في العام 2015 صَوَرَ المخرج إليخاندرو إيناريتو في فيلمه العائد من الموت ملحمة تاريخية بطولية توثق توحش الأوروبيين البيض في إحدى الغابات الأمريكية عام 1823، وأنانيتهم المُفرطة في قتل السكان الأصليين في المستعمرات الأمريكية، وحتى رفاقهم من بنو جلدتهم وتقديسهم المال على حساب النكث بالعهود والرحمة بالإنسان. في هذا الفيلم تتكون صورة متوحشة ومرعبة عن الاضطهاد والصراع من أجل البقاء في ظروف لا تَمت للإنسانية بِصِلة، يُعاني من خلالها السُكان الأصليين التوحش الأوروبي باستيطان أراضيهم ونهب مواردهم والاعتداء على خصوصيتهم.

تدور قصة هذا الفيلم بالمُجمل حول معاناة وآلام صائد فراء الحيوانات المستوطن غلاس، والذي واجه قسوة الطبيعة أثناء هجوم دُب عليه وتمزيقه في ظِل الشتاء القارص. وبعد قِتال شرس بين الدب وغلاس يقوم الأخير بقتله. لم تنتهِ معاناة غلاس بعد؛ إذْ يُفاجئ بغدر وأنانية رفاقه الصيادين بعدما قرروا تركه في العراء مع اثنين من رفاقه بعد قرار قائد المجموعة بمنح مكافأة مالية (200 دولار) لمن يرعى غلاس لحين وصوله للمخيم، وقد كان مُثخنًا بالجروح.

وبالطبع برزت وحشية المستوطن الأوروبي بترك غلاس وحيدًا في الغابة، والأنكى من ذلك قتله لابن غلاس (الهندي) أمام أبيه في مشهد تراجيدي مؤلم؛ تجلى في استحالة غلاس حتى الصراخ نتيجة الإصابات البليغة القاهرة.

رجوعًا للأصلانيين، فقد اكتفى المخرج بتصوير عدة مشاهد تُبرز الظُلم والاعتداء الذي تعرض له (الهندي الاحمر) في موطنه الأصلي (الولايات المتحدة الأمريكية)، وطريقة عيشه، وصراعه مع جلاديه من قِبل المستوطنين الأوروبيين، مُظهرًا دلالات رمزية هامة لهم؛ كالهُوية القَبَلية والقيم الإنسانية؛ ففي إحدى المشاهد يُساعد ( هندي أحمر) غلاس فيقوم بإطعامه وعلاجه وإنقاذه من الموت في لوحة إنسانية متكاملة؛ إلا ان هذا (الهندي) يُشنق لاحقًا على يد مستوطنين آخرين في استمرار مسلسل قتل (الهنود). اشتمل الفيلم على إبراز خصوصية الأصلانيين؛ من خلال لغاتهم وقيمهم الإنسانية الفطرية بالحفاظ على أبنائهم؛ ففي إحدى المشاهد يُفاوض زعيم القبيلة أحد المستوطنين لاسترجاع ابنته منهم.

مَثَلَ شرير الفيلم فيتزجيرالد قاتل ابن غلاس الصورة الواضحة والكاملة للغربي الأبيض المتوحش والأناني والعنصري. وبالتالي لم يكن فيتزجيرالد طفرة عن المستوطنين أو الغرب الحالي، ففي بداية الفيلم أظهر شرير الرواية، العنصرية البشعة تجاه هوك (الهندي) ابن غلاس؛ باستخفافه بلون بشرته وعرقه، ثم قتله بدمٍ بارد أمام أبيه. والأهم من ذلك تقديم المنفعة الخاصة على الإنسانية والرحمة؛ تجلت في تقديس المال والفردانية؛ وهذا ماثل في الفِكر الرأسمالي الغربي، وتنسف القيم الغربية الديمقراطية.

يبدأ الفيلم مشاهده بالمعركة الوحشية بين قبائل هندية ومجموعة الصيادين المستوطنين أثناء سلخهم لجلود حيوانات اصطادوها بغرض التجارة. وبالتالي يظهر الصراع الدموي حول الفراء مُمثل عصب الاقتصاد لتلك المجموعة من جهة، واعتبار القبائل الفراء مِلكًا لهم في أرضهم ووجوب حمايته من جهة أخرى، وخاصةً أن الفيلم تحدث عن قضاء الصيادين أشهرًا طويلة وجهدًا شاقًا في جمع الفِراء والذي يُمثل ثروة في حينه.

أما غلاس بطل الفيلم فقد اتسمت شخصيته بالبطولة والمعاناة والتقلب والغموض؛ ففي بداية الفيلم يظهر غلاس كأب وزوج يُقدس المؤسسة الزوجية، ثم الرجل الصلب في وجه العوائق مُصرًا على الاستمرار، والانتقام، والصراع من أجل البقاء وعدم الاستسلام. وفي نفس الوقت بدا غلاس إنساني لم يتعمد قتل أو الاعتداء على الآخر؛ إذْ في مشاهد عِدة بدا غلاس مُسالم مع الأصلاني متقربًا منه؛ وخاصةً ان زوجته كانت (هندية).

في ختام الفيلم يعود غلاس إلى المخيم بعد معاناة جبارة قاصدًا الإنتقام من غريمه فيتزجيرالد ومتحمسًا للحياة من جديد مكتسبًا مهارات أوهبته الطبيعة له بعد تغلبه عليها؛ إذْ لم تَحُول جراحه من مطاردته لعدوه والخوض في عِراك دموي مع فيتزجيرالد أفضت لمقتل الأخير بمشهد غامض بعد أن سمح (للهنود) بمشاركته بالإجهَاز عليه.

وتجدر الإشارة إلى أن تلك الفترة برئاسة جيمس مونرو (1817 – 1825) شهدت حملة غير مسبوقة؛ تهدف إلى تهجير قبائل هندية تُقيم في شرق المسيسبي، وعددها حوالي 80 ألف نسمة إلى غرب النهر؛ لكن الأصلانيين لم يقبلوا ذلك. وبالتالي واجهوا حملة تهجيرية قسرية تخللها الجوع والمرض والموت.

بعد تتبع أحداث هذا الفيلم يتضح لنا بكثير من الجلاء كم هو الظلم الذي يمارسه الإنسان بحق أخيه الإنسان من أجل مصالحه الخاصة، وإشباعًا لرغبته بالسيطرة على البلاد والاستحواذ على خيراتها وإخضاع الآخرين. وهذا جزء يسير من تاريخ الاستعمار الذي مارسه الأوروبيون؛ خاصة على كثير من الشعوب التي استضعفوها وسيطروا عليها وقهروها في كل أرض غزوها بطمعهم وعنصريتهم وطغيانهم، ولا زالت كثير من الشعوب تعاني نتائج هذا الاستعمار البغيض جيلًا بعد جيل لم تندمل جراحهم ولم تهدأ آلامهم ولم يُعوض ما خسروا.

ويُذكر أن هذا الفيلم العائد من الموت قد حصد ثلاث جوائز أوسكار لأفضل مخرج، وأفضل ممثل، ليوناردو ديكابريو، وأفضل تصوير سينمائي. أما عن القصة فإن النص مستوحىً بشكل جزئي من رواية كلاسيكية للكاتب مايكل بنك عام 1825 تُحاكي قصة حقيقية لصائد الفراء هيو غلاس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد