يعد الكسل من المحظورات في عالمنا الاجتماعي، الكسول رمز وفي للتعاسة يحتاج يد المساعدة لانتشاله من الضياع، يكفي أن تقول «أفضل ألا أفعل»، وقبل أن تكمل الجملة ستحاصر من أمثال ستولتز صديق إيليا إيليتش أوبلوموف الشخصية الرئيسية في رواية «أوبلوموف» للكاتب الروسي إيفان غونتشاروف، إذ حاول بمختلف الطرق «إنقاذه» من طريق الضلال هذا بأن يصبح مثله بعقلية ألمانية تقدس العمل وترفض بشكل قاطع مظاهر الكسل.

الطبيعي الآن هو الانشغال الدائم بفعل أمر ما، ألا تفعل شيئًا هو أمر شاق، هناك صوت داخلي يطالبك دائمًا بالتحرك، وإن لم تجد ذلك الصوت المرير ستطالعه في وسائل التواصل الاجتماعي، وفي المنزل من الأهل، وعلى ملصقات الإعلانات، غدا الكسل صعب المنال، والمطالبة بالحق فيه درب من الكفر؛ فالغاية تبدلت من العمل لاقتناص وقت فراغ ثمين إلى تحويل وقت الراحة لوسيلة للتقدم في العمل.

في مقدمة كتاب «الحق في الكسل» يقتبس الكاتب الفرنسي بول لافارغ قول أدولف ثيزر: «أريد أن أجعل لكل رجال الدين نفوذًا قويًا؛ لأنني أعول عليهم لنشر هذه الفلسفة الجيدة التي تعلم الإنسان أنه جاء هذه الدنيا ليعاني، وليس الفلسفة الأخرى التي تقول له العكس؛ استمتع».

ويستنتج لافارغ بأن مصدر الحب السخيف للعمل، وتحويله لديانة تشمل البشرية جمعاء، جاء في الأصل من «رجال الدين والاقتصاديين وصناع الأخلاق»، وهو مجرد غطاء أيديولوجي يهدف إلى رفع الإنتاجية إلى أقصى حد على حساب الطبقة العاملة مع إنهاك قواها وحرمانها من متع الحياة وأفراحها وتحويلهم دون شفقة ولا رحمة، إلى مجرد آلة للربح يستفيد منها فقط أصحاب رأس المال.

ويبدو أن الغيمة التي تغطي العالم الآن فرضت العودة إلى كتابات لافارغ لإزالة الطابع البديهي لتقديس العمل، والتوقف عن المطالبة باللحاق بركب العالم، واستدراك الفرص، إلقاء اللافتات المطالبة بالحق في العمل في أقرب سلة مهملات وكتابة أخرى جديدة رافعة شعار المساواة في الكسل والعمل دون تمييز اجتماعي.

ربما حان الأوان لاستعادة أغلى ما يملكه إنسان قادر على الإحساس والتفكير، ألا وهو الوقت؛ فلكل شخص الحق في تبديد وقته كيفما يشاء بدلًا عن أن يصبح عبدًا له من خلال إيمانه بأن العمل هو الغاية من الوجود الإنساني.

«الدليل الحقيقي على سيادة المرء على الوقت هو قدرته على تبديده» – آرون شوستر

وعن هذا يقول آرون شوستر «أن تعيش على هذا النحو يعني أن تعيش محكومًا بموتٍ مؤبد، وإذا ما شئتَ أن تتذوق شيئًا من طعم الخلود عليك أن تفعل نقيض ذلك تمامًا: كُن غير منتِج، لا تفعل شيئًا، ابتهج بتبديد وجودك».

عبر بوريس فيان عن تلك العلاقة في رواية رغوة فوق حلم اليقظة بالحوار التالي:

تتساءل كلوي، هل هي غلطتهم أن ظنوا أنه من الجيد أن يعملوا؟

كولن، لا، ليست غلطتهم. وإنما لأنه قد قيل لهم: العمل مقدس، إنه حَسَن، إنه لطيف، إنه ما يهم قبل أي شيء آخر، وإن وحدهم الذين يعملون لهم الحق في أي شيء. العيب الوحيد أن الأمور مُعدَّة بحيث يعملون طوال الوقت، بما لا يسمح لهم بالاستفادة من العمل.

ردت كلوي، لكنهم بذلك يكونون أغبياء.

كولن، نعم، هم أغبياء. ولذلك هم يتفقون مع أولئك الذين جعلوهم يعتقدون أن العمل هو أفضل ما هنالك. الذين خَلَّصوهم من التفكير ومن إيجاد سبيل للتقدم وللتوقف عن العمل.

«وأنت في طريقك للبحث عن حياة، لا تنس أن تعيش» – محمود درويش

يلجأ الكثيرون من كسالى الفكر، أو أصحاب المصالح لتصدير الكسل كأيدلوجية تحول المشاكل الاقتصادية والاجتماعية لمشاكل نفسية وأخلاقية تقع على عاتق الفرد، فمن الصعب عليهم تفسير العالم المعقد حولنا أو ليس لهم مصلحة في فك العقدة، والأسهل التنصل من المسؤولية بتحويلها لمشكلة فردية تخص كل فرد على حدى، فالفقير كسول لأنه لم يبذل جهدًا كافي لكي يصبح غنيًا، والجاهل اختار ذلك بإرادته ولم تمنع عنه سبل المعرفة الصحيحة.

توقف عن محاولة أن تكون منتجًا

هناك هوس في مواقع التواصل الاجتماعي بالإنتاجية واستغلال الوقت، تلك الصيحات تتردد منذ وقت بعيد، لكنها وصلت عنان السماء مع تفشي جائحة كورونا حتى أصبح جميع أصدقائي مدربي تمنية بشرية محترفين، بالنسبة لي أشعر بالإرهاق، وقضيت أسابيع طريح الفراش أعاني من عقد الذنب، ابتلعتني دوامة القلق وجلد الذات حتى أن عملية الكتابة التي كانت وقت سعيد يشبه الدخول في علاقة حميمية، أرهقتني، لماذا لم أعد أكتب مثل السابق؟ لماذا أصبحت الأفلام مملة، ولا أملك طاقة حتى للخروج إلى الشرفة والنظر للفراغ.

تشير آن هيلين بيترسون لتلك الحالة بقوله: «لقد اعتدنا جعل كل لحظة من أوقاتنا منتجة بطريقة ما. على سبيل المثال أنا أتمشى في نزهة، أصبح لا بد عن الاستماع إلى بودكاست معلوماتي كي أكون مثقفة أو أصير شخصًا أفضل». تلك الرغبة الجامحة التي تدفعنا نحو الجنون، يقابلها خيار ثاني وهو الإحباط، أبيض أو أسود، خير أو شر، وكأن العالم لا يوجد به خيار ثالث يتمثل في بعض الراحة.

في مقال لأستاذة العلوم السياسية بجامعة تورونتو عائشة أحمد، تنصح بالبعد عن «دعارة الإنجاز والإنتاجية»، وتقول بعد ذلك: «تتطلب تحولاتنا الذهنية الأساسية التواضع والصبر، ركز على التغيير الداخلي الحقيقي. ستكون هذه التحولات البشرية صادقة، ساذجة، قبيحة، متفائلة، محبطة، جميلة، كن بطيئًا ولا يهمك، دعها – الجائحة – تغير طريقة تفكيرك وكيف ترى العالم. لأن العالم هو عملنا، ربما تهدم هذه المأساة جميع افتراضاتنا الخاطئة وتعطينا شجاعة الأفكار الجديدة الجريئة».

يمارس أصحاب المصالح الذي أشرت لهم في فقرة سابقة سادية لا تمت للإنسانية بصلة، تتحكم بنا، والغريب أننا أصبحنا نستقبلها بمازوخية مثيرة للإشمئزاز، عادة ما يُنظر للكوارث على أنها حيادية تصيب البشر دون تمييز والحقيقة أنها وحش يلتهم ويمزق بأسنانه الضعاف ممن يطالبون بالعمل وتطوير الذات دومًا حتى يمضي بهم العمر دون جدوى ودون أن يعيشوا حياتهم حقًا.

ربما أصبح في عالمنا كثير ممن يقبلون أن يصبحوا عبيدًا أكثر كفاءة لديانة العمل، كما سماها بول لافارغ، الوقت هو المال، يحسب المكسب الآن في أجزاء من الثانية، لكن ما يجدر بنا حقًا هو المطالبة بالحق في الكسل، نتوقف عن لوم أنفسنا، ونشعل سجارة ننفس دخانه في وجه كل اقتصادي سادي، الآن أكثر من أي وقت مضى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كسل

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد