الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبعد، هل يوجد للحب طريق واحد؟ هل من الممكن أن يكون طريق الحب إلى القلب نظرة واحدة، أو لقاءً عابرًا حدده القدر؟ هل يمكن أن يكون الطريق المؤدي إلى الحب مجرد مراسلات لم يتقابل أصحابها؟ هل يمكن أن يعشق المرء صورة في خياله؟ هل المعايشة ركن من أركان الحب وشيء ثابت على هذا الطريق لا يصل المرء إلا به؟

أرى أن الناس قد سلك كل واحد منهم سبيلًا من تلك السبل ونفى الباقي وأنكره، وظن أن طريقه هو الطريق الموصل إلى الحب وباقي الطرق نهايتها سد من الأحزان والأشجان والوحدة، وإن لم يقل ذلك بلسانه ويعلنه فالحال أفصح أحيانًا من المقال.

ومن تعامل مع تلك العلاقة (الحب) بهذا الجمود أهلك نفسه، وفتح لها بابًا من العذاب لا ينغلق إلا بشق الأنفس، وربما بفنائها وهلاكها، والحق، والله أعلم، أن كل تلك السبل حق وصواب، كلها تؤدي إلى داء الحب، والمرء يختار طريقه على حسب حاله وطبائع نفسه ونشأته وتكوينه، ولقد تعرض صاحب طوق الحمامة ابن حزم الأندلسي لتلك الطرق.
ولكن قبل أن أتعرض لكلام ابن حزم في طوق الحمامة يجب أن أعرج على أمرين.

الأمر الأول: نبذة مختصرة عن كتاب طوق الحمامة

هو كتاب لابن حزم الأندلسي، وصف بأنه أدق ما كتب العرب في دراسة الحب ومظاهره وأسبابه، ترجم الكتاب إلى العديد من اللغات العالمية، ويحتوي الكتاب على مجموعة من أخبار المحبين وأشعارهم وقصصهم، ويتناول الكتاب بالبحث والدَّرس عاطفة الحب الإنسانية على قاعدة تعتمد على شيء من التحليل النفسي من خلال الملاحظة والتجربة. فيعالج ابن حزم في أسلوب قصصي هذه العاطفة من منظور إنساني تحليلي، والكتاب يُعد عملاً فريدًا في بابه.

الأمر الثاني: الهدف من هذا المقال

ليس الهدف من كتابة هذه الكلمات وضع حلول لتك المشكلات؛ لأنني لست أهلًا لذلك، إنما جئت لأصف الواقع وأرصده، كي يستطيع العلماء وأهل الخبرة توصيف العلاج المناسب.
وهذه نقطة في غاية الأهمية، وهي الربط بين الحاضر بمستجداته والماضي بخبراته، وهذا لا يحدث إلا باجتماع الحاضر والماضي لحل المشكلة، ومعرفة كل من الماضي والحاضر بقدر صاحبه وأهميته، فلا نرى استصغارًا للحاضر وحداثته، ولا استنكارًا للماضي وخبرته.

وانطلاقًا من هذا رصدت بعض ما عمت به البلوى بين الشباب المسلم كوني واحدًا منهم، فربطت بين بعض تلك المشكلات وبعض ما ذكره ابن حزم في كتابه، لعل الله يوقع تلك الكلمات بين يدي بعض المصلحين ذوي الخبرة في هذا المجال؛ فيرى توصيفًا لداء عضال، فيضع هو بخبرته الدواء. نسأل الله العون والإخلاص في ذلك.

يأخذنا ابن حزم ليصف لنا طريقًا من تلك الطرق التي تلقي بالمرء إلى جنة محبوبه وروضته، وهو: «الحب بالوصف»، فيقول: «ومن غريب أصول العشق أن تقع المحبة بالوصف دون المعاينة… فتكون المراسلة والمكاتبة، والهم والوجد والسهر على غير الإبصار»، وكأن ابن حزم هنا يصف داء عشاق «فيسبوك» في هذا الزمان.

ثم يذكر لنا رأيه في أصحاب هذا الطريق فيقول: «ولكنه عندي بنيان هار على غير أس، وذلك أن الذي أفرغ ذهنه في هوى من لم ير لا بد له إذ يخلو بفكره أن يمثل لنفسه صورة يتوهمها، وعينًا يقيمها نصب ضميره، لا يتمثل في هاجسه غيرها، قد مال بوهمه نحوها، فإن وقعت المعاينة يومًا ما فحينئذ يتأكد الأمر أو يبطل بالكلية». فيرى ابن حزم أن أي علاقة من هذا الطريق ستنهار كما ينهار البنيان؛ وذلك أن العاشق يجعل لمعشوقه صورة في خياله يتعايش معاها ويبني أحلام اليقظة عليها.

ويرى ابن حزم أن نهاية هذا الطريق تكون عند وقوع المعاينة والمواجهة يومًا ما، فعندما يلتقي العاشقان، عندها يقرر كل واحد منهما هل سيكمل طريقه أم لا، وهذا دليل على أنه لم يكن منذ البداية حبًّا أبدًا، حتى لو كان قرار كل واحد منهما الاستمرار في تلك العلاقة؛ لأن التيقن من صدق هذا القرار كان متوقفًا على شرط غائب، وأي علاقة مبنية على شرط أو معلقة عليه هي علاقة مؤقتة مآلها الانهيار والزوال؛ لذلك وصفها ابن حزم بأنها «بنيان هار من غير أس»، بخلاف العلاقة التي صاحب نشأتها معاينة ولقاء، يبصر فيها كل واحد عيوب صاحبه ويراها قبل أن ينشغل القلب به ويتعلق.

ولقد ذكر ابن حزم قصصًا في ذلك، تبين أن العلاقة قد تتغير بعد اللقاء والمعاينة من حب إلى بغض، ومن بغض إلى حب، وذكر أن هذه الأحوال لتحدث بين الأصدقاء والإخوان، وعن نفسه تحدث فقال: «إنه كان بيني وبين رجل من الأشراف ود وكيد وخطاب كثير، وما تراءينا قط. ثم منح الله لي لقاءه، فما مرت إلا أيام قلائل حتى وقعت لنا منافرة عظيمة ووحشة شديدة متصلة إلى الآن».

ويقول أيضًا: «لي ضد هذا مع أبي عامر بن أبي عامر، رحمة الله عليه، فإني كنت له على كراهة صحيحة وهو لي كذلك، ولم يرني ولا رأيته، وكان أصل ذلك تنقيلًا يحمل إليه عني وإلي عنه، ويؤكده انحراف بين أبوينا لتنافسهما فيما كانا فيه من صحبة السلطان ووجاهة الدنيا، ثم وفق الله الاجتماع به فصار لي أود الناس وصرت له كذلك، إلى أن حال الموت بيننا».

ويقول أيضًا: «وأما أبو شاكر عبد الرحمن بن محمد القبري فكان لي صديقًا مدة على غير رؤية، ثم التقينا فتأكدت المودة واتصلت وتمادت إلى الآن».

وذكر ابن حزم هنا قصصًا عن أصل المحبة العامة، وعليها فقس ما يكن بين العشاق، ويبقي السؤال هنا هل كان هذا حبًّا؟ يرى ابن حزم أنه قد ينشأ منه الحب، ولكن أغلب السالكين من هذا الطريق ينهار بنيانهم في النهاية، والقلة القليلة هي التي قد تتأكد مودتهم وحبهم، وقد ذكر ابن حزم أبياتًا في ذلك فقال: «ويا من لامني في حب من لم يره طرفي

لقد أفرطت في وصفك لي في الحب بالضعف

فقل هل تعرف الجنة يومًا بسوى الوصف».

وصفوك لي حتى إذا أبصرت ما وصفوا علمت بأنه هذيان
فالطبل جلد فارغ وطنينه يرتاع منه ويفرق الإنسان

يتبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد