المشروع الثاني المقدم إلى دولة قطر.

مشروع حل الصراع العلماني الإسلامي لبناء أرضية النهضة

هذا المشروع وهو الثاني ضمن ثلاثة مشاريع، وجدت من الضروري تسليط الضوء على محتواه الذي يشكل الأرضية التي أنتجت فكرة المشروع. تفاصيل المشروع وخطته جاهزة لدي، إذا ما رغبت دولة قطر البت فيه وفي المشروعين الآخرين، وهن مجتمعة يعدن بالنفع العظيم على قطر وشعبها أولًا، ثم الشعوب العربية والإسلامية.

يتبادر إلى الذهن السؤال: لماذا حل هذا الصراع العلماني الإسلامي؟

الجواب ببساطة، لأنه بدون حل هذا الصراع، لن تقوم لهذه الأمة قائمة ولا نهضة، على مستوى الأمة كلها، وعلى مستوى كل شعب أو قومية من شعوب المسلمين وأقوامهم. لأن العلمانية هي الورم القاتل الذي ما زال يفتك بالأمة، فتك الورم الخبيث بجسد الإنسان. فهذه النبتة الزقوم، بذرت في أرضنا منذ حوالي الثلاثينيات من القرن التاسع عشر الميلادي في الدولة العثمانية. وبدأت هذه النبتة بالطلوع والانتشار، في وهدة انحدار الأمة نحو الانهيار والهزيمة. فخرج من بين ظهراني المسلمين (وخصوصًا في مصر وتركيا)، من يروج للغرب وبضاعته (كل بضاعته!)، دون إدراك وتمحيص وعلم. ومن أمثال هؤلاء رفاعة رافع الطهطاوي، جمال الدين الأفغاني (شيعي ماسوني) وطلابه مثل محمد عبده وغيره. وفي تركيا، كان هناك إبراهيم شناسي ونامق كمال، وبعدهم إبراهيم ساتروفا وعبد الله جودت وبهاء الدين شاكر (الآباء الفكريون للأتاتوركية). هؤلاء الأزلام من أنصاف المثقفين، الذين تغذوا على مخلفات الغرب وهوامشه، وزاروا بلدانه، هم الذين بدأوا حملة الابتعاد عن الإسلام وتراث الأمة، وبدأوا بالدعوة إلى تأسيس روابط المجتمع والسلطة، على أساس أوروبي وقيم أوروبية. هؤلاء هم الذين أعطوا الولادة لسكير معربد مثل أتاتورك، ورضا شاه، والخديوي إسماعيل… والضباط الذين قاموا بالانقلابات في بلداننا، وخرج من بينهم زعماء سياسيون خلقوا كوارث قل مثيلها. وسال الخراب والدمار العظيم بين أيادي هؤلاء وأقدامهم، الذين ماتوا وهم مفتونون بالغرب، وخلفوا وراءهم جيلًا ساقطًا من السياسيين لا يأبهون حتى بسمعتهم قيد شعرة، وهم يسوقون بلداننا وشعوبها نحو الهاوية بكل صلافة وقلّة حياء، مثل السيسي، بشار الأسد، علي عبد الله صالح ومن سبقهم من أمثالهم… إلخ.

باختصار، منذ أكثر من قرن ونحن نعاني أشد الانهيارات والانكسارات والخسائر البشرية والمادية، بسبب هذا التيار العلماني الذي ما زال يدب فينا كريح عاصف.

هناك مشكلة جوهرية في العالم الإسلامي، تعاني منها الأمة قاطبة، بإسلامييها وعلمانييها وشرائحها الأخرى، وهي مشكلة عقيمة تكمن في جهل عجيب بالعلمانية ونشوئها في الغرب. ولكي لا أطيل هنا في الحديث عن نشوء العلمانية، فقد تحدثت عن ذلك في فصل كتاب (حوار الإسلام والعلمانية في كُردستان من إعداد د. عثمان علي). الفصل هو بعنوان (العلمانيون بين الإسلام والحوار مع الإسلاميين في كُردستان) ص 347 وما بعد. للأسف الشديد، يظن معظم النخب والأوساط الفكرية والعلمية في عالمنا الإسلامي والعربي، أن العلمانية نشأت كتمرد على الكنيسة، وليس انبثاقًا مبنيًا على تراث وهوية الغرب الممتدة أعماقها في التأريخ! على أي حال، شرحت هذا الموضوع لما فيه كفاية الطالب، للإحاطة بالسياق الذي أود الحديث فيه على طريق نهضة أمتنا. الرجاء ملاحظة الفصل المذكور لمن يشاء في المرفق.

كيف تُهزم العلمانية؟

العلمانية في العالم الإسلامي لا تُهزم بالقوة العسكرية بتاتًا. فقد ترسخت كعقيدة يخضع لها الملايين من البشر من المسلمين. بل والأنكى، هناك إسلاميون رضوا بها، بعد أن قاموا بإيجاد ما هو مشترك بينها وبين الإسلام»، في محاولة توفيقية كارثية دفعوا أثمانها، وسيدفعونها أكثر وأكثر! مع العلم، أنني لا أرى في الإسلاميين إلا الوجه الآخر للعلمانيين، ولا يفرقهم سوى بعض المظاهر، لكن كليهما من صنيعة الحداثة الغربية ولا يمتّان في مضامينهم وهياكلهم وبناهم إلى تراثنا بشيء.

اليوم هناك مثلث رهيب يريد تدمير العالم الإسلامي. هذا المثلث يتكون من:

أولًا: الغرب ومن ضمنه إسرائيل.

ثانيًا: الشيعة بقيادة إيران.

ثالثًا: العائلة السعودية المالكة ومعها عوائل حاكمة خليجية وعربية.

هذا الضلع الثالث يتكون من ثلاث قوى، تشكل هي الأخرى مثلثًا خطيرًا وكارثيًا. هذه القوى الثلاث، يدعمها الغرب ويديرها ويرعاها، ويهيئ لها الأسباب والتمكين. القوة الأولى، هي العوائل المالكة التي نصبها الإنكليز في العالم العربي وخصوصًا في الخليج، وتحميها أمريكا وأوروبا. القوة الثانية هي نخب الأقليات الدينية (كالمسيحيين الموالين للغرب تحديدًا، والنخب الشيعية التي تختفي وراء أقنعة علمانية وديمقراطية ويسارية… إلخ!)، والتي تسيطر على المحطات الإعلامية والتجارية العائدة للعوائل الحاكمة في العالم العربي. القوة الثالثة هي قوة الوهابية (وأذرعها الحزبية في العالم)، التي نشأت في الجزيرة، تحت إشراف الإنكليز، حيث فتكت بالعثمانيين، ومن ثم بشرائح المجتمعات المسلمة في الجزيرة، وتحالفت مع عائلة آل سعود التي بدورها دعمت الفصائل التي خرجت من بين ظهراني الوهابيين، باسم الجهاد، في أفغانستان ومن ثم البلدان الأخرى وتسببت في تشويه سمعة الإسلام والمسلمين، وتخريب لبلدان الإسلام في أصقاع المعمورة. لقد شرحت هذا الموضوع بالتفصيل في عدة مقالات، أضع رابط بعضها هنا حتى يكون كلامي واضحًا من غير تفسيرات مجحفة لما أذهب إليه:

هل مشكلة السّنة في الدين وحلّها في العلمانية والديموقراطية؟ (مع إعادة مقال الثالوث الأقدس الذي دمّر الشرق وأهله)

هل النظام السعودي والنظام الإيراني عدوّان أم لاعبان للأدوار في خطط الغرب وفي ملعب الشرق

السعودية لن تسمح بسقوط نظام بشار الأسد

لماذا تدفع دول النفط بالحركات الإسلامية إلى الجهاد في ساحات بعيدة عنها برعاية أمريكا

ما هي خطورة الوضع الراهن على المسلمين ومستقبلهم؟

موضوع العلاقات الدولية يعود إلى جذور فلسفية تبدأ بعمانوئيل كانط وهيجل وماركس، وفلاسفة آخرين، تحدثوا عن شكل أو حتمية مسار التأريخ في النظام الدولي وعلاقات المجتمعات البشرية. بالرغم من أن كانط أسس لنظرية نهاية التأريخ، والتي طورها هيجل وماركس وأخيرًا وليس آخرًا فوكوياما، مرورًا بعشرات الفلاسفة الغربيين؛ لكنه يقول إن الدولة القومية حتمية ضرورية للحفاظ على التوازن والسلم العالميين، لأن هيمنة الدولة الواحدة في العالم ستخلق الظلم وتقضي على الحرية. لكن اتجاهات الفلسفة الغربية بعد ذلك، اتجهت بمسارات متشعبة ومتناسقة في آن، نحو تثبيت فكرة الدولة العالمية الواحدة أو الحكومة العالمية، للحفاظ على السلم والتطور والحرية الإنسانية، باعتبار أن الدول الإقليمية القومية عاجزة عن تحقيق السلام العالمي، وتحمّل المسؤوليات الأكبر من حدود الدولة القومية. هذا الاتجاه له جذور عميقة في التأريخ الغربي، بشقيه الكاثوليكي-البروتستانتي والأرثوذوكسي (لاحقًا الرأسمالي والاشتراكي)، بدءًا بشارلمان و«إمبراطوريته المقدسة» وإلى الاتحاد الأوروبي الراهن، مرورًا بنابليون وهتلر اللذين كانا يحلمان بعودة أمجاد الإمبراطورية الرومانية الغابرة، ومن ثم الدولة الشيوعية السوفيتية التي تأسست على نظرية كارل ماركس الممتدة من كانط وهيجل. اليوم، يعمل الغرب جاهدًا من أجل هذه النهاية التي تسود فيها حكومة عالمية واحدة، وبقيم مشتركة ليس فيها مكان لقيم «الإرهاب» و«التخلف» و«العنف» و«اضطهاد المرأة»… إلخ من النعوت التي تحمل في مضامينها تفسيرًا واحدًا وهو: الإسلام! لماذا الإسلام؟ لأن الغرب عبر سلوكه وإعلامه ونظرته العامة والأكاديمية، وبتناسق رسمي وشعبي، أعطى هذه الأمور المنبوذة عنوان الإسلام منذ عقود طويلة. هذا العنوان يشكل اليوم ظاهرة عالمية، والمسلمون يقفون إزاءها وقوف العاجز المصدوم.

لماذا الدولة العالمية المنشودة أو الحكومة العالمية خطيرة؟

الجواب في الجزء الثالث والأخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك