إن حفظ كرامة الإنسان ورعاية حقوقه من أهم متطلبات الاستقرار والنماء في المجتمع، ويتأكد ذلك في الأوضاع الخاصة التي قد يتعرض لها الإنسان؛ فالطبيعة البشرية، والظروف المحيطة، وسيطرة الرغبات على النفس البشرية تجنح بالإنسان وتدفعه للوقوع في الخطأ.

ومع ذلك فإن تعاليم الشرائع السماوية، ومنطق العدالة التشريعية يلتمس في جميع الظروف مراعاة الحقوق لجميع الأطراف المتأثرة بهذا الخطأ، فيعيد لصاحب الحق حقه، ويرفع الضرر الواقع والمتوقع، وفي ذات الوقت يحاسب المخطئ على قدر خطئه ولا يسلبه حقوقه الأخرى وما ليس له علاقة بخطئه المرتكب.

فحماية الحرية الشخصية تقتضي عدم المساس بها، إلّا لضرورة تقتضيها مصلحة المجتمع في حماية أمنهِ واستقراره واقتضاء حقه في العقاب، وإزاء التخوف من تحكم السلطة وتجاوزها الحدود الضرورية؛ لحماية المجتمع على حساب الحرية الشخصية، فإنه من الضروري حماية الأخيرة من هذه التجاوزات.

إذ إن التوازن بين الحقوق والحريات الشخصية، وبين مصلحة المجتمع في تحقيق أمنه واستقراره واقتضاء حقه في ملاحقة المذنب ومعاقبته، إنما يكون في إطار افتراض براءة المتهم حتى تثبت إدانته بحكم قضائي بات مسبوقًا بإجراءات تكفل له حق الدفاع عن نفسه.

ويعدُّ حق الاستعانة بمحامٍ من الحقوق البارزة والمهمة بين حقوق الدفاع، فيستطيع المحامي من خلال حضوره مراقبة التحقيق، ويمنع أي إساءة لاستعمال السلطة، كما أن حضوره يبعث الطمأنينة لدى المتهم من جهةٍ، ويذكره بحقوقه من جهةٍ أخرى.

مفهوم حق الدفاع

اختلف الفقهاء حول تحديد ماهية حق الدفاع فذهب بعضهم إلى القول بأن حق الدفاع هو حق المتهم في محاكمة عادلة مؤسسة على إجراءات مشروعة، وذهب رأي إلى القول بأن حق الدفاع هو تمكين المتهم من أن يعرض على قاضيه حقيقة ما يراه في الواقعة المسندة إليه، ويستوي في هذا الصدد أن يكون منكرًا اقترافه الجريمة المسندة إليه أو معترفًا بها، فهو وإن توخى من وراء إنكاره الوصول إلى تأكيد براءته، فقد يكون اعترافه مبررًا ما أحاط به من ظروف وملابسات قد يكون من بينها ما يدل على أنه كان في حالة دفاع شرعي، أو يبين بعض الظروف المعفية من العقاب أو المخففة له.[1]

كما عرف حقوق الدفاع بأنها مفهوم مجرد عبر عنه القانون الوضعي بأنه عبارة عن مجموعة من الامتيازات الخاصة أعطيت إلى ذلك الذي يكون طرفـًا في الدعوى الجنائية.[2]

في حين يعرف بعضهم الآخر حقوق الدفاع بأنها تلك المكنات المستمدة من طبيعة العلاقات الإنسانية، والتي لا يملك المشرع سوى إقرارها بشكل يحقق التوازن بين حقوق الأفراد وحرياتهم وبين مصالح الدولة، وهذه المكنات تخول للخصم سواء أكان طبيعيًّا أم معنويًّا إثبات ادعاءاته القانونية أمام القضاء، والرد على كل دفاع مضاد، في ظل محاكمة عادلة يكفلها النظام القانوني.[3]

ويعترف القانون للخصم بالاستعانة بمحام.[4]

ولقد شاركت المحاماة وما تزال تشارك في تأكيد سيادة القانون، وتحقيق العدالة ودعت إلى كفالة حق الدفاع فكانت دائمًا هي المدافعة عن الحرية وكرامة الإنسان بوجه عام.

ولكن القاعدة العامة في هذا الشأن هي أن للخصوم الحرية في اختيار من يدافع عنهم، وبه فإنه لا يجوز للمحكمة أن تمنع الخصم من الدفاع عن نفسه شخصيًّا سواء عن طريق المرافعة الشفوية أو تقديمه مذكرات، وأن تتطلب لذلك تمثيله عن طريق مدافع؛ لأن هذا يعد قيدًا على حقوق الدفاع بغير مسوغ قانوني مما يعتبر إخلالًا بهذه الحقوق.[5]

وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي لا سبيل إلى الجدال فيها، وهي أنه إذا كانت المواثيق والعهود الدولية والدساتير والقوانين الوطنية، كل يضع الأطر الموجهة لحماية حقوق الإنسان مع إعلان هذه الحقوق والدعوة إلى الالتزام بها، إلا أن فاعلية الحماية تكمن في العنصر البشري، من أجل ذلك نعتقد أن أهم عامل في إقامة المجتمع السليم الواعي لحقوق الإنسان الحامي لها يكمن في تربية أساسية تؤهل الأجيال الطالعة لحياة تُحترم فيها حقوق الإنسان، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال التركيز على دراسة حقوق الإنسان في مصنع رجال العدالة الجنائية؛ كليات الشرطة، والقانون، ومعاهد المحاماة.

————————–

[1] د/ حسن صادق المرصفاوي – ضمانات المحاكمة في التشريعات العربية – مطبعة محرم بك – الإسكندرية – 1973 – ص92.

[2] د/ هلالي عبد الله أحمد – المركز القانوني للمتهم في مرحلة التحقيق الابتدائي – دراسة مقارنة في الفكر الجنائي الإسلامي – ط1- دار النهضة العربية – القاهرة -1989-ص-138..

[3] محمود صالح محمد العادلي – حق الدفاع أمام القضاء الجنائي – دراسة مقارنة في القانون الوضعي والفقه الإسلامي – رسالة دكتوراه – جامعة القاهرة 1991- ص 23.

[4] «م83/1 قانون المحاماة المصري». القانون رقم 17 لسنة 1983–بشأن إصدار قانون المحاماة- الجريدة الرسمية العدد 13 تابع فى 31/3/1989.

[5] الدكتور وجدي راغب – مبادئ القضاء الخاص – قانون المرافعات- دار الفكر العربي – القاهرة – ط 1 – 1986/ 1987- بند 95 ص163.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد