أحد أوضح مناهج الرسالات السماوية هي إرسال الأشخاص المناسبين لأداء هذه الرسالة التوعوية في النصح والإرشاد، وفي الدعوة للنجاة وتصحيح الأخطاء، وهؤلاء النخبة من البشر هم من قدر الله لهم أن يكونوا أنبياءه ورسله وعباده الصالحين، وما كانوا لينجحوا لولا أنهم كانوا من خيرة القوم، فهم جميعًا يتسمون بالخلق الرفيع، والنسب الصحيح، واعتدال المزاج، ويؤدون مهمتهم بدون أي مطامع دنيوية، أو أغراض سياسية.

من بعد هذه المقدمة البسيطة سنجد أن مسيرة هؤلاء النخبة لم تكن وردية، بل كان مشوارهم في تأدية الواجب المقدس يمر عبر طرق وعرة وكلها آفات وأشواك، مما جعلهم عرضة هم وأتباعهم للسخرية وتقليل الشأن، وكل الأنبياء والرسل والصالحين تعرضوا وبمنهجية واحدة إلى عدة أشكال من المضايقات، كالاستهزاء، والقذف، والافتراء، والاتهام بالسحر، والشعوذة، والمس، والجنون، وصولًا إلى السب، والشتم، وهتك الحرمات، والقتل.

من خلال ما نقرأه من آيات بينات في كتاب الله المجيد، نجد أن هؤلاء النخبة كانوا هم وأتباعهم يضعفون أمام هذه الهجمات والحملة الإعلامية المضادة، وأمام كل المضايقات التي يتعرضون لها ليلًا ونهارًا، وما كان لهم إلا الرجوع لله تعالى لينصرهم على أعدائهم، وعندما نلاحظ ما فعله الله بأعدائهم من قتل وتعذيب، سنعلم أن هؤلاء وصلوا بتصرفاتهم العدوانية إلى مرحلة أنهت سبل الرحمة، وقطعت حبل المغفرة، وجعلتهم في موقفٍ لا يقبل إلا العذاب الأليم.

من أهم أساليب أعداء الله وأوليائه، هي استهداف الرمز والقدوة والنيل منه، وهذا الجهد الذي بذله السابقون من خلال جعل الأنبياء رجال زناة، أو أبناء حرام أو سفاح، أو يعانون من اختلال جنسي معين، أو ذوي خلق سيئ، وبالطبع فإن هذا المنهاج لم يصدر من خارج دائرة أتباع هؤلاء الأنبياء والرسل، بل كان يصدر من داخلها، ومن أناس ألصقوا أنفسهم بهذا النبي أو ذاك الرسول، فأظهروا للناس إيمانهم وأخفوا أضغانهم وكرههم، ونحن نرى أن السيرة النبوية الشريفة تعاني من أحاديث كثيرة موضوعة ومحرفة، ويطلق عليها بالإسرائيليات، كون بني إسرائيل أكثر من أتقن هذا الفن من الحرب الإعلامية الزائفة لضرب شخصية أولياء الله وأحبائه وأنصاره.

دورنا اليوم هو المحافظة على شخصية النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، كونه هو القدوة الأولى والرمز المقدس والذي قال عنه الله تعالى في سورة القلم «ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ. مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ. وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ» وهذه الآية الصريحة كفيلة برد أي تفسيرٍ أو حديث أو رواية تأتي لتخالف مضمونها، إذ إن الله يصفه بصفتين مهمتين، إحداهما العقل، والأخرى حسن الأخلاق، فإن سمعت يومًا بأن الرسول الخاتم جاء بفعلٍ صبياني أو أعطى رأيًا عن جهالة، أو جاء بفعلٍ لا يفعله صاحب الخلق الرفيع من تكبرٍ أو تعالٍ أو أي فعلٍ لا يرتضيه صاحب الخلق العادي فكيف بصاحب الخلق العظيم، فإضرب بها عرض الجدار ولا تصدقها، وأبحث عن مصدرٍ آخر ستجد حينها الحقيقة.

لقد تعرض النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلى كثير من الطعن والأذى في نفسه وفي أهله، ونجد هنالك إصرارًا من المسلمين على تناقل نفس الفكرة مرارًا وتكرارًا وكأنما في ذلك فخر، ولم يع هؤلاء أنهم ينخرون في صورة نبيهم بأعين الآخرين؛ مما جعله عرضة للتطاول والاستهزاء، ومن المؤسف أنهم يستندون إلى روايات وأحاديث مثبّتة في كتب المسلمين تروي عنه سنة استنها أو تفسير لآية، تجعل الإنسان الجاهل بمقام النبي يفكر بأن هذا النبي المتناقض ما هو إلا مريض نفسي، بحاجة للعلاج لا للإتباع.

إحدى صور عدم اتزان النبي الأكرم، والتي موجودة في كتب المسلمين هي رواية زواجه من أم المؤمنين زينب ابنة جحش، حيث تبين هذه الروايات أن النبي نظر إلى زينب وأعجب بها، ورأى ذلك إبنه بالتبني زيد بن حارثة، وكانت حينها زينب زوجته، فعرض عليه أن يطلقها ليتزوجها فنزلت في ذلك الآية «وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ…» المصدر، وكيف لعاقل أن يقتنع أن النبي المبعوث رحمة للعالمين وصاحب الأخلاق الرفيعة والزاهد في الدنيا قد سولت له نفسه بالنظر إلى امرأة غيره نظرة ميولٍ وإعجاب، بل يكذب أيضًا وينافق بإخفائه ميوله وإعجابه بها أمام زوجها زيد؟ والأعجب أنه هو من زوجها من زيد وهو من خطبها له (المصدر)، بل أقنعها بهذا الزواج، بالرغم من الفوارق الطبقية بينهما.

بالطبع يتبع ذلك غيرها من أشكال المساس الذي يحط من مكانة وشأن النبي ويجعله محط سخرية واتهام، لا سيما مع ما يرافق ذلك من حملات تحاول تخريب صورة الإسلام بشكل كامل، مثلما يحصل من ظهور مجاميع قاتلة تستمد أحكامها من الإسلام، ومن سيرة النبي وأصحابه، ومن تفسيرهم للقرآن الكريم، فأجازوا لأنفسهم هتك الحرمات وسفك الدماء وتحليل الحرام وتحريم الحلال، وليس هذا هو الدين الإسلامي الحقيقي الذي نؤمن به.

المسلمون بحاجة إلى فلترة الأحاديث وتنظيف السيرة النبوية من الشوائب وإعادة النظر فيمن يتبنى هذه الأفكار المتناقضة، والتي ظاهرها حبٌ للنبي وباطنها طعنٌ به، وتركه وعدم تشجيعه وإتباعه، يجب علينا المحافظة على صورة نبينا القدوة خالية من الشوائب والمنقصات، فقوة الأمة من عظمة قادتها، وهوانها من هوانهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد