قابيل لا يزال يعيش بيننا

نَعرف أنّ أَوّل جريمة بشريّة هي الّتي اقترفها قابيل في حقِّ أخيه هابيل؛ ومُنْذُ ذاك الحين لا يَزال قتْل النّفس سيّارًا عبْر التّاريخ وحتّى الوقت الحالي رغم تَقدُّم العلوم والمَعارف والتّكنولوجيا؛ وانتشار الإسلام الحنيف في بقاع الأرض بِتفاوتٍ!

إنّ حقَّ الإنسان -أيّ إنسان- في الكون هو أَولى الحقوق البشريّة لأنّها تَتّصل بوجود الإنسان نفسه؛ خلَق الله آدم أَوّل إنسان فكان أبو البشريّة؛ وسخّر له ما في الأرض لإعمارها بِما يَنفع النّاس؛ صار اليومَ سبعة مليارات إنسان على هذا الكوكب الأزرق؛ وقدْ يفوق تسعة مليارات عام 2050 حسْب تقرير للأُمم المُتِّحدة.

بعْد تأمُّل في تاريخ الإنسان المخلوق مِنَ الخالِق؛ حيث خلَقه بِروحٍ لا يَمنحها إلّا خالِق؛ أسأل: لِماذا يَقتُل بنو آدم أنفسهم أو غيرهم؟! لِماذا يُساعِد الإنسان إنسانًا على إراقة دَمِ إنسان؟! لِماذا يُحرِّض الإنسان إنسانًا آخر على سفْك دَمِ إنسان؟! كمْ قُتِلَ إنسانٌ مُذْ جُرْم قابيل حتّى الآن؟!

مُؤكََّد أنّ للأسئلة أجوبة تَنتظرها؛ لكنّ سؤالًا آخر يَطرح نفسه: هلْ للإنسان حقٌّ في قتْل الإنسان؟! سؤال بصيغة أُخرى: هلِ الخالِق سمح لأيّ إنسان قتْل أيّ إنسان؟!

ديمغرافيًّا؛ إنْ نَعرف عدد القتلى في العالَم بداية منَ الضّحية الأُولى؛ نَعرف عدد سكّان المعمورة حاليًا؛ هو دون ريب أكثر منَ العدد الحالي بكثير بِحُكم التّكاثر؛ لكن بِحُكم التّناحر يزور النّاس المَقابر؛ وكأنّ القتْل العمْد فخرٌ للإنسان!

نظرًا للتّكالب البشريّ على كنوز الأرض؛ وحُبِّ التّملُّك؛ تَسيل دماء النّاس أنهارًا كالمياه؛ تُحرَق الأجسام حرقًا؛ تُرمَى بأنواع الأسلحة الفتّاكة؛ تُسقَط عنها البراميل تلو البراميل؛ تُعدَم بأنواع كثيرة؛ يُباد النّاس جماعيًّا وفرادَى؛ يُقتَلون جوعًا؛ يُقتَلون عطشًا؛ يُقتَلون نزوحًا؛ يُقتَلون سِرًّا؛ يُقتَلون علانيّة؛ يُقتَلون في بلدهم؛ يُقتَلون خارج بلدهم الأصليّ … القتْل سِمة الجُناة؛ يَقتُلون أين شاءوا؛ ومتى شاءوا؛ وكيْف شاءوا! أيّ بشرٍ هؤلاء الّذين يَقتُلون النّاس؟! متى يَستفيق العالَم الحيّ؟! متى يَستفيق العالَم الحُرّ؟! متى يَستفيق الإنسان لحماية أخيه الإنسان في هذا الوجود؟! متى يَستفيق الإنسان لضمان حقِّ الحياة للإنسان -أيّ إنسان- دون استثناء دِين أو لسانٍ أو وطنٍ أو عِرقٍ أو جنسٍ أو لونٍ؟!

تَختلف تشريعات بُلدان العالَم في حماية حقِّ الحياة للإنسان؛ تَبدأ من حماية مفضولة وليست عادلة في دول تُعَدُّ على أصابع اليد؛ إلى الدّفاع عنِ النّفس بمعايير مُزدوَجة؛ إلى الإعدام بقوانين بشريّة لا تَزال مَثار الجدل؛ إلى الجنون في قتْل النّاس في رابعة النّهار وأسلحة نارية لا تُستعمل إلّا ضدّ الأعداء!.

كأنّ عهد النّازية والفاشية وعهود الاستعباد والاستدمار والاستبداد قدْ عادت –وإنْ بواجهات جديدة- لا يُدركها إلّا الحاذقون مِمّن خبر مَعاجم الظّلم عن كثب؛ وعَرف أبجديّات لسان العبوديّة وهي تَترنّح بيْن الشّعوب المُستضعَفة الّتي تموت ببطء؛ وكُلَّ حينٍ… لا أتكلمُّ هنا عن أنواع التّعذيب والإخفاء القسريّ والتّهديد بكُلّ شيء قاتل؛ أُشير -في هذه العُجالة- للقتل التّعسّفيّ الّذي نَسمع أخباره بيْن الفينة والأخرى كأنّنا في غابات تَحكمها الوحوش؛ ولسنا في بُلدان يَحكمها البشر.

إنّ القتل خارج القانون قدِ استفحل في البُلدان الّتي يَحكمها طواغيت هَمُّهم أنفسهم فقط؛ سواء أكانوا أُسودًا أَمْ ضِباعًا؛ يَغتالون البشر والحَجر؛ يَغتالون الأخضر واليابس… يَبيعون الشَّرف زمن حاجة الأُمَّة للشَّرف؛ يَتحالفون مع أعداء الأُمَّة زمن حِلف الأُمَّة… هلْ يُعقلُ أنّ شعوب سوريّة واليمن والعراق وليبيا ومصر وتونس والسّودان والأردن -وغيرها- تُمارِس العنف ضدّ حكّامها؟ وأنّ دماءها صارت مُستباحة بفتاوَى جاهزة من هنا وهناك… أمّا في فلسطين المُقاوِمة فلا يَزالُ العدوّ يَنتهكُ حقوق الشَّعب الفلسطينيّ الأبيّ صباح مساء.

نَعرف أنّ اللهُ وحده منَح الإنسانَ الرّوحَ؛ هلْ يَحقُّ لأيّ إنسان في هذا الكون أن يَنزع تلك الرّوح من إنسان آخر؟! وهلْ صارتِ الأرض غابة يَستأسد فيها مَن يَستأسد؟! تَحصد الحروب والفتن أعدادًا مَهولة منَ الضّحايا؛ البشريّة في غِنًى عنها؛ هلْ هكذا يُقاد البشر؟ هلْ هكذا تُحمَى الحقوق؛ حقوق الإنسان؟! هلِ الأُمم المُتَّحدة عاجزة فقط أَمْ فاشلة تماماً عن ضمان حقِّ الحياة للإنسان؟! مُبتدأ الإنسان حياة؛ لِماذا المُنتهَى قتْل؟!.

منذ مَقتل هابيل؛ لا يَزال قابيل يَعيش بيننا؛ آخر جرائمه الغدر بالصّحفيّ جمال خاشقجي في قنصليّة سعوديّة باسطنبول في تركيا!.

أَختِم: مَن يَضمن حقَّ الحياة للإنسان في الكون؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد