قد تبدو كلماتي مجنونة المضمون، غير مقدرة لواقع المعنيين بها، ومتجاهلة لحجم التضحيات التي بذلوها في سبيل تغيير شكل حياتهم! لكنني أرجو من خلالها نسج دعوة للتأمل الموضوعي لواقع الحال واستشراف المستقبل بما قد يحمل من أحداث سيكون الخروج من تبعاتها صعب المنال.

ما يعيشه العالم من أحداث ليس غريبًا عن مشاهد التاريخ. رجل عنصري يقود أكبر قوة في العالم، تفرض رأيها بالقوة، ويجاهر رأسها بعداء معلن للغير. أوروبا الجار العربي الذي نتشاطر معه تاريخًا مشتركًا من الصراع والتعايش تعرف تناميًا مخيفًا لليمين المتطرف، تمامًا كما حدث قبل الحرب العالمية الثانية، يمين بات خطابه أقرب لقلوب الغالبية من أهل شعوبه وصار سادة خطابه يسكنون قصور الحكم. عدوهم الأول هذه المرة هو العرب والمسلمون، الذين أغرق ديارهم الظلم الإجتماعي ففروا بحثًا عن الكرامة في بلاد غيرهم، وانضم إليهم من أغرقت بلادهم بالسلاح فاجتاحتها سيول الدماء، وأقفلت الأبواب العربية جلها بكل نذالة أمام أهلها فلم يجدوا غير الشمال وجهة عله أكثر رحمة.

أجيال ترعرعت في ديار الأوروبيين ولم تتأقلم لليوم مع طبيعة الهوية المحلية حتى باتت تشكل كتلة هجينة ترفع درجات الخوف على مستقبل مجتمعاتها. أوروبا الفخورة بهويتها التاريخية بكل ما تحمل من موروث مسيحي الأصول بالأساس، لم تتمكن من تنزيل رؤيتها الإدماجية على الأرض مع أبنائها من نسل المسلمين، حتى صار كثيرون من مفكريها يجزمون بعدم قابلية الإسلام للاندماج مع الآخرين.

أين تمضي الأمور في ظل هذا الواقع المسكوت عنه؟ والأهم ما الحل للخروج من حتمية اصطدام مستقبلي باتت بوادره ظاهرة للعيان! الأمور في شكلها الحالي تمضي نحو صراعات أكيدة ستؤججها الحسابات السياسية. الاتحاد الأوروبي يعيش منذ شهور تمرد بلدان بعينها، تقودها حكومات شديدة العنصرية. أولها المجر، التي يبدو أنها لازالت تعيش حقد حروبها مع الإمبراطورية العثمانية لليوم. ومعها دول كبولونيا المتناقضة مع تدين أهلها، وسلوفاكيا والتشيك اللذان توحدا مجددًا على العداء للأجانب. واكتملت التشكيلة ببلوغ الصبي العنصري رأس سلطة النمسا التي تتولى رئاسة الاتحاد قبل أيام. ما يقوي هذه الجبهة العنصرية اليوم أكثر من أي وقت مضى أن موجتها بلغت أحد الدول المركزية في الاتحاد وهي إيطاليا. تغيير على رأس أهم ثالث قوة في مجموعة الأورو كانت أول نتائجه قرارًا إيطاليًا برفض استقبال المزيد من اللاجئين على أراضيها لتخلق أزمة حقيقية في إدارة الاتحاد بأكمله لازمة اللجوء. خطورة الحالة الإيطالية لا تكمن فقط في تقويتها لجهة اليمين الأوروبي المتواجدة بالاتحاد، بل تتجاوزها لزعزعة استقرار حكومات التحالفات، بالخصوص في ألمانيا حيث باتت استمرارية التحالف الحكومي مرهونة بخضوع ميركل لشروط اليمين المتعلقة بسياسات الهجرة.

ما لا يمكن أن ندعي عدم رؤيته، هو أن العالم اليوم يتجه نحو تطرف الخطاب. ورغم أن الوضع عمومًا بما فيه العربي يجعل الحقبة هذه من المنظور السياسي حقبة أقرب للظلام من النور، فالحل الأسلم لتجاوز صراع عالمي سيكون المسلمون والعرب ضحيته الاولى، هو المراهنة على تغيير الأراضي التي نملك حق سيادتها التاريخي. عودة كل المهاجرين نحو ديارهم الأصل قد تكون للأسف الحل الواقعي لتجاوز ما وقع في الحرب العالمية الثانية ضد اليهود، الذين أدركوا أن حماية مستقبلهم لا تنال، إلا ببناء وطن قوي ولو باغتصاب أراضي الضعاف. نحن على الأقلّ نملك أراضينا الشاسعة ولا ينقصنا غير القليل من الإرادة والنضال لتملك السيادة الحقيقية عليها التي تمنحنا إمكانية صناعة قوتها المستقبلية.

لنعد إلى ديارنا التي تشبه قلوبنا. لنعد بنية الكفاح من أجل الإصلاح، لنعد بإرادة الانعتاق من إرادة الغير الذين يريدون رؤيتنا دائمًا في مؤخرة الأمم. لنعد بعزيمة البناء التي ترمي بالسلاح في وجوه صناع الدمار وترفع التعايش شعارًا. لنعد إلى المنطلق الوحيد الممكن لفرض احترام الغير لنا وهدم نظريته التي تجعلنا مصدر كل الشرور وتضعه هو في خانة البريء المدافع عن قيم التحضر والرقي الإنساني. لنعد قبل أن تغطي دماء العرب بلاد الغير بعد أن ملأت الكثير من بلادهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد