إن ظهور طفل معاق بشكل عام، أو توحدي بشكل خاص في أحد بيوت مجتمعنا الشرقي، لهو أمر ينبئ بكارثة وقعت، فتبدأ محاولات أفراد الأسرة بالتخفيف من احتكاك طفلهم بالعالم الخارجي، وكأنه العار الذي لحق بهم، مع أن الأمر أيسر من ذلك، وقد يكونوا بتصرفهم هذا قد زادوا الأمر سوء، والعالم أصبح أكثر ظلمة في أعين طفلهم الصغير.

فسنتطرق في حديثنا عن التوحد (Autism) أو الذاتوية وهو عبارة عن اضطراب نمائي يحدث للطفل، ويظهر خلال الثلاث سنوات الأولى، وينتشر هذا الاضطراب حسب الإحصاءات بالولايات الأمريكية لدى 2 : 6 أطفال من بين كل 1000 طفل، وتكون نسبة الإصابة بين الذكور إلي الإناث 1 : 4.

والطفل التوحدي هو طفل لا يحب المشاركة الاجتماعية، وعادة هو شخص انطوائي يحب اللعب وحده، ولا يلجأ إلى العناق أو التقبيل، وقد لا يستجيب عند مناداته باسمه، ويبدو عليه أنه لا يدرك المشاعر والأحاسيس للآخرين، لا يقوم بالاتصال البصري المباشر مع الآخرين، وله أيضا مظاهر أخرى عديدة، ولكن عرضنا أشهرها.

أسباب التوحد

وتختلف الأسباب المؤدية للتوحد فهناك أبحاث أجريت وأوضحت أن السبب قد يكون بيولوجيا أو اختلافا في تركيب الدماغ أو اضطرابات جسمية، فلا يوجد حتى الآن ما يوضح سبب إصابة الأطفال بالتوحد.

ويقع على عاتق الأسرة حمل كبير، وجزء أكبر في علاج الابن التوحدي، وتكون أولى خطوات العلاج بالاكتشاف من قبل الوالدين لأمر ما مريب قد يحدث، ودلالات وعلامات بدأت تطرأ على طفلهم، ومن هذه الأمور التي يجب الانتباه إليها:

أولا: أن يكون الطفل قد أنهى عامه الأول دون محاولة منه للكلام، أو ما تسمى بمرحلة المناغاة (وهي مرحلة تبدأ من الشهر الثالث حتى الخامس، وهي أصوات متحركة أمامية (ي ـ ي ، أ ـ أ) أو سواكن أمامية يؤديها الطفل تلقائيا وحده، وأحياناً عندما يكلمه الآخرون) وأيضاً عندما ينهي الطفل عامه الأول دون استخدام التلويح أو الإشارة باليد.

ثانيا: إتمام الطفل سنة ونصف السنة دون أن يتلفظ بكلمات مفردة؛ فمن المفترض لمن هو في مثل عمره أن يكون لديه حصيلة من المفردات، تقدر بحوالي 20 كلمة عند قدوم آخر ربع في عامه الثاني، حيث يشرع في تكوين جمل بسيطة.

ثالثا: بلوغ الطفل العامين وعدم استخدامه جملا مكونة من كلمتين، وتكون من صنعه هو، وليست نتيجة تكراره لما يقوله الآخرون.

فهذه بعض دلالات ذاتوية الطفل (توحده)، وهي المرحلة الأولى في طريق العلاج السليم تليها خطة استشارة الطبيب.

علاج التوحد

أولا: علاج طبي، فما زالت تقام التجارب للبحث عن العلاج الخاص بالحد من التوحد وآثاره، إلا أنه لم يتوصل لأي منها حتى الآن، ولكن يوجد علاج لبعض الأمراض التي قد تصاحب التوحد كالصرع.

ثانيا: علاج تربوي (التأهيل)، وهذا لا يكون القائم عليه، إلا المتخصصون في مجال التربية الخاصة، بحيث يبدأون في وضع خطط فردية وبرامح تعليمية خاصة بالطفل، تساعده على سد احتياجاته المركبة، مع ضرورة وجود برامج التواصل عن طريق جلسات التخاطب.

ثالثا: العلاج النفسي وتعديل السلوك، ويقوم بالدور الأكبر فيه الآباء، بحيث يتم توعيتهم وتقديم الإرشاد والنصح لهم، وذلك بسبب الأثر النفسي السيئ عليهم، وأيضاً لتعريفهم بكيفية التعامل مع الوضع الراهن، ومعالجة الأمر بشتى الطرائق المتاحة، وبشكل سليم، بحيث يتأقلمون مع الواقع المفروض عليهم.

وفي كل الأحوال، فطرق العلاج الموجودة، سواء أكانت طبية أو نفسية وسلوكية أو تربوية فما هي إلا أساليب تعمل على التخفيف من آثار وسلبيات أعراض التوحد، وجعل الطفل يتقبل الوضع ويتأقلم على العيش به؛ لكي لا يشعر بالدونية، أو كراهية الذات والشعور بالنقص.

ولا يمكننا أن ننكر أن التوحد يقف سدا مانعا ليحول بين أبنائنا ونموهم الطبيعي كباقي أقرانهم، وأيضا فإن التوحد يضع علينا فرضا بأن نكون بجوار أبنائنا، نحبهم وندعمهم وندافع عنهم، بشتى الوسائل والأساليب التي تشعرهم بحبنا لهم وأننا بجوارهم، ونتقبلهم كما هم ونفخر دائما بنجاحاتهم، فالطفل التوحدي طفل بريء ذو قلب طيب ومرهف وحساس، يبحث دائماً عن الطمأنينة في عالم يجده مريبا وغريبا بالنسبة له، فنقاء روحه يعتمد عليه نموه وازدهاره في وسط العالم وحده.

كما يجب التعامل مع التوحد على أنه يقف بين الطفل وطبيعته، وليس بأنه جزء منه، فالأمر يختلف كثيرا.

أبناؤنا سنحاسب عنهم، فإن شئنا كنا عوامل العون والسند والبناء لهم، وإن شئنا كنا عوامل الهدم لذواتهم، ولما تبقى بداخلهم يمكن إنقاذه، فلنتق الله فيهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

أسامة فاروق مصطفي (2015) ، اضطرابات التواصل بين النظرية والتطبيق، ط2 ، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة
عرض التعليقات
تحميل المزيد