أصدر القضاء المغربي حكمه في قضايا كثيرة خلال الأشهر القليلة الماضية، شملت نشطاء حراك الحسيمة، والصحفيين حميد المهدوي وتوفيق بوعشرين، ونشطاء جرادة والمرتضى إعمراشا، وغيرهم ممن ارتبط اسمهم بأحد هذه الملفات، بتهم مختلفة لكن بقواسم مشتركة يوحدها صوت الرفض الذين عبروا عنه، كل من موقعه. ولم يعد خفيًا على أحد أن الوضع الحقوقي في المغرب وهامش حرية التعبير عرفا انتكاسات متعاقبة، وأن ما كان مأمولًا أن يكون انتقالًا ديمقراطيًا صار انتقامًا «ديمقراطيا».

يقول فيلسوف العقلانية النقدية كارل بوبر: «لا يمكن لحجة منطقية أن يكون لها أي تأثير منطقي على من لا يريد أن يتبنى تفكيرًا منطقيًا»، يبدو أن منطق الدولة يختلف، وحججنا لا تأثير لها؛ ويبدو أن ما نعتبره حقًا، يرونه تجنيًا، وما نرى أنه نضال يعتبرونه مسًا بالأمن الداخلي للدولة، وما نعتقد أنه دفاع عن الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية هو بالنسبة لهم، إما دعوة للانفصال أو خدمة لأجندات خارجية. لذلك تشكلت قناعة عند الكثير أن جل هذه القضايا المعروضة أمام القضاء هي سياسية في الأساس، والخروج منها يقتضي حلًا سياسيًا أيضًا.

تتوالى المحاكمات، وفي كل مرة يعيد طرح سؤال استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل فرض نفسه، إن الأصل في الفصل بين السلطات كما تصوره «مونتسكيو» هو حماية الحرية، ذلك هو المبرر الأساس لإعمال هذا المبدأ، كما أن الأصل في تطبيق النصوص القانونية أن يكون فعلاً محققًا لأهداف التشريع المعلنة.

إن الذين يحاولون تبرير ما لا يُبرّر تحت ذريعة الحفاظ على الثوابت، ينسون أو يتناسون، أن الثوابت في دستور 2011 أربعة وليست ثلاثة. إذ ينص الفصل الأول منه صراحة: «تستند الأمة في حياتها العامة على ثوابت جامعة، تتمثل في الدين الإسلامي السمح، والوحدة الوطنية متعددة الروافد، والملكية الدستورية، والاختيار الديمقراطي»، لذلك فإن الاختيار الديمقراطي هو الآلية الوحيدة لضمان التقدم والاستمرار، وإن أي محاولة للحد من هذا الاختيار أو التصدي له، هو مجرد هروب إلى الامام وتعطيل للمسار الطبيعي الذي تبتغيه الشعوب لنفسها ولدولها.

لقد عرفت وتعرف كل المتابعات القضائية المعروضة أمام المحاكم اليوم، ابتدائيًا واستئنافيًا، محاكمات إعلامية تنافسها وتسابقها، وأصبح الزمن الإعلامي يسابق الزمن القضائي على حد تعبير النقيب «عبد اللطيف أوعمو»، وصار المحامون بدورهم يتسابقون على ميكروفونات الصحافة، وانتقلت المرافعات من منصات الدفاع إلى منصات مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبح بعض المحامين أشهر من المتقاضين أنفسهم.

لقد تم استغلال الصحافة خلال مجمل أطوار هذه القضايا أبشع استغلال، وأصبحت الأقلام أداة للتأديب وقناة لتصفية الحسابات والتضييق والسب والقذف والتشهير، إلى درجة أن الصحافة هي من باتت تتكفل بالرد على الصحافة.

صحيح أن الحقل الإعلامي في المغرب يعرف مجموعة من المشاكل المرتبطة بمتدخلين آخرين، لكن لا يمكن أن نحمل كل الأعطاب التي يعاني منها الجسم الإعلامي إلى جهات ومؤسسات خارجة عن هذا الجسم، فجزء من المشكل يكمن في ذواتنا، وطغيان الاسترزاق واحد من هذه المشاكل.

تُعرّف فدرالية الصحفيين الأمريكيين الصحفي أنه محامي الدفاع الشرس عن الإصلاحات، أمريكا التي تعرف معنى الصحافة، حكم قضاؤها مؤخرًا لصالح صحفي كان قد سُحبت منه بطافة اعتماده في البيت الأبيض بعد سجال نشب بينه وبين الرئيس ترامب، لكن القضاء تدخل وأنصف الصحفي وأرغم البيت الأبيض على إعادة تفعيل بطاقة الاعتماد.

لا يمكن لكل وسائل الإعلام أن تصدح بصوت واحد أو تنضبط لخط تحريري واحد، فالصحافة في جوهرها دفاع عن الإصلاحات وأداة مساءلة وضغط على الحكومات ووسيلة لمراقبة السياسات ومفتاح لكشف الفساد ومحاربته ومنصة لتنوع الآراء ووجهات النظر المتباينة، هي سلطة توازي باقي السلطات، وينبغي أن يُترك لها مجال لعب هذا الدور.

مع كل هذا الذي ضاع، هناك كلمة لا تزال ملء سمعي، تراودني كلما راودني أنين الظلم، سنعيش على أمل تحقق نبوءتها، قال المهدي المنجرة ذات سياق: «إن تفاؤلي بالمستقبل.. نابع من تشاؤمي بهذه المرحلة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد