لقد كان قدر الشعوب العربية يسير نحو التغيير في تلك اللحظة التي انطلقت فيها شرارة الثورات العربية مطلع عام 2011م، منذ البداية تصدرت الأحزاب الإسلامية المشهد خاصة جماعة الإخوان المسلمين، الجماعة التي صدّرت نفسها منذ البداية كمخلص للشعوب حاملًا لأحلامهم الوردية وآمالهم الطوباوية استطاعت أن تحظى بتأييد واسع، تأييد الجماعة قام على عدة عوامل أبرزها:

  • حالة السخط الشعبي على الأنظمة في ظل انتشار الفساد وزيادة معدلات الفقر والجهل بصورة مضطردة وعدم تحقيق النهضة المطلوبة طوال العقود التي حكمت فيها.
  • صبغ الجماعة لبرنامجها السياسي بصبغة دينية واللعب على وتر العاطفة التي لا يخفى على أحد بأن الشعوب العربية تنجر بسهولة خلفها.
  • عدم وجود أي حزب أو قوة شعبوية لها الثقل اللازم لمنافسة جماعة الإخوان، خاصة في ظل أن نجم الأحزاب القومية واليسارية قد خبا منذ عهد عبد الناصر ومنذ سقوط الرئيس صدام حسين وحالة التضييق من جهة والانقسام من جهة أخرى على الحركات القومية التي رافقت الأحداث المتتالية منذ عقود.

لقد ترجم التأييد الشعبي للإسلاميين من خلال وصولهم إلى رئاسة مصر، مثلت المرحلة أوج قوة جماعة الإخوان وتحقيق حلم حسن البنا بحكم أقوى بلد في المنطقة، لكن وبالرغم من ذلك لم يكمل الإخوان أكثر من عام في السلطة، فقد شهدت مصر ثورة مضادة استغلها الجيش للوصول إلى السلطة فانتهى حلم الإخوان وخاب أمل الشعوب التي انتظرت هذه اللحظة لعقود، لقد أهدرت الجماعة الفرصة الثالثة وهي في الحكم هذه المرة لتطبع نفسها مع الدولة والمجتمع، بعد أن فشلت مرتين وهي في المعارضة، المرة الأولى في نهاية العهد الملكي، والمرة الثانية في عهد عبد الناصر، ودخلت في مواجهات عنيفة مع السلطة القائمة حتى في الفترة الليبرالية التي كانت فيها الجماعة كيانًا قانونيًا وعرفت نشاطًا اجتماعيًا ودعويًا واسعًا، يرجع فشل الإخوان هنا كما نرى إلى عدة نقاط:

  • غياب النهج السياسي والاقتصادي؛ يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل: «لقد كان يجيب حسن البنا عندما يُسأل عن كيفية إدارة الدولة والمؤسسات وبرنامجه لذلك بأن الإسلام هو الحل، دون تفصيل وإيضاح أي خطط اقتصادية أو نهج سياسي واضح» وعليه فإننا نرى هنا بأن حزب الإخوان لم يملك طوال فترة تأسيسه أي رؤى سياسية واقتصادية بل إنه ركز على الجانب الدعوي والوعظي أو أنه خلط بين الوعظ والإرشاد والعمل السياسي فغاب عنه وضع استراتيجية اقتصادية أو سياسية.
  • الحزبية وعدم التشاركية؛ لقد اتصف عمل الإخوان بأنه حزبي أكثر من أنه تشاركي، وربما هذا هو السب الرئيس الذي جعل الرئيس عبد الناصر يقصيهم من الحياة السياسية، وفي أثناء فترة حكمهم لمصر رأينا أن الأحزاب اليسارية والقومية كلها وقفت في صف المعارضة، وهذا يدل على عدم وجود حلفاء للإخوان طوال سنة كاملة من الحكم مما يدل على غياب النهج التشاركي في عقلية الجماعة.
  • تغليب الجانب الديني على الجانب المدني؛ إن المعضلة التي واجهت إخوان مصر، هي تمسكهم بأن الشريعة الإسلامية هي المرجع للأول للحكم، ونرى أن هذا الكلام على المطلق لا يتم في عصر العولمة والانفتاح الفكري، ولا يمكن جمع شعب بأكمله داخل صندوق يؤمن بفكرة؛ فالمجتمعات خليط من الأفكار وفي ظل العولمة أصبح المجتمع الواحد خليط من الثقافات، وعليه فإن سياسة جمع شعب على فكرة واحدة هو بذاته سياسة إقصاء لعدم توافق الرؤى ومنهج التفكير.

يبقى أن نشير إلى أن حزب الإخوان كان له تجارب عديدة في محاولته الوصول للسلطة أو عمل علاقات مع من يديرون دول المنطقة، ولكن محاولاتهم فشلت وعلاقاتهم تذبذبت من دولة لأخرى، فرأيناها تسير نحو القطيعة كما حصل مع السعودية والإمارات أو بقيت علاقة سطحية كما هو الحال في الممالك الأردنية والمغربية، كما أنها لا تزال تحظى بموقعها السياسي ودورها في صنع القرار في تونس التي تعتبر النموذج الأنجح للربيع العربي.

صعود اليسار

إن عدم نجاح تجربة الإسلاميين وفشلهم الذريع في إدارة المشهد ولد حالة من عدم الثقة بينهم وبين الشعوب، وجعلهم يخسرون زخمهم الذي أوصلهم إلى سدة الحكم، الأمر الذي أتاح المجال أمام الأحزاب اليسارية التي برزت خاصة في احتجاجات السودان التي أطاحت الرئيس عمر البشير، لقد غابت الحياة الحزبية عن البلدان العربية لصالح فرد أو حزب استأثر بالسلطة، إلا أن الربيع العربي والذي نشهد موجته الثانية في السودان والجزائر تحديدًا مكّن تلك الأحزاب من البروز من جديد على الساحة العربية، ربما لا زلنا في عالمنا العربي نقف على الصراط بين العقلية المحافظة التي تخشى على دين وثقافة الدولة من صعود الأحزاب غير الإسلامية وبين الرغبة في التغيير وعدم تحقيقه إلا من خلال حزب يتبنى استراتيجية وبرنامجًا واضحين وهذا ما لا يوجد في الأحزاب الإسلامية.

على ما سبق فنحن أمام عدة سيناريوهات قد تحضر في المشهد:

  • السيناريو الأسوأ الذي يفرض نفسه بقوة هو فشل اليسار أصلًا في الوصول إلى السلطة، وهنا نشير إلى دور العسكر الذي تدعمة دول خليجية تحاول إجهاض كل عمل ديموقراطي في أي بلد عربي كما قال أحد الساسة التونسيين.
  • حصول الحراك الذي تتصدره بقوة قوى اليسار على مطالبه بانتخابات حرة ونزيهة وهنا سيفرض الشعب كلمته بإعطاء السلطة لهم.
  • ان محاولة التيار الإسلامي وخاصة الإخوان تصدير نفسه للشعوب هي محاولة ولدت ميتة، فالفشل الذي حققوه في السابق لن يتيح أمامهم إلا الشماركة في البرلمان أو بعدد مقاعد محدودة في الحكومات المقبلة.

إن الشعوب التي تثور سترفع الحزب الذي رفع شعارات الدين والشعارات الوطنية، لكن عندما يظهر فشل ذلك الحزب فإن الشعب سيختار البديل وإن أي محاولة لاستجداء عطف الشعب ستبوء بالفشل، إن السلطة قوة ولقد أثبت حزب الإخوان ضعفه على عكس الأحزاب القومية التي تميزت فترة حكمها بالقوة من عهد عبد الناصر إلى صدام حسين، حتى لو اتصف السلوك النظامي بالوحشية أحيانا إلا أن الإرث الذي تركته بقي خالدًا على عكس الصورة الباهتة التي تركها الرئيس مرسي وحزبه الذين باعوا الشعارات وحصدوا الخيبات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد