منذ عام 2011 قضى في أعماق البحر الأبيض المتوسط آلاف المهاجرين غير الشرعيين في طريقهم نحو أوروبا، اللافت في الأمر حجم وكثافة الهاربين من الحرب في سوريا وليبيا وغيرها من مناطق الساخنة في هذا العالم الساخن، سوريون وفلسطينيون وليبيون وجزائريون ومصريون وأفارقة من معظم جنسيات القارة الإفريقية على حدٍّ سواء، لكن اللافت أكثر من ذلك هو حجم المآسي، وحالات الغرق الجماعي التي كثرت وتكررت مرارًا مع هؤلاء، والتي راح ضحيتها أعداد غير معلومة، عجزت المنظمات والجمعيات الحقوقية والإنسانية عن إحصائها.

طرابلس العاصمة الليبية نقطة الانطلاقة في رحلة الموت، والبداية تكون مع البحث عن السماسرة والمهربين، إن كنت محظوظًا ستجد شابًا يشاركك الحلم في الهجرة، سيتكفل ذلك الصديق بإيجاد المهرب على أن تدفع له بعضًا من الأموال تتعدى غالبًا مبلغ 200 دينار ليبي، يطالبك المهرب بالانتقال إلى مدينة زوارة الليبية، والمكوث بها إلى أن تكتمل التحضيرات للرحلة، إن كنت محظوظًا فستمكث في زوارة 50 يومًا على الأقل.

يرن الهاتف، ويرد المتصل 2000 دينار ليبي والرحلة ستنطلق من اليوم الفلاني في منتصف الليل، عادة ما يتم اختيار الأيام التي يغيب فيها ضوء القمر؛ إذ تغيب معه عيون خفر السواحل الليبية، بعد أيام من الإبحار، يصل القارب الذي يحمل عادة ضعف عدد ركابه الأصليين إلى جزيرة سيراكوزيا.

طرقٌ أخرى يسلكها المهاجرون لعلّ أهمها تركيا التي تحدها أوروبا برّّا من بلدين، بلغاريا واليونان، فحتى عام 2011 كانت الحدود التركية اليونانية من أسهل الحدود اختراقًا من قبل الحالمين بالهجرة إلى أوروبا، لكن الوضع تغيّر بعد ذلك، فالسلطات التركية واليونانية اتخذتا إجراءات لتزيد عقبة أخرى في طريق المهاجرين، الآلاف يحاولون العبور سنويًّا من تركيا إلى اليونان، لكنّ أحلام معظمهم تتحطم على أمواج نهر إيفروس الفاصل بين الدولتين، نهر يتميّز بخطورته فمن ينجو من الأمواج يواجه الموت بسبب شدة برودة المياه، المحظوظ فعلًا هو من يتمكن من عبور هذا النهر، الذي يكون غالبًا مراقبًا بطائرات استطلاع، تخطيك لهذه العقبة تعني أنّك قد قطعت نصف الطريق إلى أوروبا؛ لأن هذه العقبة أخفق فيها حسب السلطات التركية واليونانية عشرات الآلاف من المهاجرين.

بلغاريا وتركيا تقتسمان حدودًا طويلة تقدر بـ 240 كيلومترًا يتم إغلاقها فقط جزئيًّا على الجانب البلغاري، فالطريق عبر إسطنبول وبلدة أدرنة التركية الحدودية تجنب المهاجرين الخطر عبر بحر إيجة، وتوفر عليهم 1200 دولار تكون واجبة الدفع للمهربين، لكن الخبراء بالطريق يقولون إنها صعبة، إذ غالبًا ما يكون المهاجرون معرضين للعنف من طرف الشرطة البلغارية، كما يتعرض معظمهم للسرقة والإهانة، بالإضافة إلى أن سعر الرحلة مكلف جدًّا؛ إذ يصل إلى 2700 يورو.

يواصل عشرات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين محاولاتهم لتحقيق أحلامهم بالهجرة إلى أوروبا، في وقت صارت الهجرة الشرعية فيه إلى تلك الدول سبيلًا أصعب من الهجرة غير الشرعية، يخفق في المحاولة المئات ليعيدوا التجربة من جديدٍ، في حين يخفق الآلاف في الرحلة، وفي الإعادة لكي يكون مصيرهم بين بطون الحيتان، وبين رمال الشواطئ الذهبية، في عصر صارت فيه كل الطرق تؤدي إلى إبادة الآمال العربية، أطفالٌ ونساءٌ وشبابٌ وكهول يرون في الضفة الأخرى مناط تحقيق أحلامهم وأمانيهم بعد أن قتلت في بلدانهم، الظاهرة في ازدياد، والدواء في علاج الاستبداد، كانت هذه الطريق إلى أوروبا، طريقًا إلى الموت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد