قد نتفق أو نختلف في مناح كثيرة بالحياة، خاصة منها الدينية وما ترابطت بالسياسة، وستظهر للسطح آراء متناحرة فيما بينها لأجل هذا، ويظهر كل أيديولوجيته وينافح عنها، ويتهم المواطن المغلوب على أمره بجريمة التمسك بهويته، ولعل أحداث ورقلة لخير دليل، لكننا حتمًا نتفق أن ما حدث بها إبان على قابلية كبيرة للتمسك بالوطن من طرف المحرومين منه وهم فيه، أو إن صح التعبير، المطالبة بذلك الوطن الذي حلموا به ونحلم به نحن الحالمون.

الوطن الذي لا يزايد فيه أحد بوطنيته على الآخر، والذي عندما نتذكر به أحلامنا نبتسم ولا نتحسر، والذي نجد كل ربوعه تتشابه واقعًا، وليس قولًا، والذي شبابه، بدل الاحتجاج بشوارعه، يحجون بيت الله لتوفر الاستطاعة، وقبل ذلك يؤسسون لبناته لتوافر فرص العمل، والخدمات الأساسية، وتتحول لغة المطالبة إلى لغة العطاء والبذل، والشعور بتلك العزة والكرامة التي طالما تغنى بها أصحابها في الملصقات الزرقاء.

ورقلة هي أحد المنابر التي أعادت لنا مفهوم الحدود والجغرافيا، وذكرتنا بأنفسنا، وأعادت فينا اللحمة وكل معاني التآزر ووحدة المصير، وقدمت خدمة كبيرة لوطن منكوب بأن أشعلت مصباح الحرية من جديد، لكن بمفهوم أكثر عمقًا، وأكثر وعيًا، وأكثر نضجًا، وترجمت لنا كلامًا طالما أخفوه بصدورهم لحكمة رأوها هم وفقط، فكم هو أليم أن تتمنى وطنًا يخرجك مما أنت فيه، وكم هو مرير أن توقد من حنجرتك زئيرًا.

ورقلة أعادت العزة لأصحابها، وأعادت الموازين لطاولة الأذهان، وقالت بالحرف الواحد إن تتجاهل أمة بشعبها وتطمس ما تبقي لها من رباطة جأش وعزة بمجون، والفن منه براء، وتبني آفاقك وبطنك شبعًا وعينك قريرة وغيرك تلك هي أغلى أمانيه، حتمًا ستجانب واقعًا معاشًا «وإذا اختنق الصوت تحررت الروح»، وقد أكون متحيزًا برأيي هذا، ومتحاملًا على فئة سمحت لنفسها بركوب ظهر مليون ونص المليون من فطاحلة قدموا أرواحهم فداء وزيتًا ينار به قنديل المستقبل، قد أكون تأملت كثيرًا، لكن ما بعد ورقلة حتمًا لن يكون ما قبلها، فقد أضيف لساحة المعادلات رقم أضحى يستمد قيمته من تبعات تداوله، وأصبح يمد العملية بمنطق أقوى يحسب له ألف حساب.

لا نار دون دخان، ولا أحداث دون تراكم، فقبل الحكم والغوص في تفاصيل الواقعة يستوجب تبين الدوافع؛ لنكون منصفين، أما أن نتقاذف المحصلة بآراء هي أقرب لردة فعل من صدمة، فهذا ما لا يقبل ولا يصدر عن عاقل متبصر، ويبدو أن مشهد الجموع وهي تصلي أقلق البعض، وركب على موجتهم كثيرون، فراحوا يكيلون التجريح والتقزيم والتكفير، وخرج من أوكار الحقد ضعاف القلوب ومرضى النفوس، ففي وقت ضاقت الدنيا بما رحبت بإخوان لنا وجدنا هؤلاء يتحينون الفرصة وينقلون قضيتهم لأبعاد استهلكت الكثير من تركيز المتتبعين والمهتمين.

فكيف لرمزية أن تحطم كبرياء محسوبين على الثقافة، ومن جهة أخرى هؤلاء أنفسهم خدموا القضية من حيث لا يدرون، فسوقوا لمنطلق جديد، وأضيف للمشهد عامل التحدي، وهذا وإن تراوحت تأثيراته ومدى تحريك الجهات الوصية في احتواء الوضع احتواء إيجابًّاي، وإبطال بعض ما برمج من حفلات سمية ثقافية لخدمة العائلة، باستحضار مؤدين صنعتهم أماكن مشبوهة، وأحيانًا كثيرة ارتبطت بالرذيلة، يبقى يعول عليه كما أدرك المتثاقفون أنهم لا يمثلون إلا أنفسهم، ولعل ما حدث بعد ذلك بسيدي بلعباس، ووادي سوف، وعنابة، والجلفة يثمن ما أقول.

سيسجل التاريخ أحداث ورقلة على أنها ذكرى الوطن الحلم، ذكرى متجددة ما دامت مقتضياتها قائمة، وستتحول لهوس يمتزج مع كلمات معينة، وستصبح تداعياتها عنوانًا جديدًا لإثبات الانتماء والرغبة في العيش.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد