لعل هذا الجيل يتجاسر ويستدعى كامل همته، ويُقبل على المراجعة والفرز، دون رهبة من أباطرة السيطرة وقهرهم، وغارات أمراء الانتقام وحرابهم، وطالبي الثأر يطاردون الماضى دون أن يخطُر لهم أنهم شردوا خارج التاريخ إلى التيه في قفار موحشة! محمد حسنين هيكل

لعل الكتابة عن الأحوال في مصر اليوم تُشبه السير على حد السكين المسنون، أو الرقص على الزجاج المدبب المكسور، فالاستقطاب الحاد في مصر اليوم أصبح هو السمة الأساسية التي تطبع المجتمع بصورتها فالتعبئة الزائدة من قبل النظام قد حولت أسلوب ولغة الخطاب بين أبناء الوطن الواحد إلى علاقات سجال بين الأطراف تؤدى إلى زيادة التطرف في المواقف وذلك بحكم احتكاك الآراء وتصادم الاجتهادات، دون الوصول إلى اتفاق أو شبه اتفاق، وذلك أمر يجمع بين الخطأ والخطر.

إن ما نمر به منذ ما قبل ثورة 25 يناير 2011 حتى تنحى مبارك، ثم الفترة الانتقالية بقيادة المجلس العسكري حتى وصول الإخوان المسلمين للحكم بانتخاب محمد مرسي رئيسًا للجمهورية، وفترة حكم الإخوان المسلمين السيئة حتى ثورة 30 يونيو على حكم الإخوان، ثم الفترة الانتقالية بقيادة الرئيس عدلي منصور، ثم انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيسًا للجمهورية، بالإضافة للظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يعيشها المواطن المصري منذ قبل ثورة يناير وحتى اليوم.

وفي جو مملوء بالمخاوف والشكوك والآمال والتطلعات تعيش مصر فترة أزمة حقيقية تطال عقلها وأعصابها مشاعرها وتفكيرها لقد مشت مصر وشعبها في طريق طويل وصعب وشاق ومرهق وعنيف.

فمنذ ثورة يناير إلى اليوم أخذت التجربة الثورية مداها فإذا هي رحلة من منطقة الحلم الزاهر السعيد إلى منطقة الكابوس المفزع المرعب المخيف!

وكانت كل تلك الأحداث وضغوطها (السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية) عبئًا مضاعفًا على قلب وعقل وروح ووجدان الشعب المصري المُثقل أصلًا بالأعباء، والمحمل بحمولات من المشاق التي تهتز تحتها الجبال، فما بالك بالبشر، وذلك أمر يدعو إلى الحزن حتى البُكاء ويبعث على الإحباط ويثير الشجن إلى حد الألم.

واليوم نحن نرى نظامًا يسد كل الطرق ويغلق كافة الأبواب، ويمنع ويُقصى كل الآراء التي تتحدث عن العدالة الاجتماعية والديموقراطية، بل ليس ذلك فحسب، بل يعمل بجد وهمة ودأب ليعيد الحاضر إلى الماضي (قبل ثورة يناير 2011) استبقاءً لنفوذ طبقة معينة على المجتمع، وحفاظًا على ممتلكات ومكتسبات تلك الطبقة.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏‏شخص أو أكثر‏، و‏أشخاص يقفون‏‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏

ولعل الظروف والأمور بعد ثورة يناير تحتاج وقفة مع بعض الفئات التي شاركت في الثورة:

  • فهناك فئة من أبناء الثورة المخلصين من تملكته الحماسة، وارتفع بخياله وبطموحاته حتى وصل إلى عنان السماء  وعندما أطل على الواقع الحقيقي للبلد هاله ما رآه وشاهده، ورفض أن ينزل من عليائه في السماء إلى أرض الواقع، فانفصل عن الجماهير ومشاكلها، فعزل نفسه بنفسه عن الشارع الذي كان يساهم في قيادته طيلة أيام الثورة في الميدان، وبذلك يكون قد ترك الساحة بإرادته لأبناء الثورة المضادة!
  • وهناك من أبناء الثورة من ظل على الأرض، ولكنه أخطأ حينما قرر أن يلعب الثورة وقت السياسة، فقام في محاولة للضغط على النظام القائم بالاعتصامات وتعطيل الطرق، فاستغلت القوى المضادة للثورة تصرفاته في إظهار الثورة بأنها فوضى هدفها الهدم، وليس البناء!
  • وهناك فئة شاركت في الثورة وعندما لاحت لهم بشائر النصر هرولوا متعجلين ليحصدوا نصيبهم في الغنائم المنظورة، بدء من الظهور الإعلامي في الفضائيات حتى الحصول على المناصب وبريقها الجذاب طامحين أو طامعين، ناسين أو متناسين أو متغافلين عن أن (النصر النهائي للثورة لا يكون بإسقاط رأس النظام، بل في تحقيق أهداف الثورة).
  • وهناك من راقبوا الثورة من بعيد حتى يروا ما الذي سيكون عليه موقفهم، وحينما رأوها تكاد تنتصر؛ قفزوا على ظهور الشرفاء من أبنائها كالعادة ليحصدوا مكاسب لم يساهموا في صنعها.

ولكن بعد فترة من ظننا بأننا نجحنا، وبأن الثورة انتصرت، ورفعِنا للأعلام وإِنشدنا للأناشيد، وفجأة تبددت الآمال التي كانت الأصابع تتصور أنها أطبقت عليها، واكتشفنا أننا لم نملأها، إلا بحفنة من رمال ما لبثت أن تسربت، فإذا اليد التي كانت تتصور أنها أمسكت المُنى كلها، والأمل لا تجد في راحة يدها إلا الخيبة والفشل والإحباط.

 ثم تفاجأنا بعد ذلك ببعض الفئات قد ظهروا على حقيقتهم واضحين كالشمس، وعرايا كما ولدتهم أمهاتهم!

  • فهناك فئات ممن شاركت في الثورة خُلعت قلوبهم من وعورة الطريق الثوري الصعب وفضلوا عليه الطريق الناعم المزركش بالمناصب والمنافع.
  • وبعضهم الآخر لم يكن الطريق الثوري يُلائم مصالحه من الأساس فتوقفوا عن السير وقاموا بالمشاركة مع آخرين في طعن الثورة في الظهر بخنجر مسموم.
  • وبعضهم الآخر لم يجد من الإيمان بالنفس داخله ما يُحفزه على المُضى والاستمرار إلى نهاية الطريق.

لا يتوفر نص بديل تلقائي.

وكانت النتيجة الأخيرة مأساة حقيقية. فالثورة المضادة تضرب الثورة، ثم تسبق بالشكوى! والثورة المضادة تطعن الثورة في ظهرها، ثم تستدر الدموع ندية سخية على الحال التي وصلت إليه البلاد والعباد من جراء الفوضى المسماة ثورة!
والثورة المضادة تُريد من الناس أن يصدقوا أن الثورة فوضى، وأن من شارك فيها إما متآمرون مع جهات خارجية، ومن ثم يكونون خونة للوطن، أو مدمنو مخدرات، أو منحلون باحثون عن المتعة الحرام في خيام الاعتصام!
والثورة المضادة تُريد من الناس أن يصدقوا كل ذلك، ووسيلتهم إلى هذا أن يكذبوا، ويصرخوا، ويصخبوا، ثم تتهدج أصواتهم، وتترقرق عبراتهم، وتصبح حكايتهم لا أول لها ولا آخر!

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏3‏ أشخاص‏

وعلى وقع ضرباتهم، وأمام طعناتهم، وتحت آسنة حرابهم، وفى وسط الصُراخ والصخب والدموع سقطت الثورة مغشيًا عليها، والدليل على ذلك أنها أتت باليمين الديني الرجعى (الإخوان المسلمين) كي يقودها الى مناها ومبتغاها في مستقبل مُشرق سعيد!

وعندما جاء الاخوان إلى الحكم ظن الشعب أن هؤلاء الذين يرفعون راية الاسلام سيقتلون الظلم بسيف العدل ويرجعون الحقوق لأصحابها، ويقضون على حكم الطبقة البغيض.

ولكن ما وجده الشعب المصري بعد قليل أن الظلم زاد واستفحل بدلًا عن أن يقل وينمحي، وأن الحقوق ضاعت بدلًا عن أن تعود، وأن الاخوان لا يريدون القضاء على حكم وتحكم الطبقة المستغلة، ولكنهم يريدون أن يكونوا هم الطبقة الجديدة، أي إحلال الجماعة والأهل والعشيرة محل الطبقة القديمة!

ولعل كثيرين تساءلوا عن طبيعة موقف وعلاقة الجيش بثورتي 25 يناير و30 يونيو؟ ولعلني أحاول الاجابة بتلخيص دور وعلاقة الجيش بالشعب منذ 25 يناير وحتى 30 يونيو كالتالي:

  1. إن ما حدث في (25 يناير و30 يونيو) أن الجماهير خرجت للمطالبة بتغيير أوضاع لم تعد قادرة على تحمُلها، ثم إن تلك الجماهير بمفردها لم تكن قادرة على التغيير فنادت الجيش المصري للوقوف بجانبها واستجاب الجيش بغض النظر عن النوايا الحقيقية لكل من الطرفين: الجماهير والجيش!
  2. إن الجماهير بمفردها لم تكن قادرة على فرض التغيير أو إزاحة كلا النظامين (مبارك-مرسى)؛ لأنها لم تكن تملك القوة الكافية في تلك المرحلة من التطور الاجتماعي، ولو كانت فعلت (لكانت دخلت في مواجهات كانت ستكلفها الكثير من الخسائر، وقد أشفقت على نفسها منها).
  3. وكذلك الجيش لم يكن يستطيع التدخل بمفرده لفرض التغيير بدون خروج الجماهير وندائها عليه ومطالبتها إياه بالتدخل لحماية مطالبها من بلطجية الحزب الوطني ومليشيات الإخوان؛ (لأنه لوكان فعل ذلك بدون طلب من الجماهير لعُد ذلك انقلابًا على السُلطة الشرعية المُنتخبة ديمقراطيًا على الفور)!

أي أن ما حدث في يناير وحتى يونيو أن قوة الجيش التي خرجت استجابة لنداء الجماهير، وقد استخدمت قوتها لفرض مطالب الجماهير الواسعة التي خرجت للميادين والتي هي من الأصل تلائم مصالحها ورؤيتها.

ثم إن القوة التي استخدمها الجيش تحولت إلى سُلطة بتولي قائد ذلك الجيش (السيسي) زمام الأمور في البلاد وجلوسه على كرسي العرش بعد 30 يونيو.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏2‏ شخصان‏، و‏‏أشخاص يقفون‏‏‏

وفي انتخابات لم يكُن له فيها منافس حقيقي في ظل تسخير جميع وسائل الإعلام لحشد الجماهير لذلك المرشح الجنرال السيسي، وللحق يقال بأن القطاع الأوسع من الجماهير كان يريده في ظل حالة من التردي السياسي، والكفر بكل النُخب المُزيفة.

ثم إن قطاعًا عريضًا من الجماهير المصرية الواسعة تعامل مع الرجل واللحظة الزمنية وقتها على حسب تعريف التفاؤل الذي يقول: إن (المتفائل هو شخص يتعلق بالأمل على حساب التجربة). التجربة تقول له: كفانا بينما الأمل يقول: فلنحاول! وكان قرار الأغلبية من الشعب المصري: فلنحاول من جديد؛ علَ الجنرال المخابراتي السيسي يكون أفضل من سابقيه الدكتور الفضائي مرسي والجنرال الطيار مبارك!

هذه هي الصورة بكل ما فيها من سخرية الواقع الحزين وعبث الأقدار الأليم!

وبعد مرور تلك المدة من تولي السيسي الحكم تدفقت مياه كثيرة تحت الجسور وتغيرت أحوال وتبدلت مواقف واختلفت ظروف وأفعال. ووسط غضب وسخط الغالبية العظمى من الشعب المسكين من سياسات النظام وقرارات حكومته التي لا يعبأن بالفقراء المعدمين، ويُصران على أن يقتلوه كمدًا وفقرًا ويعذبوه بالدين الذي أصبح لا يطاق.

وفى البداية بدأت الرياح التي كانت تهب من قصر الاتحادية تُلقي على الشعب المصري ألوانًا وأشكالًا من الوسـاوس والمخاوف والشكوك! وخصوصًا في مسألة تحمل تكاليف الاصلاح الاقتصادي المزعوم، وانحياز سياسات الرجل للأغنياء ضد الفقراء.

ثم إن الأخبار التي بدأ يسمعها الشعب، والقرارات والأفعال التي يراها صادرة من الرئيس وحكومته كانت تنزع الاطمئنان من صدره، لتغرس الأشواك بدلًا عنها! وكان أكبر الأشواك المغروسة في قلوب ونفوس وعقول المصريين اتفاقية تسليم جزيرتي صنافير وتيران للسعودية.

وبالرغم من حديث السلطة وتابعيها من مثقفين وإعلاميين وسياسيين عن إنجازات تتحقق، ونجاحات تتوالى، واقتصاد ينمو، وأسعار تنخفض، ومستقبل زاهر مُقبل! إلا أن المشكلة أن كل هذا الذي يُقال على فرض وجوده لا تظهر له علامات ولا بشارات على واقع الناس وأسلوب معيشتهم!

ربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏

وأصبح هناك كل يوم مع كل قرار أو تصريح للرئيس أسباب حقيقية للخلاف مع قطاع عريض من الشعب المصري، والحاصل أن أوجه الخلاف أصبحت تتسع ولا تضيق، وتكبُر ولا تصغر، وتزيد بدلًا عن أن تقل، ومن ثم زادت احتمالات التصادم وقلت إمكانية التفاهم، وذلك ليس خطأ فقط، بل خطرا أيضًا، وأمرا مخيفا، على حاضر الوطن ومستقبل أبنائه.

وهكذا في مصر اليوم بعد كل ما مر بها من أحداث وما خلفته وراءها من دماء سائلة وصور دامية وأعين دامعة وقلوب موجوعة وأكباد محروقة بلوعة الدين وشدة العوز. اهتزت واختلت أشياء كثيرة منها أفكار  وقيم ومعتقدات سابقة، وتهاوت مُثل وسقطت مبادىء وتحطمت تماثيل وصروح شامخة أو بدت شامخة!

فنحنُ نرى الثورة اليوم فقدت قدرتها على الاندفاع ومن ثم قدرتها على الحركة فسهُل بعد ذلك تطويقها وقتلها بالخنق البطيء، وبالرغم من أن عظمة وبطولة الثورة صُنعت بالعرق والدماء والدموع فى النور، إلا أنها قُتلت أمامنا بالغدر والخديعة والموأمرة فى الظلام!

والجميع كان يأمل، والجميع كان يتمنى، ولكن ليس بالأماني تجري الحوادث، وليس بالأماني تُصنع الأقدار!

لا يتوفر نص بديل تلقائي.

وأخيرًا

لا أعلم لماذا بعد أن أنهيت مقالتي تلك تذكرت قصة هانز كريستيان أندرسون عن ثوب الإمبراطور، الذي سار عاريًا بين رعيته بعد أن أقنعه خياط نصاب أنه نسج له ثوبا فريدًا من أشعة الشمس لا يراه إلا الحكماء والمخلصون للإمبراطور! أما الحمقى والحاقدون، فلن يروا شيئًا… سار الإمبراطور الغافل بين الجموع، والجميع خاف أن يصرح بأن الإمبراطور عارٍ؛ حتى لا يُتهم بالخيانة أو الحماقة، حتى فعلها طفل صغير قال ببراءة:

(إن الإمبراطور عارٍ.. إنه لا يرتدي شيئًا!)

حينها ردد الناس مقولة الطفل الذي كسر دائرة الخوف (إن الإمبراطور عارٍ).

هنا قلت لنفسي: أعتقد أننا في انتظار هذا الطفل.. تُرى متى سيجيء ذلك الطفل المعجزة.. متى؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد