك الدنيا, فكان أقوى حاكم في العالم في وقته, كعبد الملك بن مروان، ومنهم من استأنف الفتح بعد انقطاع واجتاح أوروبا, كالحكام العثمانيين في بداية دولتهم, ومنهم الكثير ممن قاموا بأعمال عظيمة حضارة ودينا. فيا تُرى ما الذي ميّز الأقدمين فصاروا في نظر الجميع خلفاء حقا، وجعل غيرهم ملوكًا؟

لا يعني هذا بالضرورة أن هؤلاء الحكام كانوا ظلمة، فقد قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أيضا:

“أول هذا الأمر نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكًا ورحمة، ثم يتكادمون عليها تكادم الحمير، فعليكم بالجهاد، وإن أفضل جهادكم الرباط، وإن أفضل رباطكم عسقلان”.

فنرى إمكانية وجود المُلك الرحيم، لكن يظل نفس السؤال يتكرر، ما الفارق الذي جعل هؤلاء خلفاء وجعل هؤلاء ملوكا وسلاطين؟ وبالتالي ما الذي سيحدث؟ فيجعل بعضهم يمتثل فيه قول رسول الله “ثم تكون خلافة على منهاج النبوة”؟

بم تميزت الخلافة؟

هل كان وجود العدل وحده هو الفارق؟ هل كان الحضور القوي للرعية كسلطة فوق سلطة الحاكم, تحاسبه على كل كبيرة وصغيرة؟ هل كان الفارق في الأخلاق العامة المُسيطرة على الجميع؟ هل كان الفارق إنصاف المظلوم ولو كان ضعيفا غريبا؟ هل كان السبب أخلاقي أم قانوني؟

ربما كان السبب هو سريان روح الإسلام بين الجميع، حكاما ومحكومين، ربما كانت بسبب مكانة الخليفة من الرعية المستمدة من الدين وحده, وكانت هيمنة الأمة على الحاكم ومحاسبته المستمدة من الدين أيضا. ربما كانت خلافة, لكون الدافع الوحيد لأي فعل هو الإسلام وحده.

فقد تعيش دولة في عصر حاكم مُعين اضطرابات لا مثيل لها, وحربا أهلية طاحنة يُقتل فيها خير الناس, كما حدث في عهد أبي بكر، وقد تحدث مجاعة لم يمُر مثلها، وقد تحدث فتنة، وقد تكون الدولة في رخاء وازدهار وغنى, لدرجة ألا يجد الرجل من يحتاج للصدقة, وتكون كل تلك الدول مُستحقة للقب الخلافة. فالحساب في النهاية على السعي نفسه، وقد تكون دولة في عصر حاكم هي أقوى دول الأرض وتكون ملعونة.

إن قسمنا الدولة إلى ثلاثة أقسام رئيسية: حاكم وحكومة، وأمة أو مُجتمع وأفراد, فيجب على الثلاث طبقات أن تتحلى بعدة شروط حتى ينطبق عليها وصف الخلافة. وبغياب أحد هذه العناصر لا خلافة.

الخليفة

الخليفة ابتداء, هو خليفة رسول الله في حكم الأمة، فأول شروط الخلافة أن يكون هدفها ومنطلقها ومُحركها الأساسي هو الإسلام وحده. تعادي وتصادق وتُهادن على الإسلام. ويكون الإسلام وحده هو مصدر تشريعاتها وضوابطها، فلا قوانين تعادي الإسلام مهما بدت المصلحة الدنيوية داعية لها.

المجتمع

ربما يكون من أهم ما يُميز الأمة الإسلامية في حال صحتها عن غيرها, هي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي إن غابت، غابت معها شروط خيرية الأمة. وهذه الشعيرة ليست فعلا فرديا, بل هي فعل مجتمعي كامل. ينطبق هذا الفعل على الجميع سواء كانوا حكاما أو محكومين، والأمثلة متعددة لتقويم الأمة للحكام عملًا بتلك الشعيرة.

النقطة الثانية, والتي تشترك فيها الدولة الإسلامية مع غيرها من الدول في حال صحتها هي التكافل، في الحزن والفرح والسراء والضراء.

الأفراد

هو أسهل وأوضح جزء، فقد جاءت أغلب أوامر ونواهي الإسلام موجهة للأفراد.

 

مقارنة الخليفة وأحد الملوك في الإسلام

قال أحد كبار التابعين بكر بن عبد الله المزني في بيان سبب فضل مكانة سيدنا أبي بكر: “ما فَضَلَ أبو بكر النَّاسَ بكثرة صلاةٍ ولا بكثرة صيامٍ، ولكن بشيءٍ وقر في قلبه”. ومن الجلي أن الجزاء في الإسلام ليس على النتيجة، بل على السعي في حد ذاته، كما قال ربنا: “إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى” سورة طه-وقال أيضًا: “وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الأَوْفَى” سورة النجم.

أما الملك العظيم فكان عبد الملك بن مروان، يختلف الكثيرون دينيا عليه, لكن قد لا يتخلف أحد على قدرته على توطيد أركان دولته, ونشر ربوعها لأقصى مساحات تصل لها الجيوش, وربما بمقياس الملك وحده كان هو أحسن من حكم من بني أمية.

عندما تولى أبي بكر الخلافة قال في خطبة بيعته “أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوى فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم”.

فنرى في خطبته معان كثيرة، فنرى اعترافه بأنه مجرد فرد من الأمة وليس بخير منهم، ونرى طلبه المعونة منهم, فهو يعرف أن الحكم لهم يولوه من ارتضوه ولا يولوه من رفضوا. ثم نرى مربط الفرس حين يقول “أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم” فالطاعة للحاكم في الخلافة مثلها مثل كل أمر آخر مرتبطة بالإسلام وحده.

ونستطيع أن نرى مثل هذا في سيرة الفاروق، حيث يشتد عليه بعض الرعية, حين يظنوه قد مال أو حين يسألونه عن قطعة قماش لم يعلموا مصدرها، بل نرى عمر يسأل بعض الصحابة عن فعلهم لو مال, فيرد عليه أحدهم “لو فعلت قومناك تقويم القدح”.

أما عبد الملك بن مروان فرغم كونه ملكا حازما فقد قال يوما: أيها الناس، ما أنا بالخليفة المستضعف -يريد عثمان بن عفان- ولا بالخليفة المداهن -يريد معاوية بن أبي سفيان- ولا بالخليفة المأفون -يريد يزيد بن معاوية- فمن قال برأسه كذا قلنا بسيفنا كذا”!

فتستطيع أن ترى عدم قبوله بفكرة المعارضة أصلا، كما استحل في عهده الكثير والكثير وانتشر الدم ليوحد ملكه ولو جانب الإسلام أحيانا.

ويوضح لنا حديث عمر بن الخطاب ما الفرق بين الخليفة والملك:

” عَنْ سَلْمَانَ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُ: أَمَلِكٌ أَنَا أَمْ خَلِيفَةٌ؟ فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنْ أَنْتَ جَبَيْتَ مِنْ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ دِرْهَمًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، ثُمَّ وَضَعْتَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ, فَأَنْتَ مَلِكٌ غَيْرُ خَلِيفَةٍ، فَاسْتَعْبَرَ عُمَرُ”.

خلافة على منهاج النبوة

لذا فلا يُهم أكانت الدولة الإسلامية أو الخلافة القادمة: قوية أم ضعيفة، مستقرة أم مضطربة، غنية أم فقيرة…إلخ. من كل هذه السمات الدنيوية التي تعتري أي دولة، لكن المهم فقط أن تتحلى بسمات الخلافة كما ذكرنا، فإن حدث فهي الخلافة، وإلا فلا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد