عرف العالم خلال العقود الأخيرة تنافسًا وصراعًا سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا بغية فرض هيمنة وسيادة على عدة مناطق، هذه الهيمنة والاستقواء تسبب بدوره في إضعاف العديد من الدول ذات الاقتصاد غير المتين، مما جعلها تفكر في حلول بديلة عن السوق العالمية لكبح انهيار اقتصادها. وقد كان من بين أهم ما أوصى به صندوق النقد الدولي هذه الدول بخوصصة مؤسساتها التي تستنزف ميزانيتها.

يعد الرهان على القطاع الخاص في التوجه الاستراتيجي جد مهم، واتخاذ دائرة القرار هذا الرهان يشكل نقطة انعطاف مهمة لكونه سيحل عدة مشكلات على كل من المدى القريب والبعيد، إلا أن هذا الرهان يجب أن يأخذ بعين الاعتبار أربع توجهات مهمة:

الاعتبار الأول: الخطة الاستراتيجية القريبة وبعيدة المدى

لا بد قبل طرح هذا التحول البنيوي والتوجه الاستراتيجي نحو الخوصصة أن يكون هناك رؤية واضحة للهدف المراد الوصول له، هل يتعلق الأمر بتوجه جديد؟ هل استند إلى إحصائيات سيسيولوجية وميدانية؟ هل سيلبي تطلعات المواطنين ورغباتهم؟ هل سيحل المشكلات من جذورها أم إنه فقط مُسكن لوعكة اقتصادية؟ هل هو توجه استراتيجي أم تكتيكي مرحلي؟ هل تم حساب نسبة الفشل؟ هل سينقل البلد الى شكل آخر أم سيظل خاضعًا للسوق الدولية واحتكارها؟ أين تتجلى عبقرية مهندس هذا القرار في منطلق هذا التخطيط، من ناحية انطلاقه من إرادته أم بتقاطع نقاط قوته مع هيمنة السوق؟

كل هذه الإشكالات كان لا بد من وضع أجوبة واضحة لها لكي تتضح الرؤية والتوجه التي تريد الدولة أن تنهجه قبل الشروع في التنزيل. جمع المعطيات الميدانية وطرح الموضوع للنقاش العمومي وللنخب السياسية المحلية سيعطي قوة اقتراحية للتوجه، وسيجعل من هذا التوجه – الخوصصة – قابلًا للتنزيل حسب ما تمليه ظروف البلد وخصوصيته.

الاعتبار الثاني: مهام الدولة كمؤسسة للرقابة والتتبع

إن أي انتقال نحو الخوصصة لا يمكنه أبدًا أن يلغي أو ينقص من قيمة الدولة ومؤسساتها وهيبتها من الناحية التشريعية ومن ناحية رقابتها على مؤسساتها وقطاعها الخاص، بل يجب أن يتجاوز النقاش إلى حد التطور في مضمار المراقبة والرصد، بشكل يواكب الصراع في السوق المحلية.

هذه المراقبة لا بد لها من مرونة نوعية تضبط من خلالها ميدانها وتجذب المستثمر الأجنبي بالمقابل. أيضًا يجب أن يُفَعَّلَ في هيكلها نظام الرصد المبكر والمقوِّم لأي انزلاق.

ولتفادي حصول أي انزلاق في السوق المحلية وجب على الدولة أن تمارس رقابتها من زاوية التقييم المتتالي والتتبع لكل أشكال التغير الاقتصادي، لا على المستوى الماكرو اقتصادي ولا على المستوى الميكرو اقتصادي.

الاعتبار الثالث: كيف ستطرح ذاتها على السوق الدولية؟

في هذا الاعتبار تكمن مدى عبقرية المخطط في حال أراد أن يدخل إلى السوق الدولي مراعيًا بذلك القيود الإقليمية والدولية، وهنا لا بد أن يطرح السؤال الجوهري: هل الدولة لها قرار خاص وسيادي أم أن هناك إملاءات تتبعها؟

من جهة أخرى، يطرح إشكالية قدرتها على التعايش مع الرأسمالية المتوحشة على مستوى العالم التي تحتكر كل وسائل القوة وبالمقابل تأخذ بعين الاعتبار إمكانية فرض عقوبات غير مناسبة تدخل في زاوية المنافسة غير المباشرة.

بالمقابل، فإن دخولها لعدة مواقع تنافسية سيجعلها تقدم تنازلات عديدة تارة سياسية وتارة اقتصادية، وبالتالي لا بد لها أن تراعي قوة عملتها في الاقتصاد العالمي، ثم لا بد من وضع خطط ومقاومة اقتصادية في حال وقع طارئ.

وبالتالي، من الخطأ البحث عن سوق دولية تخضع لتنافس محتدم دون مراعاة السوق الداخلية ومدى قوة اقتصاد البلد، من ناحية عملته ومن ناحية تحرر قرارته السياسية باعتبار أن لها إسقاطات على المستوى الاقتصادي.

الاعتبار الرابع: هيكلة القطاع الخاص

بعد الحديث عن الجهاز التشريعي ووضع الخطط المرحلية والاستراتيجية، وبعد توسيع مساحة الرؤية والتأكد بأن هذا الخيار ليس لديه أي عواقب وخيمة. هنا يأتي الحديث عن هيكلة القطاع الخاص بحد ذاته، إذ لا بد أن تضمن المؤسسات عيشًا كريمًا للعامل لكي يحظى بجميع حقوقه كاملة غير منقوصة، بما فيها طريقة الولوج ونزاهتها.

عدم وجود هذه المرتكزات الأربعة الكبرى كخطوط مهمة في هذا التوجه سيجرها إلى تخبطات كبيرة، وسيرفع من نسبة اليد العاملة مقابل قلة كبيرة في فرص الشغل. سيترتب على ذلك ظهور مناطق مهيكلة نسبيًّا بخلاف مناطق مهمشة، وسيؤدي هذا التخبط إلى الاقتراض من بنوك خارجية التي بدورها ستفرض قراراتها على البلد؛ وبالتالي سيكبله من القيام بأي إصلاح كبير من داخل البلد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد