الهجرة النبوية من مكة إلى المدنية كانت ولا تزال منبعًا خصبًا نستقي منه حين نمر عليها المزيد والكثير, ونستفيد منها دروسا وعبرا كثيرة كلما طالعنا صفحاتها.

الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة لم تكن مجرد انتقال لـ (الأشخاص والمتاع) من مكة إلى المدينة المنورة (يثرب) بل كانت هجرة إلى المجهول إلى مكان غير معلوم لكافة المهاجرين في ذلك الوقت, وما بالك إذا كان ذلك المكان به أكثرية من الأفاعي أعني اليهود وتاريخهم مع أنبياء الله حافل بالكثير!

ومن هنا يأتى عظمة الدور الذي لعبته هذه الأسرة في أحداث الهجرة النبوية فهذا رب الأسرة يخرج مع الرسول حاملًا كل ماله دون أن يترك شيئا لأهل بيته, وهذا ابنه يخاطر بحياته من أجل نقل أخبار معسكر الشرك لرسول الله, وهذه ابنته (أسماء) تلعب دورًا كبيرًا في الهجرة على الرغم من أنها حامل في الشهور الأخيرة, إنها أسرة أبوبكر الصديق.

لعب (الصديق) دورًا كبيرًا في الهجرة ورافق النبى في هجرته من مكة إلى يثرب, مخاطرًا بكل ماله ونفسه وما يملكه ولم لا؟ وهو يتشرف برفقة النبى محمد .
وقد ورد على لسان السيدة عائشة وهي تصف حال (أبوبكر) عندما أخبره الرسول بالاستعداد للهجرة, قالت “لقد رأيت أبا بكر عندها يبكي من الفرح” ثم قالت عائشة رضي الله عنها: “فَلَمْ أَكُنْ أَدْرِي أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَبْكِي”.

خرج أبوبكر بكل ماله مهاجرًا مع رسول الله, فتروي السيدة أسماء بنت أبي بكر أن جدها أبا قحافة دخل عليهم وكان قد فقد بصره وقال لهم: “والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه”, ويعنى بذلك أنه تركهم بلا شىء فكان الرد الذكي من ابنته السيدة أسماء, قالت :”كلا يا أبت، قد ترك لنا خيرًا كثيرًا، فأخذت أحجارًا فوضعتها في كوة البيت التي كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبًا، ثم أخذت بيد جدي فقلت: يا أبت.. ضع يدك على هذا المال، فوضع يده عليه فقال لا بأس، إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن”.

وقبل أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وسيلة الانتقال إلى المدينة، إذا بالصديق رضي الله عنه يقول: “فَخُذْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هاَتَيْنِ” ,الراحلة الاسم الذين يطلقونه على وسائل الانتقال من الحيوانات في ذلك الوقت.

واتفق الاثنان على استئجار دليلًا لهما ليرشدهما في رحلتهما إلى المدينة المنورة وقد كان دليلهما في ذلك (عبد الله بن أريقط) وكان غير مسلم في ذلك الوقت ولكنه كان أمينًا للسر كاتمًا له ولا شك أنه أخذ المال الكثير ليوافق على هذه المهمة، ولا يخفى على نظرنا أمران, الأول: أن أبا بكر على الأرجح قد شارك في تمويل ذلك الرجل بجزء من ماله, والأمر الثانى: حسن اختيار النبي وأبي بكر لهذا الرجل فلو رآه أحد من المشركين في الصحراء أثناء تعقبهم للنبي وصاحبه الصديق ما يشك فيه أحد لأنه شخص منهم.

ثم كانت الخطوة التالية: الذهاب إلى غار ثور وهو غار غير مأمون وغير مؤهل للسكن, وذهبا للغار للبقاء فيه بعيدًا عن أنظار وجهاء قبيلة قريش المتعقبون لهم. واتفقا على البقاء في الغار ثلاثة أيام على أن يتركا الراحلتين مع (عبد الله ابن أريقط) على أن يقابلهم عند الغار بعد الأيام الثلاثة

وكان الصديق حريصًا منذ إسلامه على عتق الكثير من الناس الذين كانوا يعذبون لأنهم كانوا يؤمنون بالنبي ولا ظهر لهم لحمايتهم فكان أبو بكر ظهرًا وسندًا لهم في محنتهم وكان من هؤلاء (عامر بن فهيرة ) الذي أعتقه (أبوبكر الصديق) ثم صار مولى له وقد لعب ذلك الرجل دورًا كبيرًا في الهجرة النبوية، وذلك برعي أغنام فوق آثار أقدام النبي والصديق حتى يضيع على المشركين فرصة تتبع آثار الأقدام.

وإذ كان عامر يخفي آثار أقدامهم من المشركين فكيف يتسنى للرسول وصاحبه معرفة أخبار قريش؟ لعب هذا الدور الاستخباراتى العظيم, (عبد الله بن أبوبكر) فكان يتجول بين المشركين ليعرف أخبارهم وطريقة تفكيرهم في عرقلة هجرة الرسول إلى المدينة ومحاولة إجهاضها في مهدها وبدايتها فكان ينقل أخبارهم كل يوم إلى الرسول والصديق ولنا أن نتعجب! من المخاطرة التي أقبل عليها هذا الشاب وهو يعلم أنه لو أكتشف أحد أمره لكان مصيره خطير قد يصل إلى الموت تحت وطأة التعذيب, ولكن عجبنا يزول إذا كان ذلك الرجل ابنًا للصديق (أبوبكر) الذي أحسن تربيته وجنى ثمرتها الآن, وما أعظم تلك الثمرات التي تلعب دورها وقت الشدائد!

ويبقى السؤال من يمد الرسول وصديقه أبوبكر بالطعام والشراب خلال فترة إقامتهم بالغار؟ لعب هذا الدور العظيم امرأة من بيت الصديق هي (أسماء بنت أبوبكر) والتى سميت بـ (ذات النطاقين).

وقد كانت حامًلا في الشهور الأخيرة ولك أن تتخيل ما تعانيه المرأة في تلك الشهور من مصاعب جمة! ورغم كل ذلك لم تضعف عزيمتها فكانت تتحمل مشقة الطريق وحرارة الجو في الصحراء وصعود الجبل الصعب الذى به غار حراء, فعلت ذلك بشكل متواصل ثلاثة أيام كاملة دون كلل أو ملل.

وفي اليوم الأخير – للرسول والصديق أبوبكر- في الغار كان عليها إعداد غذاء وفير وشراب كثير ليكفي الرسول وأبي بكر في طريق هجرتهم إلى المدينة ووصفت لنا أسماء بنت أبي بكر ذلك قائلة:

“حين أراد أن يسافر إلى المدينة فلم نجد لسفرته وسقائه ما نربطهما “صنعت سفرة للنبي، فقلت لأبي بكر: ما أجد إلا نطاقي، قال شقيه باثنين، فاربطي بواحد منهما السقاء وبالآخرة السفرة”

وروي أن النبي قال لها حين فعلت ذلك : أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في الجنة. فقيل لها: (ذات النطاقين)، تلك المرأة أيضًا تحملت لطمة شديدة على وجهها وهى حامل، وذلك بعد أن انتشر خبر خروج النبى للهجرة, ذهب (أبو جهل) إلى بيت الصديق وطرق الباب بشدة، وفتحت السيدة أسماء رضي الله عنها، فقال لها في غلظة: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟” قالت:” لا أدري. فرفع أبو جهل يده ولطم خدها حتى أطار قرطها”.”

كان من الممكن أن تعترف أسماء تحت وطأة الضربة القوية ولكنها كانت صلبة وقوية في مواجهة هذه الأحداث, فثبتت حتى هاجرت إلى المدينة وهناك وضعت طفلها وكان (عبد الله بن الزبير) والتى تميل معظم الروايات إلى أنه كان أول مولود للمهاجرين بالمدينة المنورة.

وهكذا لعبت أسرة الصديق دورًا عظيمًا في الهجرة النبوية والتى كانت من الأحداث الهامة في تاريخ الإسلام إن لم تكن أهمها؟ فبالهجرة بدأت مرحلة الانتقال من الدعوة إلى قيام الدولة الإسلامية الجديدة التي كانت البذرة الأولى في تربة اتساع الدولة والخلافة الإسلامية, التي امتدت فيما بعد من الصين شرقًا إلى الأندلس(أسبانيا-البرتغال) غربًا, وليس أدل على عظمة حادثة الهجرة من أن (عمر بن الخطاب) أتخذها بداية للتأريخ عند المسلمين, فالأحداث الكبيرة هى التي تخلد قى سجل التاريخ, وقد كانت الهجرة من تلك الأحداث.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد