عندما نتقدم بعقلية رصينة لتقييم الحالة الثورية في تونس، تقفز أمامنا عديد التساؤلات الواجب الإجابة عنها بين يدي محاولة بناء نظريات الثورات الشعبية اعتمادًا على المخبر السياسي والاجتماعي التونسي، واستئناسًا بالثورات العربية على اختلاف ألوانها، ومن قبيل الأسئلة التي تثور أمامنا: هل نحن أمام حالة إرباك فكري حقيقي ناتج عن الحالة الثورية؟ هل غابت فكرة الثورة من أجل الديمقراطية و الانعتاق عن الفضاء التداولي للأطروحات التي درست الواقع العربي واستشرفت مستقبله، لتغلب عليه فكرة الثورة من أجل الخبز ومن أجل كسر تغول الطبقية المتوحشة الناجمة عن استفحال الفساد؟ وما هي مسؤولية الفاعلين السياسيين في انقاذ ثورة الشعب من كابوس الانزلاق إلى مربع الفتنة التي تدع الحليم منهم حيرانا؟!

كل هذه الأسئلة تحيلنا إلى الطرح الذي طالما أراد البعض تسريبه والذي يتنبى عقلية المؤامرة، في محاولة لطمس جزء من ذاكرتنا الشعبية وتاريخنا الذي لم يخل من روح الثورة وأشواقها، فهذه الشعوب سبق أن ثارت دفعة واحدة أمام الحكم العثماني في الجزيرة والشام ومصر والرافدين في أوائل القرن الماضي، ناهيك عن الانقلابات العسكرية التي لبست عباءة الثورة الشعبية خصوصًا إبان الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، وامتداد النضال القومي العربي من فلسطين إلى كل الأراضي العربية، وكأن هؤلاء يستكثرون على شعوبنا أن تنهض وتنتفض وتثور لأجل الكرامة والانعتاق ببعدها الإنساني كمشروع تحرُّري وتنويري ثقافي، في وجه الفساد والهيمنة والحكم السلطوي، بعدما رزخت ولا تزال تحت سطوة ضيق مساحات الحرية والتعبير وتراجع الأمل، لتنتقل بعدها فكرة التغيير الحق من أثير الحُلُم إلى حيّز المُمكن.

وحتى يكون إسقاطنا منطقيا بعد 10 سنوات من ثورة تونس التي فتحت أجنحتها على العالم حتى تعالت أصوات «الشعب يريد» في البلدان الأروبية وشوارع أمريكا، ربما نجد أنفسنا اليوم أمام حالة تونسية تفقد شيئا فشيئا تجسيدها المكاني والجوهر الحيوي الذي رعاه الحراك الديمقراطي طيلة السنوات العشر السابقة، وكأننا نشهد مرحلة مستجدّة غادرها نسبيًا ذلك الحسّ الانتصاري الثوري القديم وناجزه شعور بالخيبة والنكسة حتى لا نقول الصدمة، بعدما اكتسب الشعب انتماء عاطفيًا إضافيًا لهذه الأرض واندمغ في الحالة التي تمثلها بلاده ولو كملاحظ ومتفرج على مشهدية بنية سياسية متطورة وقادرة على التحوّل من سلالة إلى سلالة، بدأت ابان الثورة بالقطع مع الإرث الدكتاتوري برموزه ومؤسساته ليكسب اليوم حديث التوافق والمصالحة جرأة ونجد أسماء عرفناها ضمن فقهاء نظام بن علي تتحدث اليوم باسم الشعب وباسم مؤسساته التي وضع أسسها جماجم الشهداء وسقتها دماؤهم.

ليس مقبولًا اليوم الحديث عن البنية السياسية القائمة في تونس من حيث كونها إعادة إنتاج لمنظومة ما قبل 14 يناير (جانفي)، لأن ذلك يتناقض تماما مع التمشي الذي فرضه رأي عام إنساني دولي ضاغط محمول بصعود مدّ مدني مساند لحقوق الإنسان وقضايا التحرر والعدالة والحقيقة والكرامة كحالة غنيّة التجليات ، ناهيك عن تزايد الشعور بوحدة المصير الإنساني خصوصًا بعد أن عم الوباء مدائن الأرض، ولكن في الآن نفسه من المستوجب وضع خارطة التحولات السياسية والاجتماعية في تونس التي فرضت نفسها على المشهد برمته، قيد التفكير والتأمل القائم على التحليل والتفكيك والرصد والاستيعاب، في اتجاه تحديد مدى اشتباك الاستراتيجيات المتبعة مع ديناميات لحظات التحول و الإدراك الواعي والانخراط في الفضاء السياسي، سعيًا للانحياز لخيارات الأمة، وتحمُّل تبِعات المواجهة الميدانيّة لأي شكل من أشكال الاستبداد المتسلح بمعاول الهدم عملا بقاعدة هدم المعبد على رؤوس الجميع.

يبدو أن التشكلات السياسية في تونس على مدى عشر سنوات والتي ترجمها النتاج الإنتخابي إلى تدافع على مستوى السُّلط، وَشَتْ بانقلابات متتالية في المسار الناظم لحركة المجتمع بحيث يستعصي على الراصدين فهم تعقيدات اللحظة الراهنة ورسم تصورات للمستقبل القريب والبعيد، بعدما أظهرت الحالة الثورية خلال زمن وجيز تباينا في المسارات تراوح بين التطور السريع إلى التهديد بالاقتتال الأهلي القائم على النعرات الأديولوجية والسياسية المتطرفة أحيانا، ليطغى عليها القلق من المكوّن الآخر على القلق من الانقلاب على الانتقال الديمقراطي، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالقول بضرورة سحب الجنسية من فئة بعينها أو تهجيرها أو إخضاعها لمحاكمات وقضايا تتعلق إما بالفساد أو بالعنف أو بالإرهاب.

أمكن لنا وقد أدركنا العتبة العاشرة للثورة الحديث عن إرباك فكري أصاب جزءًا من الطيف الاجتماعي المحسوب على الحراك الثوري قبل 14 يناير (جانفي) وبعده، بوصفه المادة الأولية للحياة السياسية بل والكائنات المكونة للكيانات السياسية التي تدير المسار الناظم للدولة بأسرها، حيث يسهل على المتابع للشأن العام أن يشهد ولادة كائنات سياسية وانقراضها بأسرع ما توقع مهندسو الحكم وأدمغة التنظير الاستراتيجي، وهذا نجده طبيعيا ولكن ما لا يمكن اعتباره أمرًا طبيعيًا ويتطلب مزيدًا من التعمق السوسيولوجي والأنتروبولوجي، هو تحول سلالات من الكائنات السياسية المعروفة لدى الجميع سواء بمرجعياتها وتاريخيتها ونسبيتها، إلى سلالات جديدة مجهولة المرجعية وغريبة الطروحات. حيث شهدنا الإسلامي مدافعًا عن مشاريع ليبيرالية متوحشة مناديًا بفتح المجال أمام فقهاء الدكتاتورية الساقطة ليتصدروا المشهدية السياسية تحت يافطة الوفاق والتوافق والقطع مع الماضي.

وشهدنا القومي واليساري يتجنّد للتنظير لنظرية الإقصاء وإسقاط مؤسسات الدولة تحت يافطة الوقوف ضد تغول الاسلاميين والاختراق المؤسساتي، وشهدنا الحداثي المثقف الذي ينادي بضرب حرية المعتقدات وحتى الحريات الشخصية لتصبح نسبية لديهم وواجب تضمينها في دستور لم يمض عليه أكثر من ست سنوات، وشهدنا من كانوا بالأمس حماة لنظام المقبور بن علي اليوم يصولون ويجولون في منابر فتحها لهم إعلام اختار أن يجعل من منابره مسرحًا لبث الكراهية والتفرقة، وشهدنا نقابيين وناشطين في المجتمع المدني يضربون عرض الحائط بكل المبادئ التي ناضلوا من أجلها والقائمة على أساس نبذ فكرة الولاء والبراء للمنظمة الواحدة وللزعيم الأوحد، يسقطون في فخ التناقض والارتباك المنهجي والفكري ليحولوا هياكلهم إلى مسرح لتصفية من عارضهم ومن حاول المس من أجندة ربما كتبت بأقلام مقدسة، وكذا الأحزاب السياسية التي مضى على تأسيسها أكثر من أربعة عقود على غرار الدستوريين والإسلاميين الذين أصيبوا بألغام الانقسامات والانشقاقات والاستقالات.

إن طرحي هذا لا يهدف أساسًا لضرب جهة على حساب جهة أخرى أو فكرة على أساس فكرة أخرى، بل للتأكيد على أن هذا الفعل بدا واضحًا وجليا لدى المتابعين والفاعلين في الشأن الوطني، بعدما أقدمت تيارات وجماعات وشخصيات من صميم الحالة الثورية على مُمارسات لا تتوافق مع الإنتاج النظري السابق لها، وهي بذلك تُخبرنا بقُربِ تحوّلٍ وشيك في قواعد التنظير لديها كي تتوافق وتتشابك مع ممارساتها على أرض الواقع السياسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد