وردت في كتاب الله تعالى قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام ومدى ما عاناه في حياته أثناء تأديته لدعوته لعبادة الله وحده، وكيف أنه بسبب ذلك كان ذاهبًا إلى الموت وقد أعد له قومه العدة ليقتلوه شرَّ قتلة، فرموا به بالمنجنيق نحو نار مستعرة، ولكن الله نجاه لأنه كان مخلصًا لله ولم يتراجع عن دفع نفسه نحو المخاطر في سبيل إعلاء كلمة التوحيد.

أراد الله أن يبين لنا مدى عظمة هذا الرجل، فهناك من الرجال من قد يرمي نفسه في المهلكات في سبيل القضية، ولا يخشى الموت أو الأسر أو التعذيب، فقد نذر نفسه لله تعالى ولقضيته التي يؤمن بها، إلا أنه قد يضعف عندما يتعلق الأمر بأهله وعائلته المقربة له، وقد يتراجع عن اندفاعه، وهذا ما حصل لإبراهيم عليه السلام، حيث تعرض لهذا الاختبار الصعب، فبعد سنين طويلة من انتظار الذرية ولد له إسماعيل من زوجته هاجر، ولا أحد يعرف فرحة الأب بمولوده إن جاء بعد طول انتظار، ولكن الله أمره أن يأخذ هاجر وابنها ويتركهما في العراء عند بيته الذي لم يكن حينها قد رفعت أسسه، وادٍ غير ذي زرع، امرأة وطفل صغير في ذلك المكان، فرص النجاة ضعيفة، إلا إنه كعادته هب إلى تلبية نداء ربه، ففعل كما أمره الله.

في تلك اللحظات سعت هاجر خلف السراب ظنًا منها أنه ماء لتسقي ظمأ ابنها الصغير، حتى رفس هذا المولود المبارك الأرض لتنبع منه عين ماء ما زالت موجودة لتحكي لنا قصة هذه الأم العظيمة وطفلها وهما في وسط الصحراء من غير ولي يتولاهم ويرعاهم من الناس.

وفي ظل اشتياق إبراهيم لابنه البكر، وبعد أن مرت السنين وبلغ حينها إسماعيل سن البلوغ والسعي والفهم، جاءته الرؤيا التي وضعت إبراهيم أمام أشد الاختبارات والتي أضعفته وجعلته يسأل إسماعيل عن رأيه في ذبحه كما أمره الله تعالى، لم يبحث إبراهيم عن أعذار وأسباب ليخالف الأمر، بل خرج ومعه ابنه الوحيد نحو الجبل ليذبحه، وهنا انطلق إبليس في مسعاه ليزعزع إيمان إبراهيم عليه السلام، إلا إنه كان في كل مرة يرميه بالحجارة حتى وصل به إلى حيث مكان النحر، وشرع بالذبح ولكن السكين لم تباشر ولم تجرح إسماعيل ونزل من عند الله انك قد نجحت، وابنك أيضًا قد نجح.

ثم رفعا أسس البيت، لتصبح تضحية إبراهيم عليه السلام وقصة صبره الكبيرة شعيرة من شعائر المسلمين، وهم يؤدون ركن الحج المفروض من الله تعالى، في كل عامٍ يحرم المسلمون ولا يلبس الرجال الملابس المخاطة ولا يضعون الزينة، كما كان إسماعيل في طفولته، ويسعون بين الصفا والمروة كما فعلت هاجر بحثًا عن الماء، ويطوفون كما فعل إبراهيم وإسماعيل وهما يرفعان جدران الكعبة المشرفة، ويصعدون عرفة حيث مكان المنحر، ويرمون الجمرات كما رماها إبراهيم، ومن ثم ينتهون إلى الذبح كما فعل عليه السلام فداءً لإسماعيل عليه السلام.

كم مرت من سنوات طويلة على ذكرى إبراهيم واهل بيته، إلا إنها ما زالت مستمرة ويحييها المسلمون من كل أقطار الأرض، بل ويعظمونها ويقدسونها، فهذه الذكرى أصبحت جزءً مهمًا من عبادات المسلمين ولا يمكن إتمام الحج إلا بأحياء ذكرى إبراهيم خليل الله عليه السلام.

الله تعالى يعلمنا في كتابه على ضرورة إحياء ذكرى العظماء ولعن أعداء الله، مرارًا وتكرارًا، فهذا إبراهيم خليل الله نحن نعيش تضحياته ونطبقها في محاكاة واقعية على أرض الواقع في موسم الحج والعمرة، وهذا موسى عليه السلام نذكره أيضًا ونذكر تضحياته ونلعن باستمرار فرعون ومن معه، ما إن نقرأ القرآن الكريم حتى نعيد إحياء ذاكرتنا بقصص الأولين ونجعلها لنا منارًا نسير في ضوئها لنتخذ الصالحين أولياء نتبعهم، ونعادي الطالحين ونلعنهم كائنًا من كانوا وأينما كانوا، هذا هو نهج الله في كتابه، ولا بد لنا أن نسير على نهجه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد