عاودني وأنا أستمع إلى خطاب «ليوناردو ديكابريو» في الأوسكار، خطاب جون كيري في مؤتمر دافوس، لم يكن الجامع بين الخطابين كونهما من الرزانة والفصاحة وحسن الترسل بمكان فحسب، بل لأن لهما أهمية تاريخية، فقد جاء أولهما بعد رحلة جادة وطويلة للظفر بالأوسكار الذي حازه صاحبه عن دوره في فيلم «The Revenant»، أما الآخر فجاء بعد رحلة دبلوماسية جادة حاز فيها صاحبه مفاتيح القنبلة النووية الإيرانية فوأدها إلى الأبد.

غير أن بين الخطابين صلة كامنة سرعان ما تظهر متى فهمنا النمط الجامع لهما والواصل بين طرفيهما، أعني نمط التاريخ وتحولاته، وما الذي آل إليه العصر الحديث من تطورات في المجتمع والإنسان والطبيعة، لقد انساب خطاب الأوسكار برشاقة من الحديث عن الفيلم إلى الحديث عن التغير المناخي «الذي يحصل الآن»، وكان الجسر الواصل بين الفيلم وهذا الموضوع هو أن الفيلم يتحدث عن «علاقة الإنسان بالطبيعة»، كذلك انساب خطاب كيري الحصيف الذي امتد ساعة كاملة من الحديث عن الحرب على الإرهاب إلى صياغة فلسفية لمعنى هذه الحرب وماهيتها: «إن الصراع لم يعد بين حضارة وحضارة، بل إن الصراع هو بين الحضارة والبربرية (التوحش)».

إن العلاقة بين الإنسان والطبيعة، والصراع بين الحضارة والتوحش، هما أساس النظرية التي أسس لها ابن خلدون في المقدمة، نظرية تصف النمط الذي به يتحرك التاريخ، فالطبيعة في نوع تأثيرها على الإنسان تحدد مقدار توحشه، والحضارة بدورها هي تطور اجتماعي به ينتقل الإنسان من التوحش إلى التمدن «التأنس»، وما التاريخ إلى ذلك الصراع الذي لا يتوقف بين التوحش والتمدن، والذي يديم هذا الصراع هو بقاء المجتمعين منفصلين معزولاً أحدهما عن الآخر، أي أن تبقى الحضارة في معزل عن البداوة بحكم الطبيعة والجغرافيا بالأساس، لذا نجد ابن خلدون يقدم لنا في بداية نظريته وصفـًا جغرافيًا ومناخيًا تفصيليًا.

هكذا وصف ابن خلدون المسألة ببساطة، وهو الوصف الذي متى جعلناه مرجعًا لنا في فهم ما حصل بعده من تحولات خصوصًا تلك التي حصلت في القرن التاسع عشر، فسيلفتنا إلى خطورة هذه التحولات وإلى محلنا منها.

وإن أردنا أن نلخص التحول الذي حصل في القرن التاسع عشر فلا أنسب من شخصية هيو غلاس «العائد» معبرًا عنه وملخصًا له، وكأنه «إن استخدمنا مصطلحات علماء التطور» حلقة الوصل بين الإنسان ما قبل الحديث والإنسان الحديث. لقد شهد القرن التاسع عشر نشوء حواضر زاخرة بالثروة في العالم الجديد بعد مكتشفات الذهب في كاليفورنيا وأستراليا وشهد كذلك تقدمًا هائلاً في وسائل المواصلات باختراع السكة الحديد والسفينة البخارية، كان هذان التطوران من أهم التطورات التي أدت إلى أكبر موجة هجرات في التاريخ البشري، كان هيو غلاس ممن حملته هذه الموجة إلى العالم الجديد بعد ظروف عيش قاسية نائية في إيرلندا أورثته تلك القوة الجسدية الهائلة التي جعلته ينجو من صراعه مع دب مزقه إربًا، كانت هذه الهجرات بداية انحسار أثر الجغرافيا أمام أثر الاقتصاد، وقد كان غلاس في طليعة أولئك الذين انتقلوا بعدها من حواضر العالم الجديد في الشرق الأمريكي إلى الغرب المتوحش الذي لم يكتشف بعد وقتها، مستكملاً مهمة ذلك القرن في توسيع هيمنة الاقتصاد على الجغرافيا.

إن ذلك العصر كان بمثابة الهجمة الشاملة للحضارة متجلية بالاقتصاد كمحرك أساسي، على البداوة أو التوحش الذي كانت الطبيعة أساسًا له، معنى هذا أنه كان على العالم الجديد أن يعيد اكتشاف العالم القديم، محمولاً على سكة الحديد والسفينة البخارية، عملية تمدين شاملة، تكسر العزلة بين مجتمعي البداوة والحضارة، ويتحول بها الإنسان أيضًا إلى صورة أخرى حيث تهندس نوازعه التي أملتها عليه الطبيعة «الانتقام، طلب المجد والسؤدد، العصبية»، إلى نوازع جديدة تتماشى مع العالم الرأسمالي الليبرالي الجديد «حب المنفعة، وطلب الثروة أو ما سماه ابن خلدون (أخلاق التجارة)».

إننا نقرأ في تاريخ العرب قصة امرئ القيس وعمرو بن كلثوم والحارث بن عباد والمهلهل، وكيف أن كل واحد منهم كان سببًا في حروب طويلة انتقامًا لمقتل أب أو ابن أو أخ  ليكونوا مثالاً قويًا على النوازع التي للطبيعة فيها دور أساسي.

إن غلاس يمثل في نظرنا نموذجًا غريبًا بهذا الاعتبار، فإن كان على امرئ القيس أن يذهب في رحلة طويلة طلبًا بدم أبيه فلم يثنه عن ذلك إلا تقرح جسده وتساقط لحمه ثم موته، وكان على الحارث بن عباد أن يثخن في بني تغلب حتى كلمته فيهم الأرض طلبًا بدم ابنه بجير؛ فإن غلاس وقد عاد زاحفـًا مثخنًا بجراحه لأيام طويلة في إصرار عجيب على الانتقام من رفاقه الذين قتلوا ابنه وتركوه للموت في العراء ينتهي على نحو غريب من رحلته بعد أن ظفر بهما بأن يعفو عنهما، والأغرب من ذلك أن دافعه إلى العفو لم يكن مكرمة وفضلاً  بقدر ما هو لتغير في طبيعته ونوازعه، فإن التاريخ يروي لنا أنه كف عن غريمه فيتزجيرالد لأن غريمه هذا التحق بالجيش، وقد كانت السلطات تعاقب وقتها من يقتل جنديًا نظاميًا، فاكتفى منه بأن استعاد بندقيته راضيًا.

إن هذه النهاية الغريبة لرحلة غلاس العائد من الموت مدفوعًا بالانتقام انتهت نهاية غريبة تناسب في نظرنا طبيعة التحول الذي حصل في نوازعه، فكأنما تصارع حب الانتقام عنده مع طلب السلامة والمنفعة فغلبته الأخيرة.

إن هذا التناقض في شخصية غلاس والذي حاولنا أن نفك لغزه بفهمنا له كونه حلقة الوصل والسلف القريب للإنسان الحديث وعلامة على التحول، لم يكن مفهومًا من ناحية درامية، ولذلك اختار الفيلم أن يحور القصة قليلاً بأن يجعل غلاس يسلم غريمه عبر النهر للقبائل الهندية المتوحشة فتقتله وتسلخ فروة رأسه.

يبقى أن لهذه النهاية التي اختارها الفيلم خاتمة لرحلة غلاس معنى رمزيًّا له دلالة على طبيعة المعركة التي وصفها كيري في خطابه، الذي جاء في إطار التبشير بعصر جديد يعاد فيه اكتشاف العالم مرة أخرى من خلال الثورة في أنظمة الاتصال والأجهزة الذكية،  فالصراع بين الحضارة والبربرية ما يزال قائمًا وهو يأخذ هذه الصورة، صورة فيتزجيرالد منسابًا مع تيار النهر إلى حتفه، صورة شعوب المنطقة منسابة مع تيار الثورة إلى حتفها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد