تعتبر تجربة تونس في مجال الانتقال الديمقراطي من التجارب الرائدة، مقارنة بما حصل في المنطقة، إلا أن هذه التجربة تعيش منذ اندلاع الثورة على وقع هزات متتالية.

آخر هذه الهزات هي ما تعرفه تونس في الأسابيع الأخيرة من عودة لخطاب الكراهية والاستئصال الذي يهدف لإقصاء الإسلاميين من السلطة، ولعل آخرها تصريح رئيس حزب الأصالة والانفتاح الذي وعد بإعدام أعضاء النهضة فور وصوله إلى الحكم، حيث عادت الأجواء في الساحة السياسية إلى وضع يقترب إلى ما كانت عليه في صيف 2013 إثر الاغتيالات السياسية حينما انقسم الشارع بين أنصار حكومة الترويكا بقيادة النهضة، وأنصار المعارضة بقيادة نداء تونس.

تمثل الإبداع الذي جنب تونس مأساة حرب أهلية حينها في التوافق الذي مهد لإجراء الانتخابات، والذي انطلق بحوار وطني شارك فيه مختلف الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين، ثم تعمق بإرادة ومخطط قيادة النهضة والنداء التي تجسمت في لقاء الشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة والباجي قائد السبسي رئيس حزب نداء تونس حينها، والذي اصطلح عليه لاحقًا بتوافق الشيخين.

ساهم توافق الشيخين في تجاوز البلاد الاستقطاب الأيديولوجي ومكنها من تحقيق استقرار سياسي واجتماعي لأكثر من ثلاث سنوات.

لم يكن هذا التوافق بالتوازن ولا الصلابة التي تجعل منه قادرًا على الصمود أكثر، رغم التنازلات التي قدمتها النهضة طيلة سنتين، انطلاقًا من تزكية خيار نداء تونس في تغيير السيد الحبيب الصيد رئيس الحكومة مرورًا بالموافقة على قانون المصالحة الإدارية والمالية وما تعلق به من شبهة حماية الفاسدين وصولًا إلى تزكية مرشح نداء تونس في الانتخابات التشريعية الجزئية بألمانيا، لتأتي أول محطة يقرر فيها حزب النهضة دعم الاستقرار الحكومي ومخالفة توجه الباجي قائد السبسي المطالب بتغيير الحكومة ورئيسها ليعصف بهذا التوافق.

في الفترة التي سبقت انتهاء التوافق خفتت أصوات عرفت بخطابها الإقصائي، كما هو حال هذا التوافق بين تونس ومخططات الفتنة الخارجية، إلا أنه ومع بداية الأزمة عادت هذه الظواهر الاستئصالية حتى تتمعش من حالة التنافس السياسي من جديد.

الدستور الجديد حسم الصراع الأيديولوجي

الاحتفال بالدستور الجديد

حسم دستور البلاد ي صادق عليه المجلس الوطني التأسيسي في 27 يناير 2014 أغلب المعارك الأيديولوجية، حيث بين هوية الدولة باعتبارها دولة مدنية العربية لغتها والإسلام دينها، وكفل في إطارها الحريات العامة والشخصية، وقد لقي هذا الدستور، الذي تعتبر حركة النهضة الطرف الأبرز في صياغته، ترحاب مختلف الفرقاء من اليمين إلى اليسار، واعتبر حينها دستورًا تقدميًا.

اعتبر جزءً من السياسيين، إثر المصادقة على الدستور، أن الصراع الأيديولوجي مع حركة النهضة قد انتهى على غرار رئيس حزب مشروع تونس محسن مرزوق، إلا أن أقلية من النخبة الثقافية والسياسية التغريبية، الذين كانوا معاول هدم لهوية تونس وحضارتها زمن الاستبداد، وبعض النخب التي خاضت معركة الاستقطاب الهوياتية قبل انتخابات 2014 لم تتعظ من دروس الماضي، حينما استعملت في تنافس سياسي ضد النهضة وتورطت في لعب أدوار لا ديمقراطية ضدها، ثم وجدت نفسها خارج حسابات من استعملها، وخارج سياق البلاد.

استنجد رئيس الجمهورية وحزبه مؤخرًا بهذه النخب الاستئصالية في معركة المساواة في الإرث لتلعب نفس الدور وتعتمد نفس الأدوات وتكرر نفس الخطاب المملوء حقدًا وكراهية، دون أن تكلف نفسها عناء مراجعة ممارساتها القديمة وتقييم مآلاته. مثلت حادثة الجمعية القرآنية وما تبعها من نقاش حول القانون المنظم لرياض الأطفال فرصة جديدة ليتبين حجم حقد النخبة التغريبية على الهوية العربية والإسلامية من خلال رفضها إدراج مصطلح تأصيلها في هويتهم العربية والإسلامية في نص القانون واقتراح تعديله بهويتهم الوطنية.

من المفارقات أن هذه النخب تجد دعمًا متواصل من الدولة، حيث يتم تعيينها في مناصب حساسة في الدولة كما تخصص لها منابر إعلامية في مختلف المؤسسات العمومية والخاصة.

الإعلام المؤدلج حاضنة لخطاب الاستئصال

ليس من السهل على إعلام نشأ في محاضن الاستبداد وارتزق من عطاياه، أن يهضم بسرعة مقولات الحرية والكرامة والديمقراطية.

الصراع بين الجزء الأكبر من الإعلاميين وقيم الثورة كان عنيفًا منذ البداية، فعرفت فترة ما بعد الثورة تشكل حزام من الإعلاميين الذين استماتوا بكل ما أوتوا من قوة في التصدي لكل محاولات الانتقال بالبلاد إلى الحرية و الكرامة وتشويه الثورة وكل ما جاءت به من جديد.

فشلت قوى الثورة في إبراز إعلاميين مؤمنين بالحرية والديمقراطية وقادرين على تسويق منجزات الثورة ومكاسبها؛ مما تسبب في تمادي أعداء الثورة في بخس ما حققته واستعداء العاملين لأجلها بأسلوب مليء بمعاني الحقد والاستئصال.

إثر انتخابات 2014 وبصعود الباجي للرئاسة وانتصار النداء في التشريعية انتشت قوى الثورة المضادة من الإعلاميين بهذا الانتصار، واستبشروا باقتراب انتهاء حركة النهضة كما بشر بذلك قيادات من نداء تونس، لينخفض سقف الاستئصال عندهم نظرًا لعلو سقف ثقتهم في رئيس الجمهورية وحزبه، الذي وعدهم بتحقيق أمانيهم في إخراج النهضة من البلاد كما يخرج الخاتم من إصبعه.

خلال هذه الفترة حاولت قوى الثورة والنهضة أساسًا ترويض بعض الوجوه الإعلامية والأقلام المؤثرة في مختلف وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة كما تفوقت في فرض معادلتها السياسية لينقلب السحر على الساحر، مآلات المشهد السياسي في تونس لم تعجب أعداء النهضة، كما خفض الاستقرار في الساحة السياسية من منسوب متابعة بعض البرامج التي تعتمد الاستعراض؛ مما أثر على قيمة الاستشهار التي تتلقاه، فعادت حليمة إلى عادتها القديمة، وعاد التشنج إلى خطاب جزء من الإعلاميين الذين لم يتعظوا من الماضي القريب، عادوا ومحركهم أساسي هو ما يحملونه من جينات الحقد الأيديولوجي وبعض ما يحصلون عليه من جرحى المشهد الجديد.

قوى الشر الخارجي مراهنة مستمرة على إفشال التجربة

راهنت بعض القوى الخارجية، ومنذ انطلاق شرارة الثورة في تونس على وأد التجربة خوفًا من انتشارها في المنطقة بالعودة لما تأسست عليه من قيم تهدد وجود هذه الأنظمة الاستبدادية الجاثمة على صدور شعوبها، على غرار قيم الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، ضخت في تونس أموالًا ضخمة لتحقيق ذلك وعملت مراكز دراسات هذه الدول بحثًا في سبيل إفشال التجربة التونسية واستئصال حركة النهضة من الحياة السياسية.

راهنت هذه الأطراف المناوئة للثورة، بغاية تحقيق مرادها على أحزاب سياسية وشخصيات إعلامية وجمعيات ومثقفين ووظفت التطرف بمختلف أنواعه، إلا أن مخططاتها انكسرت أمام توق التونسيين للحرية ورفض جزء كبير من الفاعلين وعلى رأسهم الرئيس الباجي قائد السبسي الانخراط في هذه المخططات الانقلابية.

إثر الخلاف الذي حصل بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وانتهاء التوافق بين الشيخين، دفع الرئيس إلى محاولة اللعب على هذا الوتر تهديدًا للنهضة، وتوظيفها للمعطى الخارجي في المعركة الداخلية من خلال جملة من التحركات الدبلوماسية والتصريحات الإعلامية.

هذا التوجه الجديد من قبل السبسي أعاد تركيز القوى الخارجية المضادة للثورة على تونس وأعاد خططها ومؤامراتها على تجربة الانتقال الديمقراطي فيها.

الخطاب الاستئصالي أداة للتنافس الانتخابي

تشابك بالأيدي بين نواب الشعب

تعتبر التجربة الديمقراطية في تونس بمرحلة النشأة، وإن ناضل جزء من التونسيين من أجل قيم الحرية ومبادئ الديمقراطية، فإن التجربة العملية تعوز أغلبهم، حيث يصرح عدد كبير منهم بانتسابه للديمقراطية والديمقراطية منه براء.

بالإضافة إلى التجربة العملية يعتبر الانغلاق الأيديولوجي أحد أسباب الالتجاء إلى الخطاب الاستئصالي، حيث ينتج عنه حقد عن الآخر المختلف ورفض لوجوده واستعداد استئصاله، وهو حال بعض بقايا النظام السابق وبعض التيارات اليسارية وحتى جزء من قواعد حركة النهضة التي لم تستوعب سياسة حزبهم بعد.

اعتمد حزب نداء تونس خلال انتخابات 2014 خطابًا استئصاليًا ضد حركة النهضة لتجميع أكثر عدد ممكن من الأنصار، ونجح من خلال اعتماد هذا الأسلوب في الفوز بالمركز الأول.

نفس هذا الأسلوب تعتمده الآن بعض الأحزاب السياسية المعارضة التي تبحث من خلال بناء تصوراتها على أساس الضدية مع النهضة إلى تحقيق نتائج في الانتخابات، فمنها من يهددها بالعودة إلى السجون، ومنها من يدعو قيادتها إلى تقديم أنفسهم للمحاكم.

هذا الاسلوب لم يتوقف عند منتسبي المعارضة بل تعداها إلى قيادات حركة تحيا تونس المحسوبة على رئيس الحكومة المدعوم من قبل النهضة والذين اعتمدوا نفس خطاب التخويف من حركة النهضة والتبشير باستئصاله حيث بشرت النائبة هدى سليم أنصارها بأن حركة تحيا تونس سترجع حركة النهضة إلى حجمها الأصلي الصغير جدًا.

ساهم هذا الخطاب في نفور جزء كبير من الشعب وخاصة من الشباب منهم عن الشأن العام وفي عزوفهم عن المشاركة في الانتخابات، في المقابل ساهم أيضًا في صعود الأحزاب المتبنية لخطاب الاستئصال في نوايا التصويت حيث كشفت عملية سبر آراء مؤخرًا عن صعود الحزب الدستوري الحر الذي يمتاز خطاب زعيمتهم باستهداف النهضة والتي وعدت بحلها في حال وصولها للحكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد