هل سيضيع العمر، ويجري الوقت ونحن نحاول أن نصل لنعرف لا لنجني، لنُدرك، لا لنُؤتى!

يشغلني هذا السؤال منذ سنوات: كيف نعرف الطريق الأنسب في الوقت الذي يوجد به الكثير من البدائل؟ وكيف لنا أن نختار؟ ونحن البشر الذين نخشى مواجهة المجهول، الذي يصعب علينا دومًا تصوره!

ماذا بعد؟

ماذا لو كنا في الطريق الخطأ، ونحسب إننا قد أتينا الطريق الأنسب؟ كيف لنا أن نعرف أن ما نحن عليه الآن هو الأصح من عدمه؟ بكلمات أخرى: كيف نعرف أن ما نسير إليه يحمل نتيجة مُرضية بالنسبة لنا؟ كيف لنا أن نصل ونرى النهاية ونعرف ما بها، قبل حتى أن نُكمل السير كي لا نُصدم عندما نصل. نحن لا نريد النتيجة ذاتها -فتلك هي المسعى- ما أعنيه ولو على الأقل: أن يلوح لنا في الأفق أي مؤشر، ليطمئن قلوبًا تسعى جاهدة، تسعى وتحاول وهي لا تعلم كيف سيكون الغد، نحن نرجو أي علامة تُبشر بماهية النتيجة قبل المسير، ولو حتى تُحذرنا لتُبعدنا عن طريق قد يحمل شقاء رُبما لا نقدر عليه. نبحث عن إشارة تدفعنا، وضرورة تحركنا، علها تجعل في الطريق متعة تهون التعب، وتخلق من جُهد المسير حلاوةً تجعلنا لا نضيق مرارة الصبر، ونتجرعه دواءً نتأكد أنه سبب الشفاء الذي ننتظره، نأمل رؤية علامات تؤكد لنا أن ما نسلُكه يتبعه فعلًا ما يسُرنا.

ماذا لو؟

حيرة حقيقية تصاحبها مُعضلة أخرى، ماذا لو أتبعنا حدسنا المُحير دومًا، ورجعنا عن الطريق واخترنا البديل عنه! كيف نُدرك أنه يحمل غايتنا؟ وهل كُتب علينا أن نأخذ الطريق لآخره لنُدرك تبعاته؟ فإن جاء بما نريد فقد وصلنا للغاية، وإن لم يأتِ نبدأ من الصفر في غيره، وتستمر المحاولات ونُكمل كالآلة التي لا عليها إلا أن تؤثي بثمار، أيًا كان الوقت التي تستغرقه والجهد الذي يقلل من كفاءتها وعمرها المُقدر. فهل سيضيع العمر، ويجري الوقت ونحن نحاول أن نصل لنعرف، لا لنجني، لنُدرك، لا لنُؤتى!. بالطبع ودون إنكار، في المُحاولات خبرة لا تُعوض، ودورس لا غنى عنها، لكن، بطبعه الإنسان عَجُول يريد الأشياء سريعًا؛ في الحصول والوصول كل مرة لذة لا تتكرر ولا تشبه غيرها. نُريد ما نُريد، لننعم بما يحمله لنا، هكذا الإنسان يكره الانتظار ويعشق النَوال.

أيهما؟

في مقولة لأوبرا وينفري ذكرت «أنه لمن أصعب الأشياء هي أن نعرف ما الجسر الذي يجب أن تعبره، وأيهما يجب أن نحرقه» وضعت يدها على أصعب ما يمكن أن يصادفه أي إنسان: كيف له أن يعرف ما له أن يتركه دون التفات -ولو كان يهيم به عشقًا-، وما عليه أن يتمسك به، بكل ما يملك من قوة إرادة، حتى لو بدا له العكس في البداية. هذا قد يأخذنا لنقطة «البدائل المتاحة وهل أنا مُسير أم مُخير؟» ولقد كان السؤال نفسه أحد أهم الأسئلة التي شغلتني في بداية العشرينات من عمري، لكن، بعد قدر لا بأس به من التعمق في الحياة، وصلت لإجابة وسطية، وكَونت وجهة نظر أراحت نفسي، بعدما أدركت أننا مخيرون في اختيار الطريق، ومُسيرون فيما نواجهه على الطريق؛ لنا الحرية أي من الطرقات نسلُك، لكننا مُجبرون على النتيجة، وسنواجه العواقب أيًا كانت طبيعتها، فلو سلك أحدنا طريقًا مُظلمًا بلا نور، لا عليه أن يشتكي من الظلام الدامس، أو يمقُت ما قد يشعر به من خوف. لقد كان الاختيار دوره، وبعدها هو دور الحياة والقدر. فمن اختار سيرى، أما أن يسعد وأما أن يشقى، ووقتها لا يلُومن إلا نفسه. هكذا الحياة، وهكذا ستبقى.

أخيرًا:

مُتيقن وكلي ثقة أن كل الطرق تحمل نتيجة، نتيجة واحدة لا خلاف عليها، حتى لو رأيناها لا تليق بنا، أو أن غيرها هو الأنسب، وهي إننا جميعًا سنصل، وسنُدرك نصيبنا، وسنلقى أقدارنا، وسنرى النهاية التي قُدر لنا أن نعيشها. لكن، كيف لنا أن نعرف أنه عند تلك النهاية سنلقى ما يُسعدنا فعلًا؟ وهل سنكتفي؟ أم سيكون بمقدورنا حينها أن نقول: نقطة ومن أول السطر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد