هو ملحد تمامًا..

ولا يعترف أصلاً بوجود الله ورسوله، ويعتبر ما تراه أنت تافهًا أدلة وبراهين لديه، ثم يرد عليه الشيخ، بعد الاستعاذة من الشيطان طبعًا، على حجج هذا الملحد بـ قال الله وقال الرسول واستعِذ بالله من الشيطان الرجيم!

على كل حال هذا جواب أي شيخ تقليدي.

عندما أذهب إلى خطب الجمعة، ناهيك عن غالبية برامج الفضائيات الدينية، أرى الشيخ أو الخطيب ينهمك ويستغرق ساعة لكي يوصل لي فكرة – وهو مشكور- مفادها أن الموت حق، أو أن الزكاة واجبة على كل فرد مسلم، ومن صام رمضان غفر له ما تقدم من ذنبه، وكثيرًا من المواضيع التي لا أقلل من أهميتها، ولكنها  أصبحت من المُسّلمات في هذا العصر فمن لا يرى أن الموت حق ونحن نُشيع يوميًا موتانا؟ ومن منا لا يعرف حقيقة الزكاة وغيرها؟ نعم بعضهم قد يقول إن هذا تذكير وأنا لا أنكر هذا، ولكن أساليب السرد والأمور البديهية أصبحت لا تؤثر في أحد وترى أغلبهم يبدأ بالنعاس والآخر يلعب بسجاد المسجد.

اليوم هناك عدد ليس بالقليل بدأ ينفر من الخطاب الديني الحالي ويصفه بالقرف! وأن هذه الفئة للأسف هي من فئة المثقفين الواعين (خاصة بعد الأحداث الأخيرة في المنطقة التي زادت من نفور الناس عامة)!.

نحن نحتاج إلى ثورة العقل والفكر والحقيقة  وعلى الهامش، أحد المواضيع المتعلقة، ترى أن أغلب الثورات العربية فشلت لأنها لا ترتكز على ثورة فكرية أو معرفية، وأية ثورة لا تكون ركيزتها ثورة فكرية أو ثقافية هي ثورة ميتة أو تأتي بطاغوت جديد لماذا؟

لأن الثورة التي لا تمتلك أو لم تبنى على فكر ومعرفة إنما غيرت أشخاصًا فقط، لكن القاعدة والفكر بقي كما هو لم يتغير.

وهنا يبرز أهمية الخطاب الديني، عندما يحضر الشاب خطبة ويرى أن جل خطب الخطيب أو كلام العلماء هو في أمور تعبد وزكاة وكيفية الصلاة واستنساخ تجارب الماضي ولا يتجرؤون أن يحاولوا توعية الناس بأمور زمانهم ومقتضيات عصرهم وسبيل الخلاص من عواقب شرها وإنما فقط جعل الأمة في سبات مطبق، أو يرى هذا الشاب المسكين شيخًا كان يدعو من على المنابر للملك أو الرئيس الفلاني ثم ما إن قامت ثورة ضد الأخير حتى ظهر نفس الشيخ وهو يدعو إلى إزالة هذا الملك أو الرئيس، والحالات كثيرة لا أريد أن أذكرها.

مشكلة هذا الخطاب الديني والمنهجية المتبعة أنه أنتج من طلاب العلم علماء مستنسخين وعقول مستنسخة ومنهجًا مستنسخًا، إلا القلة القليلة الذين تميزوا بالتجديد طول قرون مضت.

تسأل وتقول لي كيف؟!

افتح أية قناة إسلامية سترى الخطاب نفسه لا تجديد، هم يرون أن مستقبل الأمة مرهون بماضيها، أي يجب أن يكون حاضر الأمة ومستقبلها كأسلافها، ولا ضير إن كان بالصدق والأمانة والصفات الحميدة، ولكن للأسف رهنوا مصير الأمة بأن يبتعثوا حاضر هذه الأمة ومستقبلها بماضيها، وهذا مستحيل لهذا لم يبتعثوا سوى الشكليات، طول اللحية ومسك السواك بدل القلم والعلم وتقصير الثوب!

اليوم الفكر الإسلامي والفقه ومسائل الدين تتداخل مع كثير من الأمور، ويجب أن تمزج وتقدم للأمة بخطاب جديد يتناسب مع العصر وعقلية أعيان هذا العصر، نعم الشكليات لها أهميتها إذا كنا نعتبر أنها صفة مميزة لهويتنا ونتاج فكر وحضارة، لكن المغزى في المعنى والمضمون وعقلية اليوم غير عقلية أسلافنا، وكل منا خلق لزمانه وظروفهِ واليوم الكل يلاحظ أن أغلب العلماء المسلمين المتواجدين في الغرب والمتأثرين بالفلسفة الحضارية والذين قرأوا الفلسفة الغربية والعلوم العصرية بدأوا يمزجون بين الإسلام والعصرية وتكامل الحضارة بما يتناسب مع حضارتنا، وبالتالي الشباب ينجذب لهذا النوع من الخطاب أكثر؛ لأنه خطاب عقلاني – برأيي طبعًا- يجد فيه حاجته من الإجابة على كلا الطرفين؛ الديني والعلمي، ويدعو للتفكر والبحث والقراءة، وهو نفسه يوصف من قبل بعض علمائنا التقليديين بأنهم كذا وكذا، بل قد يفتون بكفرهم أو إلباسهم شتى أنواع التهم! اليوم تجد أن كثيرًا من العلماء يضع لائحة بكتب ويقول عنها هذه يحرم قراءتها!

أو تقوم هيئة بإعادة طباعة بعض الكتب مع حذف بعض الفصول والأمور منها! لماذا؟!

لماذا هذه الوصايا الفكرية؟! الإسلام لم يعلمنا هذا!

هذه الأمة وإن استمدت الإيمان والمضمون والمبادئ من ماضيها وأسلافها فلا ينبغي أن تستنسخ تجاربهم بالنص؛ لأنك مكلف بعقلك، الله كلفك بعقلك لم يكلفك أن تستعير عقليه إمام أو عالم أو خطيب هو مكلف بعقله ويقول ما يراه صوابًا، وأنت مكلف بعقلك ولك حق البحث والمناقشة، ولا بأس أن تستمد مبادئك من تجارب الأولين، لكن لا تستنسخ شخصيتهم وعقولهم لأنك لن تفلح.

وإحدى المشاكل التي شُخِصت أن جموع العامة لا يقرؤون فتضيع عليه الحقيقة، وما أن يرى شخصًا ملتحيًا أو عالمًا يتكلم بالدين وأمور الدين حتى يظن أن ما يتحدث به هو الحق المطلق، ويتخذه حجة، وهنا يكمن الخطر والتضليل، لقد أصابنا جمود فكري وجمود روحاني نتيجة هذه الخطب المملة، في حين أنها يجب أن تكسر هذا الجمود وتتكلم في واقع الأمة اليوم وتكسر هذا الروتين، وتبث الحماس في نفوس المؤمنين، وتطلعهم على واقع الأمة وسبل مواجهة التحديات الحياتية، وإلا ماذا نفعل بورقة تقرأ علينا من بطون الكتب والمؤلفات ونراه يوميًا على الشاشات والقنوات الدينية، اليوم يجب أن يملك الشيخ أو الخطيب الجرأة لمناقشة الأمور العصرية وما يعيشه المسلم حاليًا، اليوم الأغلب صابه ملل من الخطاب الديني، والأمر الخطير جدًا أن يتحول الشباب فكريًا إلى أمر لا يُسيطر عليه، فكثير منهم بدأ يمل من الدين، وبعضهم أصبح يعتنق أفكارًا جديدة لا يعرف مصدرها فقط لأنه يتحمس لكل شيء جديد، وكذلك اليوم أرى أغلب المتدينين يظهر بالصورة التراجيدية التقليدية ويحدثك بحديث قال الله وقال الرسول، ويكتفي بالنقل فقط الدين والإيمان، ليس هذا فقط فهو في تجدد مع حداثية العصر لذا يجب أن نتحدث بكل جرأة عن آفات مجتمعاتنا.

ديننا قام على أساس علمي، و لولا أن العلماء أثبتوا أن الحديد منزل من السماء ما اقتنع الناس علميًا بقوله تعالى؛ وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد.

القرآن يدعونا إلى البحث في حقيقة الأشياء علميًا حتى يحصل الاقتناع الأكبر، تركتم العلم واكتفيتم بالنقل جملة وتفصيلاً!

أرى أن التجديد يكمن في إحداث نوع من التزاوج ومزج الزيجات بين الخطاب الديني العقلاني المعتدل مع العلوم والعصر وهو أمر في غاية الأهمية، على سبيل المثال (أرى هذه الفكرة النواة للنهضة) بدلاً من أن تدخل الجامع وتجد فقط القرآن وكتب الفقه على الرفوف ممكن أن تجد كتبًا منوعة من الكتب الاجتماعية والثقافية الأخرى، والاقتصاد وحتى الروايات بل حتى كتب التطور الداروينية لا ضير؛ فالإسلام لا يخشى المناقشة والعلم، الأمر السليم أن تعرض كل الآراء والأمر الشاذ هو حجب الآراء والأفكار عن الناس وتسفيهها بدون أي نقاش علمي لتُصدم بعد فترة أن هناك من بدأ يقتنع بها، تشجيعًا للناس على مصاحبة الواقع وعصرهم الذي هم فيه بدلاً من كتب أشراط الساعة وترسيخ الفكر الانهزامي فيهم.

إذن الحل هو التبيان وليؤمن الناس بما يريدون؛ فالنهضة يجب أن تسير بمسار العصر بما في ذلك النهوض بالخطاب الديني يجب أن يناسب العصر الذي فيه ويحترم علوم هذا العصر وعقوله، ويتحدث بما تألفه الناس وتقتنع به؛ فاليوم برز كثير من الخطباء والمفكرين الجدد من يتحدث بالأسلوب العلمي متضمنًا خطابًا دينيًا جميلاً مزيجًا بين العلم والواقع وبين الخطاب القرآني، ويقدم فكرًا تنويريًا، تجدهم يكسبون تعاطفـًا سريعًا نتيجة لاحتياج الناس لهذا النوع من الخطاب العقلاني النهضوي، والأمر الأكثر بهجة بالنسبة لي هو أن عدد غير قليل من الأطباء ( أحمد خيري العمري مثالاً وعدنان إبراهيم وغيرهم)  والمهندسين وأصحاب الشهادات العلمية هم من يحاولون أخذ زمام المبادرة والتجديد في الخطاب الديني.

وأنا أرى أنها خطوات مهمة جدًا قد لا يُدرك الناس أهميتها في الوقت الحالي، ولكن هذه الخطوات ستكون نواة النهضة المرتقبة، ومن الغباء والجفاء وقلة العقل أن تواجه الآخرين والأفكار والتجديد بأسلوب التكفير والسب والشتم؛ فهذا يزيد من لهب الجمرة لتأكل الحطب بسرعة. حاول أن تتخفف من الأوراق والطروحات والآراء والإجماعات، ومعظم العلماء وهم علماء كبار تخفف من هذا واقتنع بنفسك وحاول أن تفهم؛ لأن الإيمان واليقين والحقيقة تترسخ بالاقتناع والقناعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد