الفلسفة

الفلسفة للجميع وفكرة المؤرخ الروماني شيشرون أن سقراط أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض وأدخلها إلى كل البيوت فكرة منبهة للفلاسفة والمشتغلين في حقل تدريسها للنزول في تعليمها وتلقينها للأجيال ممكنة في تشكيل وبناء فكر نقدي وإنساني يهتم بإثارة السؤال نحو التفكير وإزالة ترسبات المعرفة الجاهزة والقائمة على منطق الرأي الأحادي الذي لا تعترف الفلسفة بقيمته حيث لا يساهم في بناء فكر الاختلاف والتعدد.

ومن يتأمل في القولة المأثورة لشيشرون سيجد من المعاني في تفلسف سقراط بآليات الحوار والتهكم وفن التوليد وما يعرف بالطريقة السقراطية في الساحة العمومية والفضاء العام نموذج يحتذى في التفلسف والعودة للذات. فقد أنزل سقراط الفلسفة من البرج العالي والمغلق إلى فضاء أرحب للتأمل في مرامي الإنسان وصفاته. وإمكانية تعليمه الفضائل الأخلاقية والعملية إيمانًا بالفكرة القائلة «أيها الإنسان اعرف نفسك بنفسك». المعرفة تذكر والجهل نسيان. والفلسفة في الساحة العمومية وفي الحلقات السقراطية وجه آخر للشمولية والفضاء العام الذي تلقن فيه مبادئ التفكير والحوار السليم بين أطياف المجتمع اليوناني ومن مجالات متباينة.

لا سبيل للحق في التفلسف إلا بإنزال الفلسفة من عالم الطبيعة والتأملات الطبيعية وتلك الأحجار الصماء والصخور. وما يتعلق بالتأمل الفلكي ومشاهدة العالم الفيلسوف للسماء، خصوصًا مع الحكماء السبعة ومنه طاليس الملطي. أن يعود الإنسان إلى تقصي الحقيقة الذاتية والكشف عما يوجد في أغوار النفس من حقائق ويقينيات ينبغي استنباطها مباشرة بآليات منهجية. حقائق تشكل نقطة البداية في تحولات التفكير وبناء قاعدة صلبة للتفكير ومنطق التفلسف. كانت الدهشة منبع وأصل الفلسفة والتفلسف.

لم يقتنع الإنسان بالأجوبة المألوفة وبالأشياء الغامضة والتأويلات الأسطورية الخيالية لكل ما يتعلق بالظواهر الطبيعية فاكتشف الإنسان المبدأ وأرجع الأسباب إلى كل ما هو طبيعي مادي. يستمر التفكير الفلسفي وآليات التفلسف في إنتاج ما هو أساسي من مذاهب فلسفية ونظريات علمية. ويكشف منطق التفلسف عن دوافع الإنسان للبحث عن الحقيقة وإثارة السؤال الفلسفي من جديد.

وفي سياق علاقة الفلسفة بالتفلسف يبقى التقابل بين كانط وهيجل في ضرورة تعلم الفلسفة والإلمام بتاريخها والمثال أن الإنسان لا يمكن أن يسبح في النهر من دون ماء في وجهة نظر هيجل. وقابلية تعلم الفلسفة وتعليمها تنطلق من الفكرة القائلة أن الإلمام بتاريخها وأسسها يتمكن الإنسان من التفكير الفلسفي وسلك منطقًا آخر في التفلسف. أو من منطلق كانط أن التفلسف عملية بناء للمعرفة وأن قراءة الفلسفة يمكن أن تمدنا بمعارف معينة دون أن تكون الفلسفة قابلة للتعلم لأنها لا تشتمل على قواعد صورية ثابتة أو مبادئ في التعلم كتلك السائدة في علم الرياضيات. ومن خلال هذا التقابل تبدو الأفكار نوعًا ما متشابهة ومتقاربة للجمع بين الفلسفة والتفلسف.

فالحق في التفلسف يبدأ من سياق القابلية في فهم الفلسفة واستيعاب مضامين الدرس الفلسفي باستدعاء العدة الديداكتيكية والحمولة الفكرية للمدرس في قلب الفصول الدراسية. وإذا كانت المقررات الدراسية مقيدة بعامل الزمن والامتحانات وتكريس نوع من الفلسفة الخاصة بالمفاهيم فإن للمدرسين كامل الحرية في عملية الجرأة والانتقال إلى عملية التفلسف وجعل المتعلم يكتسب منها أشياء من حصة لأخرى. تدريبه على التراكيب والأسئلة والمناقشة والتحليل والحوار وتمرين المتعلم على المواطنة والتسامح والتعايش وما يتعلق بالقيم. وهكذا يكون الحق في الفلسفة والتفلسف للجميع من قاعات الدرس إلى الفضاء العمومي في مناقشة موسعة للقضايا التي تهم الشأن العام بهدف البحث في مشاكلنا والارتقاء بالذوق وتحسين العقل وتمكين الناس من آليات التفكير الفلسفي والحق في الاختلاف.

فالحق في التفلسف وفق رؤية المفكر طه عبد الرحمن ينبع من صميم تهيئة مفاهيم في السياق العربي في ضرورة تأسيس فلسفة عربية تفك الارتباط بالفكر الفلسفي الغربي. خصوصية الفلسفة تنطلق من البيئة الثقافية والحق في الاختلاف وتجاوز منطق الكونية الذي يفيد التفكير بالسياقات والآليات التي أطرت الفلسفة في مشهدها اليوناني والغربي على السواء. تكييف المفاهيم من قلب الثقافة العربية للرفع من آليات التفلسف في إنتاج أفكار ومذاهب. في خلق فلسفة مميزة بمفاهيم نابعة من الثقافة العربية يمنحنا فكرة أن الفلسفة يمكن استنباتها بدرجة أقوى في مجالنا عندما تكون المفاهيم المتداولة من قيمنا وليست نابعة من ثقافة الآخر. عندما أنشأ المأمون بيت الحكمة من خلال رؤية منامية كانت بالفعل الفكرة صائبة في نشر الفكر المضاد لكل نزعة منغلقة ومجابهة التهديد من قبل الفرق والنحل الأخرى. ومقارعة الأفكار بآليات التفكير الفلسفي.

حاجتنا للفلسفة والتفلسف من منطلق ما في قيمنا من دعوة للحكمة والتبصر والتعقل. والنظر في الوجود والموجودات. والحق في التفلسف مبني على حجة أن التفكير الفلسفي كوني وشمولي من جهة الإلمام بآليات الفلسفة بالطريقة التي وضع معالمها اليونان ولكن بالعقلية العربية في تحقيق خصوصية مميزة للفلسفة العربية الإسلامية. كتب عبد الرحمن بدوي عن الفلسفة الإسلامية في موضوع شامل عن للتفكير الفلسفي. وكتب محمد عابد الجابري عن التراث الفلسفي في الشرق والغرب، عن معالم فلسفة ابن سينا وعقلانية الفارابي وقمة الفكر الفلسفي لابن رشد في بناء منطق يروم الحق في الفلسفة والتفلسف. من منطق ما في فلسفة أرسطو بالذات من ميل نحو الوسطية والأخلاق المتوازنة وتوازن النسق الفلسفي. وما في الشريعة الإسلامية من مقاصد وغايات قصوى كالفلاح والصلاح والخير العميم للفرد والمجتمع.

هنا يبدو أن الحق في التفلسف مشروع في بناء الإنسان على التفكير المنطقي السليم وتحسين المدارك وإصلاح العقل من ترسبات التقاليد والقيم البالية وإصلاح الذات في بعدها الأخلاقي من خلال تربية النفوس وتهذيبها بالعلم والنقاش وروح التعايش على أساس الاختلاف وبناء المجتمع بدون عقد نفسية وكوابح اجتماعية. وهذا يستدعي في البيئة العربية الإيمان بقيمة التفكير الفلسفي في بناء الفرد والمجتمع إيمانًا بالوحدة بين المشروع الفردي والمشروع المجتمعي. فالحق في التفلسف يقتضي تعميم الفلسفة في كل الأوطان العربية حتى لا تبقى الفلسفة حبيسة عند النخب أو عالقة في سياسة الرفض والنبذ بدعوى الإساءة للدين والتعارض مع الإيمان أو أسباب أخرى ظلت لصيقة بالفلسفة في محاربة بعض الفقهاء وتحالف الفقيه ورجل السياسة في قص أجنحة الفلسفة من زمن الغزالي ونزعة الفكر الأصولي.

فالحق في التفلسف يتجلى في الجانب الديداكتيكي ونقل المعلومات والآراء وتحليلها في السياقات المتنوعة إلى تعلم آليات التفلسف وتجريبها في الواقع المادي أو لنقل التمكن من المهارات والمعارف وتعبئتها في سياقات معينة عندما يكتسب المتعلم مجموعة من الكفايات في الدرس الفلسفي. ويصبح هذا الدرس مدخلًا لتعلم التفلسف والتدرج بالتفكير الفلسفي من مجال المواقف الفسلفية إلى إنتاج أفكار ذاتية تساهم في خلق نماذج فلاسفة في عالمنا.

فتجربة الدرس الفلسفي في الجامعات العربية والثانويات خلق انطباعًا إيجابيًا عندما تمرست عقول وذوات في التفلسف وأفسحت المجال للقول بأن هذا العالم يتوفر على طاقات ونخب ساهمت في إنعاش الفلسفة والتفلسف. من نجيب بلدي ومحمود سامي النشار وعبد الرحمن بدوي ومحمد عزيز الحبابي ومحمد عابد الجابري والطيب تيزني والقائمة طويلة. هكذا يعتبر الحق في التفلسف مشروع وحق أصيل. ومن حق الشعوب العربية أن تسلك طريقًا في ترسيخ الفلسفة والدرس الفلسفي واستنبات التفكير الفلسفي في قلب المدرسة والأسرة والمجتمع وما تقدمه الفلسفة من تنوير وإمكانية بناء الحداثة وفق مقياس الثقافة. طموح النخبة ورغبة المثقف لإرساء مجتمع مدني وعقول متنورة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فلسفة
عرض التعليقات
تحميل المزيد