في الآونة الأخيرة كان تركيز السلطة الفلسطينية في الحديث عن ملفات داخلية بما يخص شؤون إقامة الدولة، وإنماء أجهزتها، وحكومتها، ومؤسساتها، ووظائفها، ومهامها ضمن إطار محدد، والابتعاد شيئًا فشيئًا عن الحديث والعمل في القضايا الجوهرية التي تشكل صُلب الصراع، مثل حق العودة، واللاجئين، وقضايا الضم، والاستيطان، والقدس، والمياه، والأسرى.. إلخ، التي باتت نسيًا منسيًّا، هي في الواقع مؤشرات ذات دلالات ليست بالهينة، منها:

إن وسائل العمل التي تمتلكها السلطة الفلسطينية، والتي يهيمن عليها المتنفذون داخلها أولًا وإسرائيل ثانيًا، بدوره أسقط العديد من معاول البناء من يد السلطة، كما أنه خلق سقفًا عامًا لسياسات السلطة ووظائفها، لا يمكن تجاوزه. وفي ذلك لا أبرئ الجسم العام للسلطة الوطنية.

إن السلطة الفلسطينية حتى الآن لم تتخيل نفسها منفردة في مسؤولية إعمار وإنماء سياسة البلد واقتصاده بمعزل عن شراكة إسرائيل ودورها، وبالمعنى المجازي لهذه النقطة، ظهر في تصريحات علنية على ألسنة بعض الساسة.

إن افتعال مفهوم «الاقتصاد الوطني» وهو في الحقيقة «الاقتصاد» حكر على بعض الشخصيات القليلة في الوطن، أصحاب المشروعات الرأسمالية الخاصة، هو جزء لا يتجزأ من حالة الشلل السياسي التي تشهده المنظومة ككل؛ لأنه لا يمكن لنا فصل الحديث في المشهد السياسي بمعزل عن المشهد الاقتصادي أو العكس، ولأنه لا يوجد ضمان لمشروع اقتصاد وطني خارج عن منظومة النظام السياسي، وخاضع لهيمنة ثلة من الرأسماليين الذين رسموا معالم المرحلة التي نشهد، فإن إنماء مشروع الاقتصاد الوطني وحمايته، مسؤولية سياسية وطنية لا غير ذلك.

إن السلطة الفلسطينية اليوم في مرحلة الإدارة بالأزمة، وليست إدارة الأزمة، وهذا لا يحسب لها، بل العكس تمامًا؛ لأن هذه السياسة بحد ذاتها ضوء ساطع يكشف حالة الاستسلام والعجز التي تمر بها بعض مؤسسات السلطة والحكومة.

الحكومة التي شغلت نفسها في قضايا العجول المستوردة، هي تقر بأنها عاجزة عن معالجة قضايا البطالة المستفحلة، وعاجزة عن إنشاء مشروعات حكومية قادرة على استيعاب الكفاءات المدفونة، كما وتُقر أيضًا بأنها فشلت في إيجاد منهجية تعمل من خلالها على إبقاء القضايا الرئيسة التي تعد لب الصراع، في ذهنية الفلسطيني أينما حل وارتحل.

لقد انعكست حالة افتقار السلطة الفلسطينية لبرنامج سياسي إنمائي وطني وتحرري، وفق رؤية فلسطينية جامعة، إلى انشغال الجمع الفلسطيني وحديثهم في قضايا داخلية ثانوية، كالازمات المالية والعجول والزيتون، وقضايا إقليمية أخرى أخرجت من الجمع الفلسطيني خبراء ومحللين للظواهر السياسية والاجتماعية والحراكات العربية؛  فقد أخرج مجمل هذه التحولات منظومة مجتمعية مغيّبة عن الحالة التي يستوجب علينا كفلسطينيين أن نعود إليها ونعمل بها، أين نعود وإلى ماذا نعود؟ إلى المكان الذي كنا نتحدث فيه عن اللاجئين وعن الأسرى وعن المسرى وعن التهويد؛ فلم يُخلق الفلسطيني ليعيش في جسد مبتور الأيادي، مبتور الأرجل، وفاقد للحواس،  فإن لم نفعل فهنا تكون البوصلة قد حُرفت عن الحديث والعمل في لب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. حق العودة، الأسرى، القدس، الضم، والاستيطان، و… إلخ، ونكون حينها ابتعدنا شيئًا فشيئًا، وهنا نكون قد وقعنا في الجرم.

لعلي ختامًا أقول بكل خجل وأسف: «هذا ما جناه أوسلو علينا، وهذا ما جنيناه على أنفسنا».

والسلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد