في كل عام ومع ذكرى ثورة يوليو أو ذكرى وفاة الزعيم سيئ الذكر، يبدأ الناصريون في مصر بإقامة الاحتفالات والندوات واللقاءات.

 

 

 

 

 

وتبدأ سلسلة من البكاء على الأطلال الثورية والروح التي بعثها الناصري الغائب في الأمة العربية, والثورات التحررية التي وقفت وراءها، والكرامة التي أعطاها الناصري المفقود للمواطن العربي والمصري، والإشادة بكل أعمال الثورة المجيدة، ولعن كل من لا يؤمن بالناصرية وكأنها الدين الخاتم!

 

 

 

 

وكأنها الرسول الذي نزل من رحم السماء لكي ينشر العدل والحرية المفقودة فوق ربوع الأرض.

 

 

 

 

وصل الأمر إلى أن خرج واحد ممن أصابته اللوثه الناصرية وادعى أن عبد الناصر لم يمت وأنه يعيش في مكان ما في العالم, منتظرا الخروج ليكون مهدي آخر الزمان, وقرأت مقالًا لواحد من كبار الأدباء الناصريين يتخيل فيه أحوال العالم لو كان الناصري الغائب ما زال حيًّا.

 

 

 

 

 

 

ومن المفارقات العجيبة أن هذه الحملة الإعلامية التي يقوم بها أصحاب الديانة الناصرية، تستغل في إظهار سلبيات من تولي أمر الناس بعد وفاة الناصري، وكأن العصر الناصري كان جنة الله على الأرض وما بعده هو الجحيم.

 

 

 

 

 

 

 

 

ما زلت أتساءل ماذا أعطت الناصرية للأمة الجريحة غير زيادة جروحها وآلامها؟

 

 

 

 

 

 

 

وماذا في كتب الديانة الناصرية كان أعجوبة زمانه, ماذا في الميثاق وغيره, غير لوثات رجل أصابه جنون العظمة, ونسي الدنيا والدين وظن نفسه أنه إله يعبد من دون الله.

 

 

 

 

 

 

 

 

إن ما أصاب العرب ومصر من الهزيمة والانكسار في الفترة الناصرية لم ولن تستطيع أمة لم تفقد عقلها أن تنساه.

 

 

 

 

 

 

إن من ينتظر عودة الناصري الغائب كمن يشتري السجن بالحرية, ويشتري الكرامة بالمذلة.

 

 

 

 

 

 

 

 

لقد خرج الناصر الغائب مخاطبًا الأمة المصرية العريقة قائلاً (أنا الذي علمتكم معني الكرامة) وفي خطاب آخر يقول (الحرية أن تأكل وتنام في بيتك) ونسي أن شعب مصر لم ينتظر بعثة نبي الناصرية لكي يتعلم منه الكرامة, وعن أي كرامة يتكلم؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الكرامة التي ديست في التراب في حرب يونيو. الكرامة التي لمسناها في خطة الانسحاب المخزي للجيش المصري من على أرض سيناء.

 

 

 

 

 

 

 

أم من الطائرات التي ضُربت على الأرض, وضربت ممراتها بالقنابل, لتكشف واحدة من أكبر صفقات الفساد في مصر.

 

 

 

 

 

 

 

إني لأتعجب من يطالب بعودة الناصري الغائب وقوانينه الجائرة.

 

 

 

 

 

 

 

هل يطالب البشر الأسوياء، في زمان تنتشر الحرية في العالم كله؛ بالقيود وبالرقابة على كل نشاط إنساني؟

 

 

 

 

 

 

 

هل شهدت فترة الناصري الغائب إلا الرقابة على الصحف وعلى الإبداع الفكري في كل نشاطاته, كم من قلم قصف, وكم من مبدع ألقي في السجن سنوات, وكم كتاب منع, وكان مقص الرقيب هو الحاكم الفعلي في كل النشاط الثقافي والفكري في البلاد. هل نأتي بعد كل ذلك نطالب بعودة الفكر الناصري إلى الحكم؟

 

 

 

 

 

 

 

 

هل من المعقول والعالم كله يتحرر من سيطرة العسكريين على مقاليد الحكم, نعود نحن وننادي بها؟

 

 

 

 

 

لقد ابتدع النظام الناصري بدعة ما زلنا نعيش في مآسيها, فكيف يتولى إدارة المصانع والشركات والمحافظين ورؤساء الأحياء والمدن أشخاصٌ ليس لديهم أي خبرة في العمل المدني ولا يوجد ما يميزهم غير انتمائهم إلى المؤسسة العسكرية؟

 

 

 

 

 

 

إن تحويل مصر إلى بلد يحكمها العسكر كان أهم مساوئ الناصري الغائب.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ما الفائدة أن أرفع راية الكرامة، وأندد بأني سألقي بإسرائيل في البحر ومن وراء إسرائيل، ثم أكون أول عربي يعترف بدولة إسرائيل في مبادرة روجرز؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إن من يطالب بعودة الناصري الغائب لهو شخص أخذته العزة بالإثم فذلك حسبه أن يؤدي بهذا البلد إلى الهزيمة والانكسار أكثر من ما هو فيه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لست أعرف ما في التجربة الناصرية من نجاحات غير تحويل مصر من بلد زراعي إلى بلد صناعي. وأدى إلى صدور قوانين الملكية الزراعية, وما أعقبه من تفتيت للملكيات الزراعية لنحصد بعد مرور جيل أو أكثر وجود فلاح لا يملك إلا فدانًا أو أقل، فتدهورت زراعته وأصبحت الزراعة مهنة لا صاحب لها لأنها لا تدر دخلا، مما جعل مصر سلة الغذاء في العالم تتسول طعامها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إن الناصرية تسلمت حكم مصر وعملة مصر غطاؤها الذهب، والجنيه يساوي ربع دولار، فكان بيع ذهب مصر وشراء الدولار لكي يكون غطاء للعملة المصرية ويرتبط الجنيه بالدولار.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وقد يقول قائل كان بيع الذهب للاستفادة من الفرق في تمويل مشروعات وحروب مثل حرب اليمن، فكان خطأ أن أعالج أزمة سيولة مالية مؤقتة بتدمير العملة المحلية، خاصة وإن الجميع يعرف أنها صرفت في حروب وتمويل حروب لم تكن لنا فيها ناقة ولا جمل، غير حب الزعامة والوقوف أمام القوى الاستعمارية القديمة لتحل محلها أقطاب استعمارية جديدة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إن الكلام يطول عن شرح ما فعلته الناصرية في حكمها، ولكني أتعجب من الناصريين الآن وهم يطالبون بتداول السلطة, رغم إن الحقبة الناصرية ما عرفت ذلك وظل الرئيس الملهم رئيسًا مدى الحياة وما غيروا الدستور, ويطالبون بتفعيل الأحزاب والناصرية ما عرفت إلا الحزب الواحد والفكر الواحد.

 

 

 

 

 

 

 

 

والاتحاد الاشتراكي ظل لا يدخله إلا مَن كان مِن حزب الرئيس، وما عدا ذلك من أي فكر ديني أو شيوعي هو عدو الثورة، وفتحت السجون على مصراعيها لكل صاحب فكر, وحكمت البلاد عصابة سميت بمراكز القوى تحكمت في مصير البلاد والعباد، وشردت وسجنت واستباحت كل محارم الأموال والأعراض, ودعونا نتساءل أين كان نبي الناصرية؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أرجو أن لا تكون الإجابة أنه لم يكن يعرف ماذا يحدث، وبطانة السوء هي التي كانت تفعل ذلك. هي إجابة أبله أصر على أن يضع رأسه في التراب.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هي كلمة أقولها وموعدنا يوم القيامة يوم الفصل, من يريد أن يدعو إلى فكر أو إلى حقبة تاريخية يجب أن تكون هذه الحقبة أو الفكر قد أدى بأمته إلى الرخاء والعزة, أما الفكر الذي أدى إلى احتلال خمس دول عربية في ثلاث ساعات وضاعت معه درة المدائن القدس, فهذا يجب أن يقوم أصحابه بمراجعة شاملة للفكر وللنظر في أدبيات الناصرية المستقبلية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أم من ينتظر عودة الناصري الغائب بدون إعادة النظر في سلبيات الناصرية، فهذا يجب أن يبحث لنفسه عن قبر، وسأكون في انتظار الصلاة عليه لتشييعه إلى مثواه الأخير.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد