إن المطالبات بإصدار قانون حرية تداول المعلومات في مصر لم تظهر فقط بعد ثورة 25 يناير، بل ترجع لسنوات طويلة، حيث كانت هناك مطالبات حقوقية بضرورة صدور القانون منذ عام 2005، لكن دستور 1971 بتعديلاته المختلفة لم يكن يتضمن أي نص على حرية تداول المعلومات في كافة مواده باستثناء مادة 210 الخاصة بحرية الصحافيين في الحصول على الأنباء والمعلومات طبقًا للأوضاع التي يحددها القانون.

كما أن معظم القوانين المصرية جاءت بنصوص مانعة لتداول المعلومات، بغض النظر عن الجهة أو الهيئة العامة التي تصدرها، فلم يكن هناك أي إلزام يضغط في اتجاه صدور هذا القانون الهام، لكن مع دستور 2014 تغير الوضع شيئًا ما ، حيث ألزم في أحد مواده بصدور القانون.

وتنص المادة 68 على: المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة، حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية، وينظم القانون ضوابط الحصول عليها وإتاحتها وسريتها، وقواعد إيداعها وحفظها، والتظلم من رفض إعطائها، كما يحدد عقوبة حجب المعلومات أو إعطاء معلومات مغلوطة عمدًا.

ولعل المفهوم العام لحرية تداول المعلومات يكمن في كونه أحقية الأفراد في الحصول على المعلومات التي تحتفظ بها الجهات العامة المشرفة على الصالح العام، ولذلك ينبغي أن تكون المعلومات متاحة للكافة من أفراد الجمهور، إذا لم تكن هناك مصلحة حيوية للدولة تقتضي سرية هذه المعلومات.

ولقد قامت العديد من المنظمات غير الحكومية المهتمة بحقوق الإنسان بوصف المعلومات على أنها أساس الديمقراطية، وذلك لأهميتها في إرساء الديمقراطية على عدة مستويات؛ فهي من حيث الأساس تتعلق بقدرة الأفراد على المشاركة بفعالية في صنع القرار. وتعتبر حرية تداول المعلومات أداة رئيسة في مكافحة الفساد والأخطاء التي تقع في الحكومات، فيكون بوسع الصحافيين العاملين في مجال التحقيق والمنظمات غير الحكومية استخدام حق الحصول على المعلومات لكشف الأخطاء والاستفادة منها والعمل على تفاديها.

ولقد كانت السويد طليعة دول العالم، فشرّعت قانونا يتيح تداول المعلومات الموجودة لدي المؤسسات الحكومية، بعد إقرارها لقانون حرية الصحافة في عام 1766م. وينص هذا القانون في مادته الأولى: يحق لكل مواطن سويدي الحصول الحر على الوثائق الرسمية، وعمليًا يمكن لأي شخص المطالبة بالحصول على المعلومات.

كما كانت الولايات المتحدة الأمريكية من أوائل الدول التي تقبلت حرية المعلومات خلفًا للسويد، فأنها علي مدى الخمسين عامًا الماضية، سمح قانون حرية تداول المعلومات للأمريكيين وغيرهم بطلب سجلات حول موضوع ما من الحكومة الفيدرالية، وأجبر الوكالات الفيدرالية على تقديمها. فسواء كنت صحافيًا أو ناشطًا أو باحثا أو شخصًا عاديًا يريد معرفة المزيد عن الحكومة أو أفعالها، يمكنك تقديم طلب، ولا يتعين عليك حتى أن تكون مواطنًا أمريكيًا لتقديم طلب بموجب قانون حرية المعلومات.

ولكل وكالة حكومية أمريكية مكتب خاص بها للإفراج عن السجلات طبقا لقانون حرية المعلومات، ولكن مكتب السياسات الإعلامية بوزارة العدل يشرف على امتثال جميع الوكالات لقانون حرية المعلومات، ويدرّب الموظفين في جميع مؤسسات الحكومة على كيفية الرد على الطلبات التي تستوجب تطبيق هذا القانون، والتاريخ يعرض كيف أثّر هذا القانون علي ترسيخ مبادئ المواطنة ومراقبة أعمال الحكومة مما أثار القلق والحذر وسط ممثلي السلطة التنفيذية  والحزبين المتنازعين علي السلطة بالولايات المتحدة. وهو أيضا ما يجعل المواطنين في حرص دائم لأجل حماية ذلك الحق، والذي لم يكن انتزاعه أمرًا يسيرًا، وفيما يلي أهم المراحل التي مر بها القانون إلي حيز التنفيذ بشكله الحالي بالولايات المتحدة.

لقد شرع في السعي وراء هذا القانون عضو الكونجرس الأمريكي جون موس من كاليفورنيا، التابع للحزب الديمقراطي في عام 1955 لتقصي ما حدث بالحرب الباردة، تبعها دعم من عدد من الصحافيين ومحرري الصحف الأمريكية، ولكن عجز موس عن أن يجد دعما من الحزب الجمهوري في ذلك الوقت.

وقد تم رفض الطلب المرسل من موس في عهد الرئيس جونسون، كما عارضه العديد من الوكالات الفيدرالية في ذلك الوقت، بالرغم من ذلك فبعد تعديل نص مشروع القانون بدا جليًا أنه لا مفر من إعلان الشفافية وتمرير القانون، إلى أن وصل للرئيس جونسون في الرابع من يوليو عام 1966 والذي قرّر ألا يقيم إعلانًا شعبيًا للتوقيع على القانون – كما كان يجري في غيرها من القوانين –  وختم توقيعه على القانون قائلًا:

لا يجب أن يكون لدى أحد القدرة على إسدال ستائر من السرية على القرارات التي يمكن الكشف عنها دون الإضرار بالمصلحة العامة.  الرئيس ليندون جونسون

وبتمرير القانون في عام 1966 كانت خطوة كبيرة في الطريق نحو الشفافية من الجهات المسئولة، ولكنها افتقدت إلى الأنياب اللي تُجبر المؤسسات الالتزام بالشفافية والانصياع للرقابة ونشر المعلومات، وقد نص القانون الأمريكي لحرية تداول المعلومات على حق أي إنسان في طلب وتلقي المعلومات دون إبطاء من الهيئات المختصة، بشرط توافر الشروط الأساسية المتطلبة مستوفيا لشروط الزمان والمكان، وأن يتم دفع الرسوم واتباع الإجراءات اللازمة. وهناك مجموعة من الاستثناءات تتمثل في الأمن القومي، والمعلومات التي تحمي سريتها قوانين أخرى، والمعلومات التجارية، والمذكرات التي يتم تبادلها داخليًا في المؤسسات، والخصوصية الشخصية.

واستمرّ الوضع كما هو عليه حتى كانت فضيحة ووترجيت في فترة الرئيس نيكسون عام 1968؛ حيث فاز بصعوبة شديدة علي منافسه المرشح الديمقراطي همفري بنسبة 43,5%  إلى 42%، وهو ما جعل موقف الرئيس نيكسون صعبًا للغاية أثناء معركة التجديد للرئاسة عام 1972، فقرر الرئيس نيكسون التجسس على مكاتب الحزب الديمقراطي المنافس في مبنى ووترغيت، ثم ألقي القبض على خمسة أشخاص في واشنطن بمقر الحزب الديمقراطي وهم ينصبون أجهزة تسجيل مموهة. كما أن البيت الأبيض كان قد سجل 64 مكالمة.

فأشاعت القضية صحيفة واشنطن بوست، وأشارت التحقيقات إلى وجود مبالغ مالية بحوزة المدانين تثير الشكوك، وعند تتبع الحسابات المالية وجد أن لها علاقة بمؤسسات ممولة لحملة إعادة انتخاب الرئيس نيكسون وتورط جهات رسمية رفيعة، مثل وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الاستخبارات المركزية، وصولًا إلى البيت الأبيض.

وفي أبريل 1973 أقال الرئيس نيكسون اثنين من كبار مستشاريه لعلاقتهما بالقضية، وبذلك تفجرت أزمة سياسية هائلة، وتوجهت أصابع الاتهام إلى الرئيس نيكسون، واستقال على أثرها نيكسون، وتمت محاكمته بسبب الفضيحة، وعفي عنه في سبتمبر 1974  بعفو رئاسي من الرئيس فورد.

وبعد فضيحة ووترجيت قام الكونجرس الأمريكي بإعادة صياغة القانون وإضافة عدد من الإصلاحات، إلا أن الرئيس فورد أبدى اعتراضه على تعديلات قانون حرية تداول المعلومات، ووصفها بأنها غير دستورية، وغير فعّالة، وتعرّض الأمن القومي الأمريكي للخطر، واستخدم الرئيس الأمريكي حق الفيتو معترضًا على القرار، إلا أن مجلس الشيوخ استطاع تمرير القانون مرة أخرى. وتمت إضافة إصلاحات أخرى لقانون تداول المعلومات في عام 1976 وعام 1986، إلى أن صدر قرار تنفيذي من الرئيس ريجان ليجعل الاستجابة لطلبات نشر المعلومات أمرًا أكثر يسرًا.

ومع انطلاق الإنترنت والدخول لعصر التكنولوجيا والمعلومات الرقمية تطلب القانون إصلاحات جديدة لتكفل حرية تداول المعلومات عبر شبكات الإنترنت، وليسمح بمساحة أكبر من الشفافية، ويسمح للهيئات والوكالات الرسمية بنشر المعلومات في صورة مستندات ممغنطة أو معلومات رقمية وهو ما أقره الرئيس بيل كلينتون في عام 1996.

وكانت الأمور تسير على هذا النحو بعد فضيحة ووترغيت، إلى أن كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فقد شهد القانون تحديات وقيودًا جديدة  ليحد من المعلومات المتاحة والتسجيلات الرسمية للحكومة ومؤسسة الرئاسة بقرارات من الرئيس الأمريكي جورج بوش لتعتبر فترة إدارة بوش هي أكثر الفترات سرية في تاريخ أمريكا المعاصر.

وبعد 50 عامًا من تاريخ إصدار القانون، وفي عام 2016 قام الرئيس باراك أوباما بإصدار قراره بتطوير قانون تداول المعلومات لينشئ خطًا مركزيًا للوكالات الفيدرالية يتمكن من خلاله أي شخص بإرسال الطلبات للحصول على المعلومات من أية جهة مختصة، كما أضاف حدا للفترة التي يمكن  للجهات الفيدرالية الاحتفاظ بالوثائق والمعلومات بحد أقصى 25 عامًا خلالها يمكن الاحتفاظ بسرية المعلومات وعدم نشرها.

ومن أجل كفالة الحق في الحصول على المعلومات، باعتباره حقًا إنسانيًا لكل فرد يمكنه الحصول على المعلومات الموجودة لدى السلطات العامة. وضعت منظمة الأمم المتحدة في المادة (19) تسعة مبادئ دولية عامة بشأن ضمان ممارسة حق المواطن في الحصول على المعلومات تحت عنوان: حق الجمهور في المعرفة – مبادئ بشأن تشريعات حرية التعبير. واعتمد مقرر الأمم المتحدة الخاص هذه المعايير في تقريره السنوي لعام 2000.

أما عن المملكة المتحدة أصدرت المملكة المتحدة قانونًا لحرية تداول المعلومات في نوفمبر 2000 ودخل حيز النفاذ في يناير 2005م. وأتاح هذا القانون لأي شخص الحق في الوصول إلي المعلومات التي توجد لدي الهيئات العامة، كما يلزم هذه الهيئات بتقديم المعلومات فيما لا يزيد عن 20 يوم عمل لطالبها، باستثناء بعض الأحوال التي يتطلب فيها تجهيز المعلومات مدة زمنية أطول مع الالتزام بتحديد المدة التي سيتم فيها تجهيز تلك المعلومات. ويتكلف طلب الحصول على المعلومات أقل من 600 جنية إسترليني بالنسبة للأجهزة الحكومية المركزية، وأقل من 450 جنيه إسترليني بالنسبة للهيئات المحلية، باستثناء تكلفة التصوير والبريد.

وكذلك تضمنت وثيقة لندن حول حرية التعبير الصادرة في مارس 1999 نصًا صريحًا حول الحق في تداول المعلومات؛ إذ أكدت على أنّه (يجب ضمان حرية تداول المعلومات بوصفها حقًا قانونيًا قابلًا للتطبيق. يتيح لكل فرد أن يحصل على سجلات ومعلومات تكون في حوزة سلطات الدولة، أو أية مؤسسة مملوكة للحكومة، أو أية جهة أخرى تقوم بتنفيذ مهام حكومية. وهو ما أعربت عنه المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان، وذكرت المحكمة أن هذه هي مقتضيات التعددية، والتسامح، وسعة الأفق التي بدونها لا يمكن أن يوجد مجتمع ديمقراطي. وكذلك كان قرار البرلمان الأوروبي.

أما النموذج المصري لقانون تداول المعلومات والذي ابتدأ الحديث عنه مجددًا في أعقاب ثورة 25 يناير، والذي أعلن عنه  مكرم محمد أحمد – رئيس المجلس الأعلى للإعلام – وأن مصر في أمسّ الحاجة إلى قانون يتيح وينظّم الحق في الحصول على المعلومات ونشرها، لاسيّما أن هناك حوالي 140 دولة قد أصدرت قوانين لضمان حرية وشفافية حصول المواطنين على المعلومات، ومن بين هذه الدول دول عربية وأفريقية عديدة، في مقدمتها الأردن التي أصدرت تشريعًا في عام 2007.

والقصد أن المشروع بغض النظر عن أي ملاحظات عليه هو خطوة للأمام؛ لأن إتاحة المعلومات هي التي تضمن الحق في المعرفة وتؤسّس للديمقراطية ومشاركة المواطنين في الشأن العام كما أن هناك قانونًا آخر تقوم بإعداده اللجنة التشريعية بمجلس النواب، ولكن لا يوجد أي تنسيق بين المشروعين.

وصرّح مكرم محمد أحمد لموقع اليوم السابع، وربما أثار تساؤلات هامة قائلًا: لم يلقَ المشروع الاهتمام المستحق من وسائل الإعلام، ولا من المجتمع المدني، وهو ما يثير أسئلة كثيرة، أهمها هل المناخ العام لا يشجع؟ أم أن المصريين مشغولون بقضايا أخرى، كالغلاء ومقاومة الإرهاب؟ أم أن هناك حالة من الشك في إمكانية تطبيق مثل هذا القانون، وهنا لابد من الإقرار بأن لدينا فى مصر قوانين ديمقراطية عظيمة، لكن بيروقراطية التطبيق وجمود اللوائح التنفيذية تقتل هذه القوانين أو تجمدها، وتحولها إلى مجرد نصوص بلا معنى أو فائدة حقيقية.

أما عن العقوبات، فينص مشروع القانون بتوقيع عقوبة على الموظف الذي يمتنع عن الإدلاء بمعلومات تتراوح ما بين الغرامة من 5 إلى 20 ألف جنيه، في حين تصل العقوبة إلى السجن في حال إتلاف البيانات أو السجلات، أو إعطائه معلومات خاطئة.

وربما إن الأزمة الحقيقية تكمن في الثقافة الشعبية والوعي العام بأهمية تداول المعلومات وحريتها شأنها شأن باقي الحقوق والحريات الشخصية والتي ربما تأخذ نصيبًا أكبر في الدفاع والمناشدات، أما  في الولايات المتحدة فتقول ميلاني آن بوستاي، التي توجّه مكتب السياسات الإعلامية: في العام الماضي وحده كان لدينا ما يقرب من 800 ألف طلب للحكومة الفيدرالية. إنه قانون يحظى بشعبية عالية في أمريكا.

وكثيرًا ما يستخدم الصحافيون معلومات في تقاريرهم حصلوا عليها بعد تقديم طلبات بموجب قانون حرية المعلومات، ولكن طلبات الصحافيين تشكل 7.5% فقط. والغالبية العظمي من الطلبات يقدمها المواطنون العاديون والشركات التجارية وشركات المحاماة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد