إن الفعل غير الأخلاقي لا بد له من مصدر معين، ولا بد من الرجوع للوراء لنجد أن المصدر أو المنبع الذي تنتج منه الأفعال غير الأخلاقية هو التربية، التربية الحسنة النافعة غائبة أو غير متكاملة، توقفت في محطة ما من محطات الحياة لأن أحدًا لم يقم بدوره كما يجب، ودور المربي كبير هنا، لأنه المسؤول.

التربية ليست مسؤولية فرد بعينه سواء قلنا الأب أو الأم أو الأخ أو… هناك مجموعة من الناس مسؤوليتهم الأولى التربية، فمثلًا منظومة التعليم المغربية تبدأ بكلمة التربية (وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني…) وأمثلة أخرى كثيرة، إذًا الأهل مسؤولون عن تربية أبنائهم، الأقرباء أيضًا وسنتحدث عن دورهم لاحقًا، المدرسة مسؤولة أيضًا ومن واجبها تقديم المساعدة التربوية من أجل مستقبل الوطن، الشارع والوسط أو المحيط السكني، وسنتحدث عن هذه النقاط لاحقًا بربطها مع الحديث عن دور الأقرباء، لكن الأسئلة الواجب طرحها هنا. هل نقوم بدورنا التربوي على أتم وجه تجاه أبنائنا وأبناء أبنائنا وتلامذتنا وطلبتنا؟ هل نغرس في أجيال المستقبل التربية الحسنة؟ هل نحسسهم بأهميتها وقيمتها في الحياة ودورها في التواصل مع الغير؟ من المسؤول عن غياب التربية في البيت والمدرسة وفي الشارع؟ هل الآباء هم المسؤول الوحيد عن كون أبنائهم غير صالحين للمجتمع؟ وما دور المجتمع؟

أول شيء يجب ذكره أن التربية إن لم تكن متكاملة الوفاق من مرحلة لمرحلة أخرى، فلن تكون النتيجة مأمونة، وبالتالي فالآباء هم المسؤولين بالدرجة الأولى عن تربية أبنائهم، طالما هم من قرروا إنجاب مولود، لا مشكلة في إنجاب طفل، لكن المشكلة هي المسؤولية المتكاملة تجاه ذلك الطفل، هل قادرين على تربيته وتلبية حاجياته لسن معين؟ هل الوسط الذي يعيش فيه يلائمه؟ هل الظروف المعيشية تسمح بإنجاب طفل أو طفلين أو أكثر؟ هل المؤسسات قادرة على تحمل أبنائك والقيام بدورها التربوي من أجل مصلحتهم ومصلحة الوطن؟ أسئلة كثيرة تجرنا لأسئلة أخرى، لكن لن نتحدث هنا عن الإنجاب وإنما عن التربية، أي بعد الإنجاب سواء كان قرارًا سليمًا أو لا من طرف الأبوين.

سنخصص للإنجاب والقرار المنعدم فيه مقالة متكاملة فيما بعد، أما الآن فلنتحدث عن التربية، التربية الغائبة لحد ما في العديد من المجتمعات العربية، وعندما نتحدث في أمر ما، نتحدث فيه بشكل منطقي وواقعي، فيكفي أن نحدده.

الأبوان غير القادرين على تحمل تصرفات أبنائهم وأفعالهم، أو ضربهم ومعاقبتهم على ذلك من وجهة أخرى، من الأفضل لهم أن لا ينجبوا مزيدًا من الأطفال، التربية أساسها الحوار والنصح والتوجيه، وتقديم أمثلة حساسة تداري سن الطفل أو المراهق أو الشاب، فالطفل في سنه الصغيرة يحتاج إلى القراءة، لأنها المساند الوحيد من أجل تكوين شخصيته المستقبلية، وبما أنكم أنجبتم مولودًا فعليكما أن تقوما بواجبكما، شراء قصص تربوية على سبيل المثال وقراءتها لأبنائكم في وقت محدد من كل يوم، هذا إن كان بعد في سن صغيرة لا يستطيع فيه القراءة، أما بعد قدرته على القراءة فليفعل ذلك بمفرده، وكذلك فليحاول المرء ما أمكن اكتشاف مكامن القوة في أبنائه، اكتشفوا أين تكمن قوة أبنائكم وحاولوا أن توجهوها في شيء نافع، شيء ستنتج منه إفادة مستقبلية لنفسه ولكل من يحيط به، اشتروا لهم الأوراق ودعوهم يرسموا، دعوهم يكتبوا، دعوهم يبتكروا شيئًا، دعوهم يتصرفوا بحرية، كونوا بجانبهم فقط ووجهوهم بأفكار من تجاربكم، كونوا المساند لهم في أفعالهم، وبعد أن ينغرس فيهم فعل الإبداع في أي مجال من المجالات، حينها ستكتشفون في أطفالكم نشوء موهبة أو تكوينها لأنها مولودة معهم، لا يوجد على هذه الأرض شخص لا يتقن فعل شيء بفنية سواء كان ما يفعله نافعًا أو سيئًا، لكن يبقى ذلك راجعًا لنشأته وتربيته.

وإذا قام الآباء بدورهم والذي لا يتوقف أبدًا، كونهم المسؤول الوحيد مدى الحياة بغض النظر عن كبر الأبناء ورشدهم ومسؤوليتهم على أنفسهم، فلن يجدوا مشكلة تعرقل سير مستقبل أبنائهم، غير العقبات المتعلقة بالطموحات والأهداف، وذلك مرجعه حميد؛ إذ يحتاج للعمل والمثابرة والجهد الفكري، ولن ينتج ذلك إلا من تربية موجهة بشكل أفضل.

الأقرباء أيضًا لهم دور كبير في حياة الطفل، ربما أقرباء يعاتبونه وربما يضربونه لفعل سيئ من أفعاله، ويوجد العكس أيضًا ممن يتعاملون بشكل أفضل كالنصح والتوجيه وما سبق ذكره، لكن هنا على الآباء إن كانوا يتصرفون مع أبنائهم بشكل جيد أن يبعدوهم عن التوجيهات العنيفة من الأقرباء، لا يعقل أن تتفاعل بشكل جيد مع ابنك ويأتي شخص ليهدم ما تبنيه، لا يقبل من الأقرباء الضرب أو العنف بأي شكل من الأشكال وحتى الآباء أنفسهم فما بالك غيرهم، إن لم تكن قادرًا على تحمل الأطفال لا تنجبهم ولا تقربهم. ودور الأقرباء محصور في النصائح الحسنة الجيدة فقط لا غير.

هناك نقطة أيضًا مهمة وهي الوسط الذي يعيش فيه الشخص، فإن كان لديك أبناء من الأفضل لك أن تعيش في مكان نظيف، صحي، بمعنى أن يكون السكان أناس عاقلين، لديهم أيضًا أبناء يخافون عليهم من الأخطار الموجودة في الحياة والمحيطة بهم. أما إن كنت تعيش بين أفراد عائلتك كأعمامك وأخوالك، أي تعيش في منزل الشجرة الكبيرة فذلك صعب شيئًا ما؛ فالطفل غالبًا ما سينساق تحت توجيهات الآخرين غير توجيهات أبويه، وبالتالي ربما تكون تلك التوجيهات سيئة، وقد تؤثر فيه سلبًا، ومن الأفضل أن يكون الإنسان مستقلًّا أكثر الإمكان، وفي المكان المناسب أيضًا، بعيدًا عن الأقرباء والأصدقاء، وهذا لا يمنع إقامة علاقات اجتماعية، لكن أن تكون نافعة وفي وقتها.

على الشخص أن يكون قادرًا ماديًّا ومعنويًّا قبل أن ينجب، وأن تكون له خطوة تالية مدروسة، أي إنه يعرف لِمَ يجب عليه إنجاب طفل، وهذا ما لا يقوم به العدد الكبير. أما مسؤولية المؤسسات التعليمية فمن واجبها إكمال مسيرة التربية قبل التعليم، والتربية هي جزء من التعليم وعلى المؤسسات أن تقوم بواجباتها إلى أن يتكون ذلك الطفل عبر مراحل متناسقة، إلى حصوله على وظيفته في الحياة، وحينها يمتلك الدور نفسه في التعامل مع غيره، كمبدأ في المجال الذي يشغله، وإن تحقق هذا الأمر بالتتالي وتزامنًا مع المراحل التربوية، فلن يجد أي إنسان على هذه الأرض مشكلة في التعامل مع المراكز الإدارية والمستشفيات والمصانع والمدارس… و… و… ومع الحياة بشكل عام، سيكون المجتمع سليمًا من خلال تربية ناشئة أصلية جوهرية. والمسؤولية لا يمكن أن تقع على عاتق الأبوين وحدهم أو المؤسسات التربوية وحدها أو الأقرباء، فالتربية غير المتكاملة لن تنتج شخصًا متكاملًا أيضًا؛ إذ بإمكان الأبوين تربية ابنهم بشكل جيد، ولكن المؤسسة التربوية ستفسده، سيلتقي برفاق سوء، وربما يلتقي بأستاذ سيئ، أو يكون لديه أقرباء فاسدون، وبالتالي فجزء واحد جيد لا يمكن أن يصيب في التكوين، التربية متتالية عبر أفراد، من أبوين إلى مؤسسات تعليمية، أقارب، أقران وغيرهم، وإن لم تكن متكاملة فلن تكون مضمونة النتيجة لحد ما.

نعلم أن المجتمع أو الحياة بشكل عام فيها الناس الأخيار والأشرار، لكن هل أراد ذلك الشخص أن يكون بالشكل الذي هو عليه؟ علينا أن نجد النقاط الهدامة لشخصية الإنسان وأن نصلح ما جرى هدمه إن كان ذلك بالإمكان، ولذا فليحاول الإنسان أن يصنع شيئًا لغيره ولو بكلمة، فوجودنا في حياة شخص آخر له تأثير فيه بدون أدنى شك. ولذا حاولوا أن تؤثروا بالإيجاب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد