لم تكن أحداث حلب الشهباء بمعزل عن المقدمات التي آلت إليها بعد تفريغها من سكانها والمقاتلين، المتابع للمشهد السوري في حلب سَيخلُص إلى عدد من النتائج، وهذا بالضروري  ينعكس على باقي المناطق في سوريا من حيث وجوب تبني سياسات ذات جدوى تقلل من حجم الخسائر وتُحفظ من خلالها الإنجازات المختلفة.

في البداية هذه الأمة عصية على الزوال؛ فهي أمه تمرض، لكنها لا تموت، وتغفو، لكنها لا تنام. كيف لا، وقد أوكلت لها مهمة تبليغ دين الله إلى العالمين؟ وهذا يتطلب على وجه التحديد حسن التدبير والتخطيط السياسي القائم على أسس علمية ترتبط فيها الأسباب بالتوكل على الله تعالى وهذا ما ينطبق على الحالة السورية تمامًا، وبالنظر إلى واقع الثورة السورية وخصوصًا في حلب نجد أن الافتراق على الأولويات في قتال النظام وحلفائه شكل نقطة ضعف، قويت فيها جبهة على حساب أخرى؛ فكان الاشتراك في درع الفرات على حساب حلب جعلها وحيده تواجه مصيرها أمام تجمع أعدائها، أضف إلى ذلك أن الإعلام لعب دورًا بارزًا في تحشيد الجهود نحو الاشتراك في درع الفرات تحت ذريعة محاربة الإرهاب المتمثل في «داعش»؛ فخضعت الفصائل لضغط الداعمين وللإعلام الموجه، كما ـأن شل حركة الفصائل من خلال التحكم بالدعم المقدم ضيق خياراتها، ولم يكن الأمر بأفضل حال على صعيد قيادة الفصائل، فالمصالح المختلفة نتيجة للارتباط بالدول الداعمة؛ أدخلها في صراع أثر على وجودها في حلب لاحقًا.

إن فقدان الوعي  السياسي  بحقيقة دور الدول الداعمة المرتبط إلى حد كبير بإرضاء السياسة الأمريكية واتساع مسرح الأحداث الذي فرض التعامل مع مناطق دون أخرى مهد الطريق لسقوط حلب بيد النظام السوري، كما أن تصرفات بعض الجيوب المحسوبة على الفصائل؛ نتيجة للتباينات في مواقف قيادات الفصائل السورية؛ أدى إلى تأثر الحاضنة الشعبية؛  فقد رأينا العديد من الهتافات المناوئة لهذه القيادات؛ مما يشير إلى حجم الإرباك الحاصل في مواقف معظم الفصائل؛ نتيجة للارتباط الوثيق بينهما وبين الدول الداعمة الأخرى، كتركيا والسعودية وقطر، وهو ما يحتم على هذه الفصائل البحث عن بدائل تفك من خلاله ارتباطاتها بهذه الدول إلى الحد الذي تأمن فيه عدم استغلالها أو الضغط عليها لمصالح قُطرية، وإن كانت حقًا ـ أي هذه المصالح ـ كما هو الحال مع تركيا في تأمين حدودها مع سوريا من خطر الدواعش وتفريخ الإرهاب، وكذلك من خطر الأكراد على الأمن القومي التركي.

ليس هذا المشهد الوحيد الضبابي على الساحة السورية، فهناك إشكاليات تهدد المسار الثوري برمته؛ فعدم وضوح الرؤية السياسية والخلط بين الوسيلة والإستراتيجية يضع الثورة السورية في مهب الريح؛  ففي الوقت الذي لم يعد يُفّرق فيه الثوار بين الهدف الاستراتيجي المتمثل في إسقاط النظام الفاسد وإنشاء نظام سياسي يقوم على العدل والحرية وتحقيق كرامة الإنسان وبين الوسيلة التي تحقق هذا المبتغى، فيصبح مجرد القتال استراتيجية بحد ذاتها بعيدًا عن أي مشروع سياسي يحقق أهداف الثورة المشروعة يصبح حينها التيه السياسي سيد الموقف، ويغدو العمل الثوري ضرب من الجنون أشبه ما يكون بطحن الهواء، ولكن الصورة هنا أشد قتامه حينما نعلم أن المطحون هو المواطن السوري البريء.

لم يعد مجدي حصر التفكير في دفع العدوان، دون توحيد الجهود تحت راية واضحة المعالم ومشروع سياسي يحقق الشعارات التي هتفت بها الثورة السورية، وإلا فنحن أمام مشروع أسوأ كثيرًا من نموذج أفغانستان بعد التحرير! لم تنته الثورة في سوريا؛ فالنصر لا يتعلق بالضرورة بالجغرافيا، فما زالت فصائل الثورة تتحكم بالمساحة الأوفر في سوريا، كما أن حلب عندما كانت بيد الثوار لم تطرح مثل هذه الجدلية ـ أن النظام السوري منهزم ـ إذن هي الحرب الإعلامية لتحقيق الهزيمة النفسية قبل أن تكون ميدانية.

هناك مئات الأسباب لاستمرار الثورة في سوريا؛ ففي كل بيت شهيد وجريج وسجين، ولولا الإيمان بعدالة القضية السورية لما استمرت الثورة حتى اللحظة، فستبقى الأرض لأبنائها وسيغدو الاحتلال والاستبداد أثرًا بعد عين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد