في قرية ما من قرى الوطن العربي النائية المعزولة عن العالم، التي لا يصلها غاز ولا كهرباء، يرتقي خطيبها منبرًا متهالكًا، ليلقي خطبة عصماء عن القدس الشريف. تجتاحه حماسة شديدة وهو بصدد تهييج عواطف الشعب الممثّل في صف ونصف الصفّ فيرغو ويزبد مستنكرًا ومستهجنًا ما جاء على لسان الرئيس الأمريكي بشأن القدس. لينسى نفسه إثر هياجه الزائد ويضيف: ومن منبري هذا أخاطب الرئيس ترامب!

قولوا بربّكم، أليس هذا من العبث؟ أليس هذا نوعًا من أنواع ابتذال القضايا المصيرية واللعب على أوتار المشاعر والعواطف؟

أما كان الأحرى والأولى بهذا الإمام أن يحدّث رئيس بلديته المنكوبة الجالس أمامه قبالة المنبر. أن يحاسب المسؤول الأقرب إليه قبل أي مسؤول آخر.

أن يحدّثه عن أولئك الغلابة الذين لا يزال البرد ينهش أجسادهم ويقطع أوصالهم رغم أنه لا وجود لعدو أو محاصِر.
أن يحدّثه عن تلك المرأة الحامل التي لا تجد سريرًا في مستشفى، وعن ذلك الطفل الحالم الذي لم يجد مقعدًا في مدرسة.

أن يحدّثه عن أعمدة الإنارة التي لا تعمل، عن المساحات الخضراء التي لم تعد خضراء، عن أوكار الحشاشين والخمّارين التي انتشرت انتشار النار في الهشيم حتى صارت مسرحًا مفتوحًا للجريمة المنظمة. عن حُفر الطريق التي تكبر يومًا بعد آخر، عن الماء الذي لا يعبر الأنابيب ولا يقطر من الحنفية إلا مرة كل شهر. عن الأشغال التي لم تبدأ بعد وعن التي بدأت ولا تريد أن تنتهي. أن يحدّثه عن كل مشاكلهم اليومية، حتى عن مستوى فريق قريته الرياضي الذي لا يعرف إلا الهزائم. لا أن يتقمّص دورًا بطوليًا ويخاطب ترامب وكأنه يخاطبه عبر الساتالايت لأنه لا المخاطِب يرى مُخاطبه ولا المخاطَب يسمعه أو يدري بوجوده.

نعم فلسطين عربية والقدس عاصمتها سواء أقر بذلك ترامب أم لم يقرّه. وسواء نطقت بذلك الأمم المتحدة أم انعقد لسانها عن الكلام. فيكفي أن الأرض والسماء تعترف وتشهد بذلك، فلا أحد يستطيع أن يُنكر قضية القدس التي هي قضية كل مسلم إذ هي قبلتنا الأولى ومسرى نبينا. وما كان للأحداث الأخيرة من اعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل إلا أن تقطّع نياط قلب كل مسلم غيور حرّ لكن ما حيلتنا ونحن مستضعفون كحالهم. كل مسلم اليوم هو مستضعف حتى يثبت العكس بعد أن ثبتت خيانة حكامنا وسقطت الأقنعة عن وجوه مشايخنا وتساقطت معها لحاهم وبانت معها غوغائيتنا. نحن شعوب نعيش في سجون عملاقة نسميها مجازًا أوطانًا تحكمنا العساكر وتشدّ إحكامها على رقابنا، رشاشات جيوشنا موجهة إلى صدورنا. فماذا عسانا نفعل، وما يصنع مستضعف لمستضعف؟!

صحيح أن علينا التعريف بقضيتهم وإيصال صوتهم للعالم وتذكير الجموع بها وأن نكثر من الدعاء لهم وأن لا نحتقر من ذلك شيئًا وذلك أضعف الإيمان، ولكن لنتذكّر أن طريقنا لتحرير القدس لا بد أن يمرّ  بأوطاننا أولًا فيحرّرها ثم ينتقل بعد ذلك للقدس والقضية الكبرى، لن نستطيع استرجاع القدس إلا إذا تعاهدنا أنفسنا وأصلحنا حالنا وأقمنا دُولنا. فكيف لمن يعيش على هامش التاريخ أن يطالب بالتاريخ كله؟ كيف لمن يعيش الهوان أن يعيد الكرامة لأقوام آخرين؟ نحن قوم سائرون على دين حكامنا، وحكامنا هم من يملؤون الطائرات الحربية الإسرائيلية بوقودنا الذي لا يصل لقرانا ومداشرنا النائية. حكامنا هم من يسبّحون بحمد إسرائيل ليلًا ويكفرون بها نهارًا يلعنونها جهرًا ويسجدون بين يديها سرًا.

إن ما أُخذ بالقوة لن يستعاد إلا بالقوة، فالقدس لن تستعاد بالشجب اللّطيف والتنديد الناعم لأنه «حين يتخلى الحق عن القوة يجترئ عليه كل باطل، إذا أردت أن يظل الحق واقفًا على قدميه فضع على كتفيه بندقية» كما قال العتوم.

هذا هو قانون الحياة وناموسها فلا قيام لدولنا إلا بإصلاح وعينا ولا استرداد لمقدساتنا إلا بقيام أوطاننا من كبوتها. فلن نحرّر الأقصى إلا إن حرّرنا أنفسنا وأوطاننا من ربقة العبودية والذلّ.

صحيح أننا نتقمص دورًا «بانكيمونيًا» في كل حدث فنقلق ونشجب ونستنكر لكن علينا ألا نوهم أنفسنا أننا نسير في الدرب الصحيح نحو تحرير الأقصى وإلا صار حالنا كحال الذي كتب على حسابه رسالة إلى ترامب «اعتذر حالًا.. وأسلم تسلم» فلما حصد بضع لايكات أغلق حسابه وعاد إلى فراشه وقد مُلئ فخرًا وإعجابًا بنفسه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد