واعلم يا صديقي أن جولة الباطل ساعة، كما قالوا لك، ولكنهم أخطأوا عندما عينوا جولة الحق، فقد أخبروك بأنها «إلى قيام الساعة»، كان يغلب عليهم اﻷمل أو الحمق أو اﻹحباط الشديد، لذا كانوا يقولون ما يقولون، فمنهم من يقوله لحثك ونفسه على السعي، ومنهم من هو مثلك، ومنهم من قاله ليهون عليك ونفسه ساعة الباطل، ساعة الباطل هذه التي من وقت هؤلاء، لا ليس هؤلاء، بل هؤلاء الذين سبقوا هؤلاء السابقين لهؤلاء الذين قد سبقوا.

أرأيت كم هي طويلة ساعة الباطل وشاقة، مذ أمد بعيد وهي قائمة، فيفنى الناس بل يفنى كل شيء ويأتي غيره وهي كما هي قائمة، ثم إذا تخللها الحق على استحياء رنم الناس ورتلوا تمجيدًا له وقالوا فيه ما لا يعقل، حتى يقول أحدهم في نفسه: «يبدو أنها هي -جولة الحق- قد انتظرتها من سنين وهَا هي اﻵن أراها رأي العين، فلتبتهج اﻷشجار، وتغرد الطيور، وليبتسم الناس في صفاء، ولتسعد هذه الصغيرة في بقية عمرها، وليذهب هذا الوجه العابس إلى الجحيم، فلينل الشرفاء قسطًا من الراحة، ولتُشف صدور هؤلاء المغلوبين، وليُلعن هؤلاء الظلمة، ولتحل اللعنة أيضًا على الأفاقين».

ثم تذهب -جولة الحق- سريعًا هكذا في هدوء، أو ربما في صخب ملطخ بالدماء، أو ربما بدهاء بمساعدة المغلوبين أنفسهم! فقط تذهب.

فاعلم يا صديقي أن جولة الباطل ساعة، وهي طويلة، طويلة جدًّا حد اليأس، ولكن، دعني أخبرك قبل أن أكمل بأني أحيانًا أحب هذا الحرف «لكن» لكونه مخرجًا مما هو قبله، ولكونه قبلة حياة لما بعده، وأحيانًا كثيرة أبغضه بغضًا شديدًا حتى إني شبهته في إحدى المرات بهادم اللذات، لكون ما قبله أحيانًا جميلًا مبهجًا، ثم يأتي كصاعقة من السماء «ولكن» .

اﻵن أنت تعلم أن جولة الباطل ساعة، لكنها طويلة جدًا حد اليأس، ولكن الناظر فيما سبق من أزمنة سيجد إضاءات من حين إلى آخر، نعم متباعدة، بل شديدة البعد بعضها عن بعض، بل لعل أغلبها حدث في مناطق بسيطة غير معقدة على خلاف زمننا هذا، فهذه هي إضاءات الحق التي لا تبقى إلى قيام الساعة، فقط تبقى ببقاء من يردها، من يردها بصدق، من يردها على نفسه ابتداء، فأولئك الذين يردونها حتى لو كانوا لا يجدون إلا جهدهم؛ سيرونها.

نعم ربما لا يرونها -جولة الحق- في العالم كله، أو حتى في بلدهم، أو حتى في مجتمعهم الصغير، لكن حتمًا سيرونها في حياتهم الخاصة، وفي تجربتهم الشخصية، لعلك اﻵن تظن أننا عدنا مرة أخرى للكلمات الرنانة الهشة أو بأسلوب آخر السماجة، لا تكن سيئ الظن، بل كن على يقين! نعم عدنا مرة أخرى لهذه السماجة المبتذلة، ولكن هذا هو الجزء السمج «حتما سيرونها في حياتهم الخاصة وفي تجربتهم الشخصية»، الذي لا أعقله، لكني مؤمن به، نعم مؤمن به، مؤمن به ﻷني أشفق على نفسي وعلى غيري من أن نسعى دونما أن نرى ثمرة هذا السعي، ولكن هل هذا وارد؟ للأسف نعم، بل ربما هذا هو الشائع حدوثه، وربما رأيت ذلك، بل ربما من أولئك الكرام الذين بذلوا أنفسهم من أجل هذه الجولة -جولة الحق- كانوا من أصدقائك، وهَاهُمْ قد رحلوا دونما أن يروا جولة الحق، بل إنك أنت لم ترها، لم ترها تثأر لهم، لم ترها تشكر لهم سعيهم، لم ترها تشفي صدور ذويهم بعد، بل لعلك ترحل ولن ترى شيئًا.

أريد أن أصارحك بشيء ليس هناك ما يُسمى بـ«جولة الحق» هذه كذبة، لا ليس كذبة نَيسان «أبريل» بل كذبة كل اﻷزمان، نعم هذا هو المصطلح اﻷحمق الذي يدعوك للانتظار، انتظار جولة الحق عندما تأتي، انتظار قائد هذه الجولة، انتظار أن يفيق الناس ونفيق معهم، عندما قرأت «لم ترها تثأر لهم» كان المقصد «لم تثأر أنت لهم»، عندما قرأت «لم ترها تشكر لهم سعيهم» كان المقصد «لم تشكر أنت لهم سعيهم»، عندما قرأت «بل لعلك ترحل ولن ترى شيئًا»، كان المقصد «بل لعلك ترحل ولن تفعل شيئًا»، ولكن مررت هذا كله وأنت تلقي باللوم على «جولة الحق» التي تأخرت عنك ليس لأنك تصدق بأن هناك ما يُسمى بـ«جولة الحق»، ولكن لأن هذا أكثر راحة لنفسك ولنفسي، فأنا وأنت جولة الحق التي تأخرت، تخاذلت، تجاهلت، فرطت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد