هناك أسباب وعوامل عديدة تؤدي إلى ما يسمى عبادة القائد الزعيم، وجزء كبير منها مرتبط بثقافة الشعب الذي أصبح خاضعًا للديكتاتورية منذ فترات طويلة، واختفى لديه كل أمل للخلاص، بحيث أخذ من السخط على حياته سبيلا للعيش في جحيم دولته، وعادة ما يبدأ تقديس الفرد من الفكر أو الأيديولوجية السائدة، والتي تؤدي إلى التعصب الأعمى، وترفض النقد والمراجعة، منتجة بذلك نزعة عاطفية فارغة وحماسة متهورة، تجعل من الولاء للقائد أولوية مقدمة على الولاء لكل شيء آخر.

أما ثقافة الولاء للزعيم أو القيادة فتعود في أصلها إلى جذور نفسية مبنية على الشعور بالدونية والضعف والقصور تجاه القائد، والتي من خلالها يبدأ الناس في ترديد كلام القائد والتصفيق له ثم الهتاف باسمه وحياته، وكأنه ليس مجرد شخص عادي بل خارق للطبيعة ومخلص لهم، وهذا يوضح أن شعوبًا (عربية) كثيرة تواصل الخضوع لقادتها، وذلك رغم الخسائر الكبيرة التي نتجت عن سياسات وأفعال هؤلاء القادة، دون أخذ أي دروس وعبر من التاريخ.

المشترك في كل أشكال تبجيل القائد هو فائدته في خلق دعم للنظام من جانب الأشخاص الأقل اهتمامًا بالفكر والصيغ الأيديولوجية، فالجماهير بطبيعتها لا تشغل عقولها، فهي إما ترفض أو تقبل الأفكار ككل واحد، ولا تخضعها للتشكيك أو الفحص والتدقيق المنطقي، وتصريحات القادة تغزو عقول هذه الجماهير بسرعة، وتتحول إلى أقوال وحركة وعمل وعنف وتضحية، ومن لا يشاركونهم الإعجاب بالقائد يعتبرون أعداء لهم، وذلك لأن كثيرًا من المحكومين يجدون أنفسهم في ظروف يصعب فيها مقاومة وتغيير السائد، والأزمات تلعب دورا كبيرا في صنع القائد والقيادة، حيث يلجأ الحكام في كثير من الأحيان إلى استغلال الظروف الصعبة لإثبات هيبتهم وهيمنتهم والتشبث بمقاليد السلطة.

المثابرة والتملق المفرط لرئيس الدولة في النظام الشمولي يوصل إلى عبادة الشخصية، والتي هي مخرجات طبيعية لمناهج تعليمية زورت التاريخ وغيرت الهوية بشعارات فارغة كبديل لحقائق التاريخ والجغرافيا والبيولوجيا، فالزعيم فيها هو بطل في مقاومة العدو بغض النظر عن تعريف العدو، كما ترى الشعوب فيه بالشخصية العاطفية التي يمثلونها، طريقهم للخلاص من آلامها، وذلك من خلال منحه القوة المطلقة ليكون ديكتاتورًا طاغية.

هذا وقد نتج عن ظاهرة عبادة شخصية الزعيم، ظهور وتشكيل قادة متعالين بميول متعصبة وكأنهم يتمتعون بشخصية كاريزمية، إضافة إلى هياكل تنظيمية مبنية لضبط التعليم مع التركيز على الأمن المجتمعي، وذلك من أجل ضمان أمن واستمرارية وإجلال القائد ونظامه القائم، مع عدم التسامح مع الأفكار والآراء والأيديولوجيات الأخرى، حتى لو كانت من نفس النوع والمصدر، وترسيخ الاعتقاد بأن الفكر المتبع هو الطريقة الصحيحة الوحيدة، وخلق رغبة حقيقية لدى الأفراد لتحويل الآخرين إلى اعتناق نفس الفكر، والاستعداد لاستخدام العنف والتزوير لتغيير أفكار الناس وجعل وجهة نظرهم عن الرئيس وجهة نظر مقدسة.

كما ويلعب القمع والخوف في هذه الدول دورا أساسيا في تبعية الشعوب للقيادات، لدرجة أنه أصبح يُقال دائما (العرب يحبون القائد القوي)، وهذه المقولة والخاصية تقدم تفسيرا واضحا لسبب استمرار وجود عشاق في بلادنا العربية والإسلامية للطغاة الذين حكموا بالحديد والنار، فهذه الجماهير تحب أن ترى قائدها عظيمًا بغض النظر عن أقواله وأفعاله، وتتجسد هنا متعة العبودية ولذة الطاعة، كما وتزداد متعة هذه الشعوب بالعبودية كلما استمر الحاكم في الوحدانية المطلقة والفردية، وأسقط حكم الدستور والقانون، مع استمرار وسائل الإعلام الاستبدادية في الترويج لفكرة أن الشعوب لم تصل بعد إلى مرحلة البلوغ والوعي الفكري، وبالتالي فهي غير قادرة على حكم نفسها بنفسها، وأكثر ما يكرر ذلك في فترات الحركات الثورية أو الانتفاضات الشعبية التي تسعى إلى تغيير الظروف القائمة.

هذا ودائما ما تستخدم السلطة رجال الدين والفتاوى على حد سواء لإضفاء الشرعية على اغتصابها وسيطرتها على كل شيء، الدولة والسلطة والأمن والمال والمجتمع والثقافة، وذلك للوصول إلى مستوى من السخافة الإنسانية والدينية في تبجيل الظلم والاستبداد والاستغلال، وهنا يُشار إلى أن رجال الدين الذين مهمتهم توجيه الإيمان إلى التوحيد هم أنفسهم الذين يمارسون توجيهه نحو تقديس القائد، وذلك عندما رفعوا عن الحكام مبدأ المساءلة والمراجعة والمحاسبة، إضافة إلى أنهم لا يزالون (رجال الدين الإسلامي والمسيحي) يستعيرون التشبيهات النبوية المقدسة ويلصقونها بزعماء منطقتنا، والغريب في الأمر أن الإيمان بالله فرقهم، بينما الإيمان بالقائد وحدهم.

لكن يجب أن يعلم الجميع أنه وحده الله سبحانه وتعالى هو صاحب الحق المطلق، وهو الذي يحتكر الحق، وكل ما دونه يعد نسبيا وخاضعا للرأي والحوار والنقاش، وأنه كلما رأينا شخصا أو حزبا أو سلطة تحتكر الرأي أو الأفكار وأنها تملك الحقيقة المطلقة، يجب أن نعارضها بشدة ونثور عليها من مبدأ منع أي نزعة سياسية استبدادية، سواء كانت دولة الحزب الواحد أو قيادة الرئيس الفردي، وأن نقوم بتفعيل كل وسائل السيطرة الدستورية والقانونية على الحكام.

القائد باعتباره صنمًا هو من أكثر الأصنام تخريبا ودموية، وهذه الأصنام البشرية هي أداة لإطالة عمر المشاريع الاستعمارية بطريقة جديدة، وللأسف هذا هو الوضع السائد في عالمنا العربي والإسلامي، حيث نصب الغربيون هذه التماثيل من الرجال ليحكموننا بهم ومعهم، لأن شخصية هذا القائد المعبود تهدف إلى تمزيق الأمة والحفاظ عليها ممزقة من خلال التحولات السياسية الموهومة والكاذبة، والتي تتم عن طريق انتخابات مزورة تعد بكل الحقوق وتنسى كل الواجبات، وتقود الجماهير نحو الخسارة والشر، وذلك كله لخدمة الاستعمار الذي يحقق أهدافه عن بعد، ويتمتع برؤية أبناء العرب والمسلمين يمزقون بعضهم البعض نيابة عنه.

هذا وتعتبر ظاهرة تقديس الشخصية والناس عموما مصنعا لإنتاج وتوزيع الجهل والتخلف، وتعطيل لمجرى الحياة الطبيعية، فمنذ فجر استقلال الدول العربية والإسلامية، سعى ميراث الدول الاستعمارية إلى خلق أنظمة قمعية تتولى الحكم من بعدها، وذلك من خلال ترسيخ فكرة (القائد الأوحد) في مخيلة الشعوب التي كانت ولا تزال تعاني من ثقل الأمية والجهل والتخلف، مع عدم توجيه النقد له لا بالقول ولا بالفعل لتصحيح أخطائه وعثراته وهفواته.

علاوة على ذلك فإن معظم هؤلاء القادة جاءوا من الجيوش، وهي مؤسسات تقوم على القيادة والطاعة ونادرا ما تهتم بإرادة الشعب، ولذلك فلا مكان للحوار حول الدولة والإصلاح والتنمية والديمقراطية، بل العبادة والعيش في جحيم الفقر والإذلال والقهر والظلم، وكل ذلك بصناعة التفاهة وإلغاء المشاركة وفرض الطاعة وخلطها بالدين، والذي يتم من خلال الوزارات والمؤسسات الخاصة بالدعاية وغسيل الدماغ، حتى أصبح هدف الشعوب الأسمى هو تأليه القائد الأب المقاتل وتقديس كل ما يصدر عنه، وذلك دون تمييز بين الخير والشر، أو الصواب والباطل، وإذا مات يموت الوطن والأمة، لأنه لا أحد لديه رؤية للوطن بعد وفاة زعيمه، بل لا أحد لديه رؤية لوجوده بعد وفاة هذا الأب القائد، وكل ذلك نتيجة تأليه الحاكم وتكامل صورته مع صورة الوطن، وانتقال مكانته من راع للوطن والمواطن إلى راع للوجود نفسه، وأنه أصبح الوطن وهو كل وجودنا.

كما أن فكرة الرجل الأول والأوحد، لا تتعلق فقط بالأنظمة القمعية بل تتعلق أيضا ببعض أحزاب المعارضة، والتي لكل منها زعيم في قيادتها ينظرون إليه وكأنه إله خالد، ويفترضون فيهم العصمة والقداسة، والتعالي فوق كل مستوى من الشك والشبهات، أما المشكلة الأكبر هنا هي أن الشعب والأحرار من الناس إذا وصلت المعارضة إلى الحكم، فإنهم يتعرضون في كثير من الأحيان لأنواع من التعذيب والإيذاء والإذلال والقمع والتجويع أكثر مما عانوه في ظل سلطة النظام السابق، حيث تشرعن المعارضة لنفسها ما كان يفعله النظام قبلها.

أما حاشية الحاكم فلا يفهمون إلا شيئا واحدا، وهو أن إرادته يجب أن يتم تنفيذها مهما كانت عشوائية أو غير منطقية، أو غير قانونية أو حتى غبية وجاهلة، تماما كما أن هذه الحاشية فوق القانون وليست تحته، لأن وجودها في الأصل يمثل ازدراء الطاغية للناس وقوانينهم، وحتى عاداتهم وتراثهم، فالقانون يخدم إرادتهم، ولكن يجب على الناس الالتزام بالقانون وبإرادة الطاغية وخدمه فقط، لأن أهم شيء هو البقاء في السلطة، والطاعة والعبادة تفرضها الأجهزة في الدولة حتى يقدمها الناس بكفاءة، إلا أن هذه الحاشية حول هذا الزعيم أو القائد تمارس في الوقت نفسه كل أشكال النفاق تجاهه، وهو يعتقد بغبائه أنهم يحبونه، وهم في الحقيقة لا يهتمون إلا بمصالحهم الشخصية المباشرة، وإذا مات إكلينيكيا وفقد قدرته على الحكم واتخاذ القرارات، فإنهم يبقونه شبحا فوق رؤوس العباد، وذلك لأن مصيرهم مرتبط به، وعندما يختفي الطاغية تذوب الحاشية من بعده وتختفي.

أخيرًا نقول إنه يجب على الجميع أن يفهم أن لا أحد فوق النقد مهما حدث وكان، لأن ميزان النقد يمكن من خلاله تصحيح العيوب والأخطاء، والمعرفة الإنسانية عملية تراكمية تنمو باستمرار التجارب، والحقيقة لكل إنسان عاقل هي أن السلطة المطلقة تؤدي حتما إلى الفساد المطلق، لهذا يجب ممارستها من خلال فضاء جماعي وتشاركي (أفراد الشعب)، كما أن حب الشعوب والأمم للشخصيات الوطنية أو السياسية وحتى الدينية منها، لا يوجد فيه ما يدعو للقلق، وذلك إذا كانت هذه الشخصيات استطاعت أن تنال هذا الإعجاب بفضل عملها وتفانيها وتضحياتها الصادقة في خدمة أوطانها وشعوبها، وهذا يختلف في جوهره عن التقديس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد