ما زالت تَظاهراتُ العِراق  مستمرة في بغداد ومحافطات الوسطِ والجنوب، رغم القمع الشديد الذي يواجههُ شُبان، وشابات، وشيوخ العراق من قبل الأجهزة القمعية، والميليشات الإجرامية التابعة للأحزاب السياسة، فإن هذهِ التظاهرات تلتهب بشكل متزايد تحت عنوان «نُريدُ وَطنًا»، وتزداد قوة التظاهرات يومًا بعد يوم مُنذ انطلاقها خلال الأسبوعين الماضيين؛ نتيجة القمع والإفراط في استخدام القوة تجاه المتظاهرين السلميين؛ إذ سقطَ ما يُقارب مئات الشُهداء والآلافِ من الجرحى، ناهيك عن الاعتقالات العشوائية التي طالت المتظاهرين السلميين والحقوقيين والصحافيين الداعمين للانتفاضة.

إن شباب وشابات وشيوخ العراق يسطرون اليوم أروع معاني الفداء والتضحية في سبيل الوطن المنهوب والمنكوب، ضد من باعوا الوطن وخانوه، ولعِبوا بمقدراتهِ، ونهبوا ثرواتهِ، وأفقروا الشعب العراقي، لدرجة أن المواطن العراقي، رغم الثروات الهائلة التي يمتلكها العراق، يعيش اليوم تحت خط الفقر بلا خدمات، ولا سكن مُلائم، ولا عيشةٌ كريمة تليق بهِ.

جميع قادة الطبقة السياسية الحاكمة في العِراق، ابتداء من رئاسة الجمهورية، ثم رئاسة الوزراء، وأعضاء البرلمان، ومجالس المحافظات، هم عبارة عن لفيف من المرتزقةِ واللصوص، تسلطوا على العراقيين ومسكوا السلطة لمنافعهِم الشخصية، ثم لم يكتفوا بذلك، بل عمِدوا إلى تفكيك الدولة العراقية ومؤسساتها، القضائية والأمنية، وخلق حالة من الفوضى فيها، من خلال تكوين ميليشيات خارجة عن القانون تأتمر بِأوامر دول مجاورة معروفة لا تريد أبدًا الخير للعراق والعراقيين.

يحاول السياسيون الفاسدون وميليشياتِهم أن يُخضِعوا الشعب العراقي وإرادتهِ، ويَجعلونَ من الشعبِ عبيدًا لعبيدِ إيران، نعم فالطبقةُ السياسيةُ الحاكمةُ اليوم ما هي إلا خاضعةٌ ذَليلةٌ لإيران وأجندتِها في العراق، لكن هيهات أن يكونَ العِراق العزيزُ يومًا من الأيامِ عبدًا تابِعًا لِأحد؛ فالعِراق كان وَما زالَ سيدًا شامخًا بتاريخهِ وحضارتهِ وثقافتهِ، وسَيبقى إلى الأبدِ هكذا.

إن ما  يتعرض لهُ الشَعب العِراقيُ اليوم من تَنكيل وظُلم وقتلِ شبابهِ وشيوخهِ ونسائهِ، لن يزيدهُ إلا تحديًا وإصرارًا في مواجهة هذا الظلم والجور والفساد واللعب في مقدراته، لقد نسوا العملاء الذين جاؤوا إلى العراق بعد الغزو الأمريكي، أن العراق وإن مَرِض لكنهُ لا يموتَ ولا ينكسر أبدًا طالما في صدورِ الأحرار من شبابِ العِراق ونسائهِ وشيوخهِ قلوبٌ تنَبض من أجل الحرية والمستقبل.

لم تعُد الخدمات أو القضاء على البطالةِ والفُقر في بلدِنا العراق الغالي مطلبًا مهمًّا ينشدهُ أحرار العراق، بل المطلب الرئيسي هو القضاء على النظام الذي جلبهُ المُحتل الأمريكي سنة 2003، والذي أسس من خلالهِ للطائفيةِ والمحاصصةِ، والفساد وانتشار الفوضى؛ بهدف جَعل العراق مستنزفًا يُعاني من الحروب، والإرهاب، والطائفية، والفساد، وإبدالهِ بنظام آخر غير هذا، فَمشكلةُ العِراقُ الرئيسيةُ تَكمنُ في نوعيةِ نِظام الحكم الحالي، فهذا النِظام يُتيحُ بسهولة لعملياتِ الفساد والرشاوى من خلال تقاسم الحصص والمناصب النفعية، وفق المكونات والطوائف لا وفق المهنية والاختصاص والكفاءة؛ لِذلك نجد أن رئيس الجمهورية كردي. ورئيس البرلمان سني، ورئيس الوزراء شيعي، وهكذا حتى في مفاصلِ الجيش والتعليم والقضاء والمؤسسات الأخرى في الدولة، وبِهذا النِظام قُنن الفساد في داخل الدولة بشكلٍ رَهيب، وأُضعِفَ فيه بِشكل مُتعَمد دَور القضاء في المحاسبة نهائيًّا، وبِالتالي أَصبحَ البرلمان فيه أشبه ما يكون بِالدُكان أو البورصة، يُناقَش فيهِ مصالحَ الأحزاب، وتوزيع الغنائم، وعقد الصفقات، في الوقت الذي ينبغي أن يكونَ البرلمانُ أدة لِتمثيل الشعب، يراقب فيه سَير الدولةِ وأداءِ الحكومة في تنفيذ القوانين المشرعةِ، إلا أنهُ وللأسفِ جرَى عكسُ ذلِكَ تمامًا.

العِراقُ اليوم يَحتاجُ إلى مُراجعة شاملة للدِستورِ، بل كتابة دُستورٍ جديد وِفق ما تتطلبهُ المرحلةُ الراهنةُ الحرجةُ التي يَعيشُها العِراقُ اليوم، فمن خلال الدستور الجديد يؤَسسَ لِنظام جُمهوري ديمُقراطي ليبرالي يُبعِد كل ما له علاقة بالدينِ أو الطوائفِ عن أمور السياسة، ومن خلالهِ يُلغى النظام الحالي البائِس، الذي لم يجلب للعِراق سوى الدمار والفقر، والإرهاب والفساد، والميليشيات الخارجة عن القانون، وكذلك من خلالهِ تُلغى المحاصصةُ الطائفيةُ ويُختار الوزراء وِفقَ ضوابِط صارِمة على أساسِ درجة الكفاءة والاختصاص والمهنية، لا الطائفية أو الحزبية أو القومية، إلى جانبِ تفعيل دَورِ القضاء وإعطائه صلاحيات واسعة ومتعددة يُحاسِب فيها كائنًا من كان إن قَصرَ في أداءِ الواجبِ، أو في حال اتهامهِ بالفسادِ، أما فيما يتعلقُ بِمجالس المحافظات، فيجبُ أن تُلغى ويُعِينُ رئيس الجمهورية محافظًا من المحافظةِ ذاتِها، يتولى أمور المحافظة ويراعي مصالح أبناء مدينتهِ. بالإضافةِ إلى تشكيل لجنة قانونية تُلاحق كُل السياسيين الذي سَرقوا البلادِ وبددوا خَيراتهِ من سنة 2003 وإلى يومِنا هذا، لاسترجاعِ كافةِ الأموال المنقولةِ وغير المنقولةِ أو المسجلةِ بأسماء مستعارة، بِالتنسيقِ مع الأمم المتحدة والدول الأوروبية.

أما فيما يَخص الجيش والقوى الأمنية تُعطى القيادةِ لِمن يستحقونها من الضباط الوطنيين، الذين أثبتوا وطنيتهم وحرصهم على بلادهم، في أثناء احتلال إرهابيي الدولة الإسلامية «داعش» لمدن العراق سنة 2014، ومن ثم سحب كافة الأسلحة من الميليشاتِ، بل تجريمُ كُلِ من يحملُ السلاح خارج إطار القانون، سواء كانت جماعات مسلحة تدعي المقاومة، أم شيوخ عشائر أم حشدًا شعبيًّا، كُل من هو خارج وزارتي الدِفاع والداخلية، فهو بالتالي خارج القانون يُحاسب بِصرامة وحزم شديدين.

هذه هي المطالب الرئيسية التي ينشدُها أبطال ساحات التحرير الوطنيين الشرفاء تحت عنوان «نُريدُ وُطنًا»، أما الوعود الكلامية الفارِغة التي يُطلِقُها رئيس الوزراء عادل عبد المهدي لا قيمةُ لها أبدًا، والذي هو بالطبع يتكلم في وادٍ آخر لِعدم فهمهِ ماذا يُريدُ العِراقيون فعلًا، وهذا يُبَينُ أن الطبقة السياسية الطائفية الفاسدة السنية والشيعية بعيدة كُل البعد عن واقِع الإنسان العراقي وما يُعانيه من مأساة وظلم.

الشعب العراقي اليومَ يُريدُ وطنًا حُرًّا يعيشُ فيهِ بِكرامة، يتَساوى فيه جميع المواطنينَ أمام القانون في الحقوقِ والواجبات، وطنًا يُليق بِماضي العِراق ومجدهِ وحضاراته اللامعة في عمق التاريخ، لا وطنًا تَحكُمه طبقةٌ سياسية فاسدة وأحزاب إسلامية سارقة وقميئة، لم تُبق للعراقيين أي شيء أبدًا، بل كانت سببًا في دمار العراق وخرابه.

لم يعد للعراق بعد الأحداث التي جرت، من قنصٍ المُتظاهريين السلميين وقتلِهم بشكل وحشي حكومة شرعية ذات صلاحية تفوضها لِحُكم العراق، فالحكومة التي تنبثق من رَحم الأحزاب
الفاسدة، وتقمع الشعب بشكل همجي غير إنساني، وتقطع الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لِحرمان حق التظاهر السلمي، هي بِلا شكٌ حكومة غير شرعية فاقدة لِلصلاحية، يجب إسقاطِها او إِقالتِها. إن النصرَ لآتٍ لِلعراقِ وشعبهِ وما الصُبح ببعيد.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد